رحيل رفسنجاني يترك فراغاً في الساحة السياسية سيحاول المتشددون سده… وهل سيتمكن روحاني من حمل راية استاذه الإصلاحية والانتصار في الانتخابات المقبلة؟

إبراهيم درويش

Jan-12

لندن ـ «القدس العربي»: تأتي وفاة الرئيس الإيراني السابق ورئيس مجلس مصلحة تشخيص النظام علي أكبر هاشمي رفسنجاني (1934 ـ 2017) في وقت يمر فيه النظام السياسي في إيران بمرحلة مهمة يحضر فيها الرئيس الحالي حسن روحاني للترشح لولاية ثانية.
ومن هنا تحولت جنازته في طهران إلى تظاهرة حاول فيها التيار الإصلاحي إظهار القوة في جنازة رجل لعب يوماً دوراً ما في اختيار المرشد الأعلى الحالي آية الله علي خامنئي وأصبح رئيساً للبلاد في مرحلة ما بعد الحرب العراقية ـ الإيرانية والتي قال في مقابلة صحافية قبل وفاته إنها كانت الدافع وراء بحث الجمهورية الإسلامية عن البرنامج النووي.
وقال حسب تقرير في صحيفة «التايمز» إن إيران لم تكن تتوقع يوماً أن تتعرض للتهديد وأن»عقيدتنا الرئيسية كانت الحصول على طاقة نووية سلمية. ولم نفكر يوماً أننا سنواجه تهديداً ولهذا كان من المفروض علينا البحث عن طريق آخر» و»لكننا لم نمض أبداً فيه».

«تسقط روسيا»

