حامد الناظر: الروائيون السودانيون يعانون من المقارنة بالطيب صالح

حركة النقد كسولة ومعظمها انتقائي

Jan-12

الخرطوم – «القدس العربي» من صلاح الدين مصطفى: حامد الناظر كاتب وروائي وصحافي سوداني، حاصل على بكالوريوس إدارة أعمال من كلية الاقتصاد والعلوم الإدارية في جامعة أم درمان الأهلية. وهو كاتب غير متفرغ في عدد من الصحف والمواقع. صدرت له ثلاث روايات حتى الآن هي «فريج المرر» 2014 و«نبوءة السقا» 2015 و«الطاووس الأسود» 2016.. التقته «القدس العربي» مؤخرا وكان الحوار التالي:

■ كتبت جميع رواياتك خارج السودان، هل أتاحت لك الرؤية من الخارج زاوية مميزة للسرد؟
□ على مستوى الحكاية والموضوع قد لا توجد فروق كبيرة بين أن يكتب المرء وهو في بلده، وبين أن يكتب وهو في خارجه، الأمر لا علاقة له بالجغرافيا البتة أو حتى بالأوضاع الاقتصادية أو البيئة الثقافية، لعلني أحن إلى حيوات كثيرة سابقة تركتها ورائي وأحاول التعويض عنها، أحاول أن أعبر عن سخطي من كثير من الأمور، أحاول أن أتأمل ما حولي وأعبر عنه بطريقتي، أحاول كما يفعل كثير من زملائي الكتاب خلق حيوات موازية متخيلة. هذا أكثر ما أحس به ويدفعني إلى فعل الكتابة، لكن قد تكون هنالك بعض الفروق الأخرى مثل اتساع رقعة النشر والحضور في المناسبات التي تهتم بالكتابة والجوائز المخصصة لها وكذلك بعض الوسائل الإعلامية.
■ هل استطاعت الرواية كجنس إبداعي، التعبير عن التنوع الثقافي والاجتماعي الذي يتميز به السودان؟
□ لا أعرف على وجه الدقة ما إذا كان هذا الأمر هو أحد أدوار فن الرواية أم لا؟ لكن المؤكد أن الرواية تعرّف بالمجتمعات الإنسانية وتساوي بينها أمام القارئ دون أن يشعر بالفروق الحضارية أو التفوق أو التخلف بين هذا المجتمع أو ذاك، إذ يتساوى معنى الحياة في «قرية ماكوندو» لماركيز مع «يوموفيا» لأتشيبي مع «ود حامد» للطيب صالح، وعندما يكون القارئ إزاء نص من هذا النوع يكون إزاء حقيقة واحدة لا مراء فيها، وهي الحقيقة الإنسانية لكل تلك المجتمعات التي يقرأ عنها مجردة من جميع الفروق الأخرى، وهنا عظمة فن الرواية التي توحد الشعور الإنساني لدى جميع القراء مع المجتمعات التي يقرأون عنها كما لا تفعل معظم الفنون الأخرى. وكإجابة مباشرة على سؤالك حول قدرة الرواية السودانية على التعبير عن التنوع الثقافي والاجتماعي الذي يتميز به السودان أقول: ليس تماماً لكنها ما زالت تحاول، فما قرأته منها على الأقل يتسم بالطابع المديني للحياة السودانية، سواء في تجلياته السياسية أو التاريخية أو الاجتماعية ولم يتوغل كثيراً في هذا الجانب.
■ تعمل على تسليط الضوء عبر الكتابة السردية على الحروب والحب والفقر والمرض في السودان عن وإريتريا بكل التقاطعات السياسية والاجتماعية، كما حدث في روايتي «فريج مرر» و«نبوءة السقا» وكذلك في عملك الأخير «الطاووس الأسود» الذي تناولت فيه الراهن السوداني هل تريد أن تقول إن هذه الشعوب متشابهة في كل شيء؟
□ «شعوب بعضها من بعض» هذا ما كتبته على لسان «الطيب» بطل رواية «فريج المرر» عندما ذهب إلى إثيوبيا، وبالفعل هذه الشعوب تعيش مآسي متشابهة وواقعا أكثر تعاسة، ولو حاولنا توسيع زاوية الرؤية فإننا نجدها تقتسم أرضاً واحدة بلا موانع طبيعية من أي نوع، وتشترك في عوامل أخرى كثيرة منها التاريخي والثقافي والإنثربولوجي وكذلك المصير المشترك، حالها كحال مناطق كثيرة في العالم. للأسف لا يستثمر هذا التقارب في أمور نافعة أبداً، لذلك قررت أن أجرب مدخلاً قديماً جديداً سبقني إليه فنانون وموسيقيون في كل هذه البلاد، وحققوا من خلاله نجاحاً مبهجاً. إذا كانت السياسة تضع حدوداً وتحرسها بالمصالح وتقويها بالمؤامرات والموانع فإننا نستخدم الفن لهدم هذه الحواجز الهشة لنتعرف على بعضنا أكثر.
■ كيف استقبل القراء ومن ثم النقاد أعمالك الروائية، وهل يعني لك وصول «نبوءة السقا»، إلى اللائحة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، تقييما نقديا؟
