شرق المدينة المتوحش

صحف عبرية

Jan-12

ابراج عالية في مخيم شعفاط للاجئين. معظمها بنيت بلا ترخيص. حاجز عند المدخل. وحدة حرس حدود توجد قريبا من المخيم. في حديث مع أحد وجهاء المخيم يقول: «كل واحد يفعل ما يريد. بناء غير قانوني. مختبرات مخدرات، سلاح كثير وليس هناك من يفرض القانون حقا».
في الزمن الاخير فقط بدأت شركة «جيحون» في تمديد خطوط مجاري ومياه جديدة في المكان. «مرات كثيرة لا تكون لها ماء للاغتسال، والمجاري تنفجر وتوجد طوفانات. نحن لسنا حقا جزءا من المدينة»، يقول. «نحن نستجدي أن يأتوا لمساعدتنا لمنع جريمة السلاح، البناء غير القانوني والمخدرات. احد لا يهتم. يأس؟ نعم. يوجد أيضا، ولكننا نأمل خيرا».
متى؟ «الله وحده يعلم، ولكن يوجد مواطنون يهود يهتمون ويحاولون مساعدتنا بكل أنواع الامور، مثل جودة البيئة. حكومة إسرائيل لا تتعامل معنا كجزء من القدس. ابناء غير شرعيين. نحن لسنا هنا ولسنا هناك. نحاول البقاء».
في القرية المجاورة للتلة الفرنسية، العيساوية، ترابط وحدة من حرس الحدود على التلة، تطل على القرية لمنع أعمال شغب للشباب المحليين. سكان الاحياء المجاورة لا يدخلون إلى القرية بحرية. جيب آخر داخل المدينة. هنا ايضا يحاول معيلو القرية الحفاظ على الحياة الطبيعية. مدارس، مراكز جماهيرية ولكن الاحساس الاساس هو الاحساس بالابناء غير الشرعيين. نحن نحاول الحفاظ على الهدوء، ولكن يوجد هنا الكثير جدا من الغضب»، يقول احد شبان المكان. «حتى عندما يكون الهدوء، تنزل وحدة حرس الحدود في جولة فتبدأ الفوضى مرى اخرى. أتدرين ما هو الاكثر غرابة؟ الكثيرون لا يريدون على الاطلاق الانتقال إلى السلطة الفلسطينية. هناك فوضى أيضا».
صعدت أحياء شرق القدس أول أمس إلى العناوين الرئيسة في أعقاب عملية الدهس في أرنون هنتسيف، حيث قتل أربعة، ثلاث مجندات وجندي، نفذها فادي القنبر من سكان جبل المكبر.
850 الف نسمة يعيشون في الجيش. نحو 310 الف منهم يعيشون في شرقي القدس، كلهم اصحاب مكانة اقامة دائمة، دون حق التصويت في الكنيست، ولكن مع حق التصويت للبلدية، الحق الذي لا يحققه الكثيرون. وهم يعيشون في 22 قرية/حي، تنتشر حول البلدة القديمة، من شمال القدس وحتى جنوبها. واقعهم مركب وخاص مقارنة بواقع سكان الضفة الغربية والوسط العربي في إسرائيل. هذا مجتمع منقسم وسلبي من ناحية سياسية، تنقصه قيادة موحدة وبلا هيئات ومؤسسات اجتماعية ـ ثقافية تمثيلية. معظمهم يعيشون في فقر وانعدام الامل. محيطهم يتميز ببنى تحتية متردية، والخدمات التي تقدم لهم بعيدة عن تلبية احتياجاتهم. ومكانتهم المدنية ـ القانونية ليست آمنة، وهم يشعرون بالظلم والاقصاء. على خلفية الانتقال السريع للمجتمع من النموذج البطرياركي التقليدي إلى مجتمع حديث في مركزه يوجد الفرد واحتياجاته، وضعف الاجهزة الاجتماعية التقليدية، طرأ في السنوات الاخيرة في المجتمع الشرق مقدسي ارتفاع في عدد حالات الطلاق، العنف بين الزوجين وتجاه الاطفال، اهمال الاطفال وكذا العنف تجاه الشيوخ.
البروفيسور اسحق رايتر، رئيس مشروع ترسيم خريطة احياء شرقي القدس في معهد القدس للبحوث السياسية، يحصي 22 حيا، معظمها كما أسلفنا قرى، ضمت إلى إسرائيل في 1967: في الشمال – بيت حنينا، شعفاط، مخيم اللاجئين شعفاط، كفر عقب وراس شحادة، راس خميس والعيساوية. وفي الجنوب ـ الولجة، صور باهر، ام ليسون وام طوبا، جبل المكبر، راس العمود، سلوان، الشياح، بيت صفاف وشرفات. احياء اخرى كانت جزء من القدس الاردنية وضمت إلى القدس ـ البلدة القديمة، باب الساهرة، واد الجوز والطور التي تتضمن حيا فرعيا هو الصوانة.