ولاحظ كاتب التقرير كيف حاول الإصلاحيون استثمار المناسبة وهتفوا «السقوط لأمريكا» في تحول عن الشعار التقليدي «الموت لأمريكا» كما وهتفوا «يا حسين، مير حسين» في ربط بين الإمام الحسين بن علي، حفيد الرسول صلى الله عليه وسلم ومير حسين موسوي، المرشح الإصلاحي لانتخابات عام 2009 والذي أدت خسارته إلى ما عرف بـ «الثورة الخضراء» ويعيش تحت الإقامة الجبرية منذ عام 2011. كما وشهدت الجنازة هتافات مؤيدة للرئيس الإصلاحي السابق محمد خاتمي، الشخصية التي دعت للتقارب مع الغرب. ويقال إن المؤسسة الحاكمة منعت خاتمي من حضور الجنازة.
وقالت الصحيفة إن آية الله خامنئي دعا الإيرانيين للمشاركة الحاشدة في مراسم الدفن، في محاولة منه على ما يبدو لمنع العناصر المعارضة للنظام استغلالها. وحاول رموز النظام إطلاق تصريحات سواء عبر مكبرات الصوت أو الصحف وبث التلفزيون الرسمي موسيقى جنائزية.
ولم يخف المرشد خلافاته مع الرئيس السابق ولكنه أكد أنهما لم يفترقا. ولو بقي رفسنجاني حياً للعب دوراً في اختيار الرجل الذي سيخلف المرشد الأعلى الحالي.
إلى أين؟
وتساءل سكوت باترسون في «كريستيان ساينس مونيتور» عن منظور إيران فيما بعد رفسنجاني الذي قال إنه كان نسبياً معتدلاً. وقال إن الرجل الذي فاز بجولتين رئاسيتين وارتدى عمامته البيضاء وزيه المعروف كان يتحدث بثقة المخلص وتعهد «بلعب دور تاريخي لوقف سيادة التطرف» وتحدث عن قدره وهو «خدمة الثورة حتى اليوم الأخير من حياته».
وأضاف أن الرجل الذي عانى من هزيمة مذلة أمام المحافظ المتشدد محمود أحمدي نجاد واصل مهمته ولعب من خلف الأضواء دوراً كبيراً في السياسة الإيرانية حيث دعم الإتصالات مع العدو الألد لإيران، الولايات المتحدة والتفاوض معها حول الملف النووي. وهو الملف الذي أسهم ببنائه عندما تفاوض مع الروس لبناء مفاعل للطاقة النووية في بوشهر.
وقام سراً بشراء الطاقة النووية من الباكستان ودول أخرى. وفوق كل هذا كان رفسنجاني وراء انتصار المعتدل حسن روحاني في انتخابات عام 2013. ويتساءل باترسون إن كان إرث رفسنجاني في السياسة البراغماتية سيعيش بعده وينفع روحاني في انتخابات شهر أيار/مايو المقبل.
وينقل عن عدنان طبطبائي، المحلل الإيراني في مركز الأبحاث التطبيقية الشراكة مع الشرق قوله إن «هيبة رفسنجاني السياسية تجاوزت الفصائل السياسية»، و «كان منافسوه السياسيون يعرفون أنه يريد الحفاظ على النظام (الثورة الإسلامية) بشكل منحه موقعاً قوياً أكثر من أي إصلاحي».
فمثل بقية الثوريين الذين تقدمت أعمارهم، قضى رفسنجاني فترة كسجين سياسي في سجون الشاه وذلك في فترة الستينات والسبعينات من القرن العشرين. وقد تحول السجن في وسط العاصمة طهران لمتحف وهو نفسه الذي قضى في زنزانة من زنازينه المرشد الأعلى الحالي.
وتولى رفسنجاني إدارة المرحلة الأخيرة من الحرب مع العراق 1980 -1988. وفي عام 1989 هندس صعود آية الله خامنئي لمنصب المرشد بعد وفاة الخميني حيث أخبر مجلس الخبراء «قال لي الخميني بطريقة شخصية إن خامنئي هو المرشح لخلافته».
ولعب دوراً في الإفراج عن الرهائن الأجانب الذين اختطفوا في لبنان. واتهمته محكمة ألمانية إلى جانب مسؤولين إيرانيين آخرين بالوقوف وراء اغتيال ثلاثة معارضين أكراد إيرانيين مع مترجمهم في مطعم «ميكونوس» ببرلين عام 1992 وهو واحد من عمليات ملاحقة المعارضين للنظام في أوروبا والعراق حدثت في العقدين الأخيرين من القرن الماضي. واتهمت الأرجنتين مسؤولين إيرانيين بمن فيهم رفسنجاني بالتواطؤ في هجوم على معبد يهودي في بوينس أيرس عاصمة الأرجنتين عام 1992 وقتل فيها 85 شخصاً.
وأنكرت إيران أي دور في الهجوم. ويقول إن اتهامات الفساد والثروة الطائلة لعائلته التي قدرتها مجلة «فوربس» عام 2003 بعدة ملايين أدت إلى خسارته الانتخابات عام 2005. ففي فيديو ظهر الرئيس السابق وهو يتابع مباريات كرة القدم على التلفاز من قصره في شمال طهران. وعلى خلاف الفيديو الذي صور للمرشح المنافس له، نجاد وهو يتجول في منطقة تعيش بها الطبقة العاملة شرقي طهران.
ويرى الكاتب أن شعبية رفسنجاني تم ترميمها بين المعتدلين الذين ظنوا أنه من داعمي الثورة الخضراء في عام 2009 والخلاف حول نتائج الانتخابات التي أدت لفوز نجاد. ويعلق باترسون أن رحيل رفسنجاني قد يضر بالإصلاحيين والمعتدلين رغم أن أياً منهم لا يمثل موقفه الآيديولوجي حسب طبطبائي والذي وصفه بالرجل الذي منح روحاني المصادقة بين الطبقة السياسية والاقتصادية ورجال الدين، خاصة أنه كان يحظى باحترام في المدارس الدينية بقم وبين التكنوقراط.
وعليه يتساءل إن كانت خسارته ستؤثر على حظوظ روحاني بالفوز، مشيراً إلى أن الأخير استطاع الفوز في انتخابات عام 2013 نتيجة للدعم المشترك الذي قدمه له رفسنجاني وخاتمي. بل وتحدث الرئيس الراحل أن دعمه لروحاني أدى لرفع شعبيته من 3% إلى 50%. ومنع رفسنجاني من الترشح في تلك الانتخابات بشكل دفعه للاصطفاف مع الإصلاحيين.

رمز براغماتي

ووصفه علي فاز، الباحث البارز في الشؤون الإيرانية بمجموعة الأزمات الدولية «لقد كان مثالاً للبراغماتية والغراء الذي ربط كل الجماعات السياسية المختلفة معاً في وجه الضغط القاسي من المؤسسة».
وعليه «فغيابه سيكون ضربة ولكن ليست قوية لروحاني ومعسكره. فقد أصبح روحاني رفسنجاني رقم 2 ويتميز الآن بالدهاء السياسي كما كان رفسنجاني من قبل».
وترى باحثة في طهران أن الدور الذي لعبه رفسنجاني في انتخابات عام 2013 نبع من إيمان الناس بقدرته على مواجهة المرشد الأعلى فرغم منعه من المشاركة فيها إلا أن تأثيره برز فيها. وأضافت «صحيح أن المعتدلين خسروا برحيل هاشمي صوتاً شجاعاً ومؤثراً ولكن وفاته قد تساعد على دفع الناس التصويت لهم». وقالت إنه من المهم الإعتراف بأن اللحظة المهمة في إيران والتي يجب أن تنفع فيها القوى السياسية وأفعال الحكومة الشعب.