□ من خلال ما يصل إليّ من مراسلات وما أقرأ من انطباعات مختلفة على الصحف والمواقع الإلكترونية أتصور أن المردود طيب، لكن لم أطلع حتى الآن على مقال نقدي بالمعنى المتعارف عليه حول أي من أعمالي، ربما لا تستحق أو ربما لا تلفت الانتباه، أو ربما أي شيء آخر، لكن ما أستطيع قوله إن حركة النقد كسولة ومعظم النقاد انتقائيون وميالون إلى ملاحقة المشهور من الأسماء والأعمال وهذا في حد ذاته معضلة تؤخر نضج الرواية العربية ولحاقها برصيفاتها حول العالم. أما فيما يخص وصول «نبوءة السقا» إلى إحدى قوائم البوكر فلا أظن أنه تقييم نقدي بقدر ما هو تقييم ذوقي.
■ معظم أعمالك الروائية تتوفر دائما في معارض الكتب الخارجية، لذلك فإن القارئ السوداني الموجود داخل السودان لا يتحصل عليها بسهولة، كيف تنظر إلى هذا الأمر؟
□ هذه واحدة من العقبات الكبرى أمام الكتاب الذين يطبعون أعمالهم خارج السودان، فمعظم دور النشر العربية غير متحمسة لدخول السوق السودانية والتوزيع فيها لأسباب كثيرة منها ضعف القوة الشرائية وعدم وجود وكلاء توزيع وتدني أسعار العملة يوماً بعد آخر أمام العملات الأجنبية وصعوبة تحويل قيمة مبيعاتهم إلى الخارج، حتى معرض الخرطوم للكتاب أتصور أنه يعاني من غياب كثير من دور النشر المهمة عاماً بعد آخر، كل ذلك يجعل من الصعب حضور الأعمال الروائية في السوق السودانية، لكن الصورة ليست سيئة تماماً إذ يجتهد البعض في توفير نسخ محلية مقرصنة تناسب القوة الشرائية وتصل إلى بعض القراء.
■ علاقتك بالإعلام والعمل اليومي وتنقلك في المواقع المختلفة هل أثرت سلبيا أم إيجابيا على قدرتك على الكتابة والإنتاج الأدبي؟
□ أفادني العمل الصحافي والإعلامي كثيرًا في تحديد الزاوية التي أنظر من خلالها إلى الأشياء وأحسن التأمل فيها، لكنه في المقابل أضر بمشروعي الكتابي، لأن العمل الصحافي أناني ولا يقبل التعايش مع الاهتمامات الأخرى، خاصة فيما يتعلق بتنظيم الوقت واستغلاله، وبسبب ذلك فإنني لا أستطيع أن أخصص وقتاً محدداً للكتابة كل يوم، فأجدني أكتب في الصباح أحياناً وفي الليل أحياناً أخرى، وفي أي وقت يمكنك تخيله. أكتب على هاتفي الجوال إذا وجدت الوقت، ولم أجد المكان الملائم للكتابة. أحلم بأن أتفرغ لهذا المشروع وأن تتيح لي ضغوط الحياة تحقيق هذا الحلم.
■ هل تعتقد أن كتّاب الرواية السودانية الجدد قادرون على تجاوز سقف المقارنة (المستمرة) مع ما أبدعه الطيب صالح، على الرغم من اختلاف الموضوعات وتقنيات الكتابة وأفق القارئ؟
□ شيخنا الطيب صالح، رحمه الله كان محظوظاً وموهوباً في آن معاً، وهما أمران لا يتوفران في شخص واحد على الدوام، هذه من الأمور الخارقة للعادة التي لا تحدث إلا مرات قليلة في فترات طويلة متباعدة في التاريخ. الطيب صالح جرب أساليب جديدة على فن الرواية العربية في وقت بعيد نسبياً، ولو أنه كتب «موسم الهجرة إلى الشمال» أو «عرس الزين» اليوم لاعتبرت فتحاً في مسار الرواية العربية من الناحية الفنية. أتصور أن هذا هو ما خلد الطيب صالح ومنحه هذا السقف البعيد، ليس على مستوى السودان فحسب، وإنما على المستويين العربي والعالمي، لذلك أتصور أن الروائيين السودانيين سيعانون كثيراً من استدعاء هذه المقارنة بمناسبة أو دون مناسبة ولا مهرب منها.
■ رواية «الطاووس الأسود» تحول مباشر للتعبير عن الشأن السياسي السوداني بخيوطه المعاصرة، وقد وصفت بأنها غوص في دروب «ملغومة» هل استفادت الرواية من التكوين الصحافي لكاتبها، وهل عبّرت في تجلياتها الإبداعية عن حقيقة المشهد السياسي؟
□ «الطاووس الأسود» تتحدث عن تحولات الإنسان وهشاشته وخوفه من المجهول وحاجته الدائمة إلى الشعور بالأمان، ثم إنها في وجه آخر هي رواية تتحدث عن استغلال هذه الحاجة إلى أقصى حد ممكن، إلى درجة بالغة التعقيد تتسبب في تدمير الإنسان نفسه أو نسف هويته ووجوده الحقيقي من أجل تحقيق غاية سياسية أنانية. في هذه الرواية حاولت أن اقترب أكثر من طبيعة التفكير الأيديولوجي الذي يتسم بالقدرة على التلون وتبديل الأقنعة كلما دعت الضرورة، واختزلتُ كل ذلك في شخصية عمار البرَكْس وتجلياته الأخرى كالمستشار تاج الدين وشاكر وغيرهم. التفكير الأيديولوجي لا يسمح في الوقت نفسه بالتباينات في داخله ولا يمنح الرغبات الفردانية بالنمو أو الانفلات، وهذا ما جعل المأساة طاغية في كل مراحل حياة الطاووس الأسود وجعل منه جلاداً وضحية في آن معاً.

حامد الناظر: الروائيون السودانيون يعانون من المقارنة بالطيب صالح
حركة النقد كسولة ومعظمها انتقائي