البيضة والدجاجة

معظم السكان في احياء شرقي القدس مسلمون. 46 في المئة منهم شبان صغار دون سن 18، 36 في المئة عاطلين عن العمل و 51 في المئة يعيشون دون خط الفقر. كأصحاب جوازات سفر اردنية ليست لهم حقوق حقيقية. من جهة اخرى، يعتبرون في نظر السكان في السلطة الفلسطينية كخونة، لديهم بطاقات هوية زرقاء، بينما من ناحية دولة إسرائيل هم ليسوا مواطنين بل مقيمون.
وعلى حد قول البروفيسور رايتر، فإن العملية في أرنون هنتسيف نفذت على خلفية عدة عوامل: الوضع الكارثي في الاحياء والاحساس بعدم وجود ما يمكن خسارته؛ الاحساس بان حكومة إسرائيل تعطي اسنادا للجهات الايديولوجية والدينية للسيطرة على المسجد الاقصى؛ واحساس الطريق المسدود في المستوى السياسي مع انتخاب دونالد ترامب لرئاسة الولايات المتحده ونيته نقل السفارة إلى القدس.
«في 1967 أرادوا توسيع مساحة المدينة للسماح بتطوير المناطق»، يروي البروفيسور رايتر. «بيت حنينا وشعفاط دخلتا لمد الاصبع شمالا فقط بسبب مطار عطروت، على اعتبار أنه سيكون مطارا دوليا في القدس. وهذا كما هو معروف لم ينجح. حي الطور، مثلا، ادخلوه من اجل السيطرة على السفوح الشرقية لغور الاردن. العيساورية مثلا، كانت حسب اتفاقات رودوس في دولة إسرائيل، باستثناء أن إسرائيل لم تبسط السيادة عليها، وكان الاردن هو الذي قدم الخدمات. اما اليوم فهي تعاني من اهمال شديد، نقص في البنى التحتية، نقص في الوجود الإسرائيلي والكثير جدا من العنف. هذه قصة البيضة والدجاجة: في اللحظة التي يكون فيها عنف، يخافون الدخل إلى هناك».
هذا هو المكان لنذكر انه في اواخر 2015 دشن حاييم رامون ومجلس الأمن القومي خطة تتضمن خطوة احادية الجانب لقطع معظم الاحياء الفلسطينية عن المدينة ونقلها إلى السلطة الفلسطينية بمكانة المناطق ب، أي سيطرة مدنية من السلطة وسيطرة أمنية من الجيش الإسرائيلي. وحسب خط الحدود الجديد للخطة ستبقى البلدة القديمة و «الحوض التاريخي»، الذي يضم اجزاء كثيرة من سلوان، جبل الزيتون واحياء اخرى في نطاق إسرائيل. ولا تتضمن الخطة اخلاء المستوطنين في الاحياء الفلسطينية.
يقسم البروفيسور رايتر المشاكل إلى قسمين: مشاكل ذاتية، يمكن للحكومة أن تصلحها وتحسنها، ومشاكل موضوعية. اولى المشاكل الذاتية هي البنى التحتية المتهالكة، وهو يقول انه «في بعض الحالات يكون الاسفلت السليم مع الرصيف في الطرف الرئيس فقط مثلما في الطور، بيت حنينا وشعفاط، صور باهر وجبل المكبر.
لا توجد اماكن لايقاف السيارات، لا توجد أرصفة ولا توجد يافطات واشارات مرور، ولكن الشرطة تحرر المخالفات، لان القانون يمنع ايقاف السيارات في اماكن معينة.
هناك جدال بين السكان والشرطة. ووجهاء الاحياء يجرون مفاوضات مع الشرطة، ولكن في هذه الاثناء يعانون بقدر غير قليل».
المشكلة الثانية تتعلق بالتخطيط والاراضي. ويقول رايتر «لا توجد تسوية للاراضي في شرقي القدس. من الصعب جدا رفع طلبات لترخيص البناء، ولهذا يوجد الكثير من البناء غير القانوني. وحتى عندما تكون مخططات، فإن نسب البناء تكون متدنية جدا ولا تسمح للسكان هناك بالنمو وتغطية الفارق الجغرافي، مثلما يحصل في جبل المكبر. في نوف تسيو، الحي اليهودي الملاصق هناك وتسكنه بعض عشرات العائلات، معدلات البناء هي 340 في المئة. في جبل المكبر، الذي نحو 20 الف نسمة، يوجد تقريرا 170 في المئة بناء».
وعلى حد قوله، يوجد ايضا نقص خطير في مباني التعليم المناسبة. قسم كبير من الصفوف هو في منازل خاصة تحولت لتصبح مدارس، ويوجد ايضا نقص شامل لحدائق اللعب للاطفال. في كل شرقي القدس توجد ثلاث حدائق للالعاب.
المشكلة الثالثة هي في مجال الخدمات: فخلافا لمعظم القدس، حيث توجد حاويات قمامة لكل منزل، في شرقي القدس توزع حاويات ضخمة في اطراف الشوارع والتي تمتلىء بسرعة. في قسم من الاحياء لا تستطيع الشاحنة الكبيرة الدخول إلى الشوارع الضيقة. فمثلا في صور باهر لا يتم اخلاء القمامة إلا من 30 في المئة من الشوارع. في 70 في المئة من الشوارع يكون السكان هم من ينقل القمامة إلى طرف الشارع، أحيانا بطول كيلو متر. وكانت البلدية وعدت بمنح سكان صور باهر اكياس نايلون كبيرة وادخال تراكتورات لاخلاء القمامة ولكن الوعد لم يتحقق.
ويوجد بالطبع موضوع الاستيطان اليهودي داخل الاحياء العربية، والذي يثير التوتر على مدى السنين، مثلما يحصل في مدينة داود داخل سلوان، موقع شمعون داخل الشيخ جراح، نوف تسيون داخل راس العمود وجبل المكبر ومعاليه زيتيم في حي الطور. بعض من هذه الاراضي اشتراها اليهود في الماضي السحيق في القرن التاسع عشر.
«الثوري هو في قسم منه يهودي وقسم آخر عربي»، يقول رايتر. «سيري على خط التماس. من جهة الغرب نظافة واخلاء قمامة، ومن جهة الشرق، حاويات كبيرة وقمامة في كل الاماكن. هذا كان دوما على هذا النحو، بما في ذلك في عهد تيدي كوليك. فقد حسن اساسا الاجواء والحوار، نفذ مشاريع رمزية نالت علاقات عامة، ولكن لم تكن لديه المقدرات للاستثمار».
في إطار المشاكل الموضوعية، غير المرتبط بسياسة حكومة إسرائيل، يشير رايتر إلى تمسك الجمهور الفلسطيني بعدم التعاون مع البلدية، التي تمثل من ناحيته الاحتلال الإسرائيلي، وذلك «رغم انهم يدفعون الارنونا للبلدية» كما يقول، «لو كانوا تعاونوا لكان يمكنهم أن يطلبوا اكثر بكثير مما يستحقون حسب القانون. هم يكتفون بالمخاتير الذين في معظمهم لا يناسبون مهامهم، باستثناء اماكن قليلة مثل صور باهر وواد الجوز».
يضاف إلى هذا بناء عفوي غير مخطط. «في هذه الحالة يغلقون خيارات تخطيط الطرق واقامة مبان عامة. توجد جدالات هائلة داخلية على هذه الخلفية: اين يمكن شق الطريق؟ ينبغي الاشارة إلى أنه توجد مشكلة كبيرة في ثقافة الشرق الاوسط بشكل عام في أن سلطة العموم هي مسألة الحكومة وليس مسألة الفرد.