السياسة الخارجية

كما يطرح المحللون أسئلة حول مسار السياسة الخارجية الإيرانية بعد رفسنجاني. ويقول باترسون إن رفسنجاني سيتذكره الإيرانيون لتصميه على إخراج إيران من عزلتها. وقال إن الخميني لم يقصد من شعار «الموت لأمريكا» أن يبقى للأبد.
ويشير الكاتب لدوره في فضيحة إيران ـ كونترا والتفاوض حول الرهائن الأجانب في لبنان والتي شجعتها إسرائيل والولايات المتحدة. ومنح شركة كونكو الأمريكية أول عقد نفط يمنح لشركة أجنبية منذ عام 1979 ولكن بيل كلينتون لم يستغله. وقبل التصويت في عام 2005 أرسل مبعوثين له إلى السفارات الغربية ومعهم رسالة أنه سيعيد العلاقات مع الولايات المتحدة لو فاز.
وهنا يقول طبطبائي إن رفسنجاني كان الضامن لمحاولات روحاني التحاور مع الغرب، خاصة في أثناء المفاوضات على الملف النووي. ومع ذلك لم يكن لدوره تأثير على الطريقة التي تشكلت فيها السياسات «ولهذا أشك في أن يؤثر موته على السياسة الخارجية الإيرانية في المستقبل أكثر من العوامل المتعلقة بتطبيق شروط الإتفاق، انتخاب ترامب للرئاسة والديناميات في الخليج الفارسي».
ولعل ما سيؤثر على مواقف الناخبين من روحاني هي وعوده بالازدهار الاقتصادي ورفع العقوبات إلا أن إيران لم تشهد منذ توقيعه في تموز/يوليو 2015 إلا مردوداً متواضعاً. وفي ظل انتخاب الجمهوريين وترامب فالمناخ ليس مشجعاً خاصة أن هؤلاء يتعاملون مع الاتفاق النووي على أنه كارثي.
ولن يتوقف تأثير رحيل رفسنجاني على حظوظ التيار الإصلاحي في الانتخابات العامة وأثرهم في دوائر مجلس الخبراء حيث كان رفسنجاني يلعب دور الحامي للعناصر الإصلاحية ضد المتشددين بل وستتأثر طريقة انتخاب مجلس مدينة طهران.
فقد كانت مجموعة رفسنجاني خاصة ابنه محسن هاشمي تعول كثيرًا على هذه الإنتخابات. وكان محسن يطمح بأن يصبح عمدة لمدينة طهران. ولكن بغياب عميد العائلة فإن حظوظها ستتراجع. كما تعلم وفاته نهاية لأحلام الإصلاحيين الذين كانوا يريدون تعديل الدستور لتحويل منصب المرشد إلى قيادة مجلس وليس قيادة شخص.
كما كان رفسنجاني مركز احترام لمجموعة من السياسيين مثل علي أكبر ناطق نوري وعلي أكبر ولايتي ورئيس البرلمان علي لاريجاني حيث أقنعهم بدعم حكومة روحاني. والأهم من كل هذه التطورات هي أن وفاة رفسنجاني تنهي أي معارضة للتيار المحافظ في السياسة الإيرانية خاصة تلك المرتبطة بخامنئي.
ويضم هذا التيار الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد ورئيس القضاء السابق محمد يزدي والزعيم الروحي للمتشددين الإيرانيين محمد تقي مصباح يزدي والمرشد الأعلى نفسه.
ولا بد من الانتظار لمعرفة من سيحل محل رفسنجاني كمعارض مهم لهذه المجموعة. ومع ذلك تعتبر وفاة الرئيس السابق فرصة كما ورد في تقرير في «إيران واير» نشره موقع «ديلي بيست» كي يخرج روحاني من عباءة رفسنجاني ويملأ الفراغ الذي تركه.
فقد عول رفسنجاني آمالاً كثيرة على الرئيس الحالي، ولا يزال هذا من أبرز تلامذته في إيران. وأمام روحاني اليوم تحدي الفوز في الانتخابات التي سيخوضها ضد تيار متشدد يشعر بالشجاعة الآن وقد رحل الأستاذ. ولا يوجد لديه الكثير من الحلفاء، فخاتمي خارج السياسة اليوم ولا يسمح للإعلام بذكر اسمه. أما موسوي ففي الإقامة الجبرية.
وعليه فالمهمة ملقاة على عاتق روحاني كي يصبح «الأب الروحي» للإصلاحيين. ويجب على روحاني أن لا يحمي إرث رفسنجاني فقط بل الحفاظ على تحالفه من الإنهيار.

