تعقيبات

Jan-12

تعقيبا على مقال واسيني الأعرج: متى الربيع اللغوي العربي

زعزعة الهوية القومية
يا سيدي رغم وجهة نظرك لكن ثمة حقائق أخرى…لو نظرنا إلى اللغة العبرية اليوم؛ هي من مهمشات اللغات؛ أعاد لها أهلها الحياة؛ رغم أنّ يهود إسرائيل يتكلمون عدّة لغات لكنهم في فلسطين المحتلة ( يفتخرون ) بالحديث باللغة العبرية. فهل أنّ اللغة العربية كما جاء في مقالك أسوأ حالاً من اللغة العبرية؟ لا طبعاً. إذن ما السبب؟
السبب المباشر أنّ أهل اللغة العبرية يحترمون لغتهم ( التاريخية والدينية ) ولا يفضلون عليها لغة شرقية أو غربية…فيما ( العرب ) غير حريصين على سيادة لغتهم؛ لعقدة قديمة موروثة…مفادها أنّ العربيّ كان وما يزال بين شرق وغرب؛ ثمّ بين شرق وغرب: آسيا / أوروبا؛ ثمّ بين شرق وغرب: روسيا / أمريكا؛ ثمّ فرضنا على أنفسنا رسمياً تعلّم إحدى لغات المحتل (الفرنسية أو الإنكليزية) بل جعلناها من أهمّ شروط الوظيفة. لو أبدينا العزّة للغتنا لتعلمها الناس من غير العرب؟
أما تشبيهك للعربية باللغة اللاتينية (المنقرضة) فهو تشبيه غير دقيق…لأنّ اللاتينية لغة كنيسة؛ والعربية لغة أمة حيّة في السّماء والأرض. وهنا أسأل: لدينا مئات بل آلاف المثقفين والكتّاب العرب من المقيمين في ديار أوروبا؛ ويتحدثون أكثر من لغة؛ ماذا قدّموا للغة العربية من أساليب لغوية جديدة ومتجددة؟ منذ عهد شعراء المهجر إلى طلبة السوربون. قوّة اللغة تعتمد على قوّة الدولة والأمة؛ ولا توجد أمة غيرّت لغتها من أجل ارضاء بقية الأمم؛ هذا من خداع وغسل الدماغ.
إنّ الدولة هي التي تفرض احترام خصوصيات الأمة حتى تتحول القوانين إلى عادة سهلة التناول والتداول بمرور الأيام. هناك حرب حقيقية ضد اللغة العربية؛ منظورة وغير منظورة؛ الهدف منها زعزعة الهوية القومية؛ وصولاً إلى تهميش قمة الأمة وهو القرآن. هذه ليست نظرية مؤامرة بل حقيقة تأخذ عدّة وجوه ملوّنة حسب كلّ مرحلة، ثمّ أليست الصين واليابان لغتهما من أصعب اللغات؛ فلماذا لا تؤثـران على نهضـتهما الحضـارية القويّـة.
إذن: المشكلة ليست في اللغة بل أقول إنّ نهضة اللغة العربية وسيادتها في الوطن العربيّ اليوم؛ لا تكون إلا بوقف تدريس اللغات الأجنبية في المدارس العربية الابتدائية الأساسية.. وإلا ستبقى العربية دائماً ( غريبة ) في ديارها لتعاني سلباً من التحديّ الذاتي والموضوعي.
فمنْ لها يا تـرى؟ خصوصاً وقلة من التلاميذ عندنا منْ يجيد اللغة الأجنبية من خلال المدارس؛ مقابل الملايين التي تصرف؛ إلا إذا رافق ذلك (عيش) الطالب في ديار أهل اللغة…كما في أولاد الذوات أو المهاجرين الغداة. من جهة أخرى: أرى أنّ ( النهضة الرّوائية العربية ) المعاصرة جديرة بتحقيق التطوّر اللغوي؛ بما تبدعه من أساليب خطاب جديدة ووليدة مضافة؛ وبعد تراكمها ستشكل حصيلة لغوية؛ كما قد سبق للشعر العربيّ أنْ فعل ذلك.

الدكتورجمال البدري

تعقيبات