«نسيج حياة غريب»

جرى في السنة الماضية نقاش عاصف في لجنة الداخلية وحماية البيئة في الكنيست. وكان الموضوع حيازة السلاح غير القانوني في الوسط العربي. وادعى النواب من القائمة المشتركة بان الشرطة لا تعمل كما ينبغي للقضاء على الظاهرة وهي تعتبر جهة معادية من ناحية الوسط العربي. ومن جهة اخرى ادعى وزير الامن الداخلي جلعاد اردان بان الشرطة تكرس المقدرات لانفاذ القانون في الوسط العربي ولكنها تواجه مصاعب عديدة بسبب معارضة السكان العرب.
ايها البروفيسور رايتر ما هو مكان البلدية في التغيير اللازم؟
«تريد البلدية عمل الكثير ولكن ليس لديها المقدرات لذلك. والحديث يدور عن عشرات المليارات من الشواكل. ويعمل المعهد عندنا على اقتراح حلول محتملة احدها هو تغيير المديريات الجماهيرية التي تعينها البلدية بزعامة محلية تلقى الصلاحيات، المسؤولية والميزانيات لادارة التنمية. وفي مجال التخطيط والبناء نقترح اشراك الجمهور العربي والقيادة المحلية في العملية. وعدم انتظار المخططات الهيكلية الكبرى التي تستغرق 20 سنة لاقرارها بل العمل على مخططات موضعية بمشاركة الزعامة المحلية. هذا سيقلص جدا السياقات ويقرب جدا إلى امكانية فرز الاراضي للاغراض العامة».
ويضيف البروفيسور رايتر ان «دولة إسرائيل لم تقرر بعد حتى النهاية ماذا تريد عمله في شرقي القدس. من جهة توجد سياسة معلنة وخطاب يتحدث عن مدينة موحدة. هنا لا يوجد لنا الوضع الذي يوجد في برلين مثلا. من جهة اخرى دولة إسرائيل لا تمنح المواطنة لسكان شرقي القدس بل الاقامة فقط، والتي هي حقوق مؤقتة. من يريد ان تكون هذه المدينة موحدة حقا عليه أن يستثمر في تحويلها إلى مدينة موحدة من خلال تقليص الفوارق الذي يتم عن طريق اعطاء حقوق متساوية».

كرميت سفير فايتس
معاريف 11/1/2017

 شرق المدينة المتوحش

صحف عبرية