ماذا يعني لإيران

ويرى أليكس فاتنكا، المتخصص في الشؤون الإيرانية والباحث البارز بمعهد الشرق الأوسط في واشنطن أن رحيل رفسنجاني يعتبر نقطة تحول في السياسة الإيرانية. فقد ظل وعلى مدى 40 عاماً «صانع الملوك» في الجمهورية الإيرانية وجمع في هذا بين الجوع للسلطة وبراعة في عقد الصفقات.
ويقول في مقاله الذي نشره موقع «فورين أفيرز» أنه لولا رفسنجاني لما وصلت الشخصيتان الأبرز في السياسة الإيرانية لمنصبيهما: خامنئي وروحاني.
وافترق الأول عن رفسنجاني ومنذ سنوات طويلة فيما بقي الرئيس وفياً لأستاذه. ففي لعبة السياسة الإيرانية أصبح المرشد وصانع الملوك رئيسين لنظام سياسي كل يحاول تحقيق السيادة.
ويقول فاتنكا أن خلافاتهما لم تكن مرتبطة بالأيديولوجيا بقدر ما ارتبطت بالسلطة. ويرى الكاتب أن روحاني في موقع قيادة اليوم للتيار الذي صنعه استاذه ولكن الزمن سيخبرنا إن كان يملك القوة والحنكة لتولي هذا المنصب. ويرى الكاتب أن رفسنجاني الذي اتسم سجله بالجدل والإنجاز يترك وراءه فراغاً. فمهما كان الأمر أصبح وجه الاعتدال والتحول التدريجي في الجمهورية الإسلامية.
وعليه فلربما أدت وفاته لتعميق النزاع على السلطة. ويقدم الكاتب هنا صورة عن رفسنجاني الذي لم يكن ملتحياً وعرف بسمكة «القرش» لدهائه وقدرته على البقاء في مركز السلطة «وكانت السياسة في حمضه النووي وليس جزءاً من أصول عائلته الإجتماعية».
فقد ولد عام 1934 في بلدة صغيرة، شمال إيران لعائلة تجار ثرية ودرس في قم وأصبح في بداية الستينات من القرن الماضي تلميذاً للخميني. وبدأ مسيرته عندما أخذ يجمع التبرعات نيابة عن الخميني في داخل إيران مما قربه من المرشد الذي كان منفياً في باريس. وأصبح واحداً من أهم المقربين إليه وكان الثاني هو ابنه أحمد الخميني.
ومن هنا أصبح رفسنجاني في مركز القوة التي استغلها. وأصبح رئيساً للبرلمان من 1980 -1989 وتحول المركز تحت إدارته لثاني أقوى المراكز السياسية في البلاد.
وحصد ثمار دوره في تأمين الخلافة لخامنئي الرئاسة التي تقلدها من عام 1989 ـ 1997. ويكتب فاتنكا عن العقلية التجارية التي تميز بها وأثرت على مواقفه السياسية خاصة فيما يتعلق بفترة الإعمار التي جعلته يتسيد الأخبار في إيران وعندما فتح حقول النفط الإيرانية للإستثمارات الخارجية حيث رغب بمنح عدد منها للشركات الأمريكية. فهو وإن لم يكن صديقا لواشنطن إلا انه اعترف بأهمية الخبرات الأمريكية في تأهيل منشآت النفط الإيرانية.
كل هذا قبل أن يحكم خامنئي سيطرته على زمام السلطة في البلاد ويتحول النظام السياسي في البلاد بين تيار يقوده المرشد وآخر منافس له تحت قيادة رفسنجاني. ويقول فاتنكا إن رفسنجاني كان مهموما بالطريقة التي سيذكره فيها التاريخ. ولهذا بدا انتقائياً في مذكراته التي نشرها.
ومع ذلك لم يستطع تبييض صفحته من مجازر ارتكبت في الثمانينات والتسعينات. ومما لا شك فيه أن رفسنجاني تحول من متشدد إسلامي إلى شخصية إصلاحية نظر اليها الشباب كمنقذ.

رحيل رفسنجاني يترك فراغاً في الساحة السياسية سيحاول المتشددون سده… وهل سيتمكن روحاني من حمل راية استاذه الإصلاحية والانتصار في الانتخابات المقبلة؟

إبراهيم درويش