مراجعات إخوان مصر… هل تمهد لمصالحة بين المعارضة وتسوية مع النظام؟

Jan-11

13

القاهرة ـ من حسين القباني وربيع السكري ـ قبل أيام من الذكرى السادسة لثورة 25 يناير/ كانون ثان 2011 في مصر، كشف تيار في الإخوان المسلمين عن توجه نادر، على مدار تاريخ الجماعة منذ تأسيسها عام 1928، عبر الإعلان عن مراجعات مرتقبة، وصفها بـ”التقييمات الشاملة”.

هذه التقييمات، التي لم يكشف ذلك التيار عن مضمونها، اعتبر سياسيون وخبراء، في تصريحات للأناضول، أنها يمكن أن تمثل بداية لمصالحة بين قوى المعارضة، شريطة أن يقابلها مراجعات من بقية “شركاء الثورة”، ضمن شروط أخرى، لكنهم استبعدوا في الوقت نفسه أن تسهم في تحقيق تسوية سياسية مع النظام الحاكم، معتبرين أنه “غير راغب في قبول الآخر”، وهو موقف، على حد تعبير أحدهم، “يصب في صالح الثورة”.

ففي خطوة مفاجئة، أعلن “المكتب العام للإخوان المسلمين”، المناهض لجبهة محمود عزت، القائم بأعمال المرشد، في بيان يوم الجمعة الماضي، أنه “سيعلن، خلال أيام، بكل شفافية للجميع عن جملة تقييمات شاملة، استمرت لعدة شهور، تناولت أداء الجماعة خلال السنوات الست الماضية”.

هذا التيار من الإخوان، والذي يخيم الخلاف المستمر على علاقته بقيادة عزت منذ عامين، دعا إلى أن يكون الإعلان المرتقب بمثابة أرضية تعاون مشتركة بين قوى ثورة يناير/ كانون ثان 2011 الشعبية، التي أطاحت بالرئيس محمد حسني مبارك (1981: 2011)

 خلاف بين رفقاء الثورة 

بعد عام من ثورة 2011، صعدت جماعة الإخوان المسلمين كأغلبية في برلمان 2012، وفاز مرشحها، محمد مرسي، بأول انتخابات رئاسية بعد الثورة، ثم واجهت اتهامات تنفيها من رفقائها في الثورة بـ”الدكتاتورية والاستحواذ على الحكم”.

المختلفون مع الإخوان شكلوا جبهات دعت، عبر احتجاجات شعبية، إلى إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، ثم دعت إلى إسقاط مرسي، ثم أطاح به الجيش، حين كان عبد الفتاح السيسي وزيرا للدفاع، في 3 يوليو/ تموز2013، في خطوة يعتبرها قطاع من المصريين “انقلابا”، بينما يراها قطاع آخر “ثورة شعبية”.

مع نهاية ذلك العام، أعلنت السلطات حظر جماعة الإخوان، وخضع آلاف من أعضائها وأنصارها، بينهم مرسي نفسه، لمحاكمات قضائية، وسط خلاف لا يزال قائما بين الجماعة وقوى في المعارضة المصرية.

وقبل أيام، حاولت الجماعة إنهاء الخلاف مع بقية قوى المعارضة، فتَصدر قياداتها الصفوف الأولى لحملة “يناير يجمعنا”، التي جرى إعلانها خارج مصر لدعم مطالب الحريات العامة والحياة الكريمة، فضلا عن التوقيع على ميثاق أخلاقي لشركاء الثورة لنبذ الفرقة والاتهامات والتخوين.

مراجعات مستمرة 

مراجعات الإخوان المرتقبة ليست بعيدة عن مطالبات للجماعة منذ تسعينيات القرن الماضي، بإجراء مراجعات لأفكارها، لاسيما المتعلق منها بالأقباط وعمل المرأة في السياسة.

غير أن عصام تليمة، أحد مشايخ الجماعة البارزين، رصد، خلال العام الماضي، في سلسلة مقالات بعنوان “الإخوان.. تاريخ من النقد المعلن والمراجعات”، ما اعتبره “إيمانا للجماعة بالمراجعة وقيامها بذلك في تاريخها”.

ووفق عزام التميمي، مدير معهد الفكر السياسي الإسلامي في لندن، فإن “المراجعات كانت جزءا لا يتجزأ من المسار الفكري للإخوان منذ تأسيسها، لاسيما في منتصف الخمسينيات والستينيات والتسعينيات (فترات قمع السلطة للجماعة)”.

التميمي اعتبر، في حديث للأناضول، أن “السنوات الثلاثة الأخيرة، وما يبدو خلالها من خلاف داخل الإخوان في الرأي، ما هو إلا دليل دامغ على أن ثمة تفكير وثمة محاولة لكشف مواطن الخلل”.

مستشهدا بنفسه، تابع: “إنني واحد من أبناء حركة الإخوان الذين عملوا، ولا يزالون، منذ أكثر من ربع قرن في عقد الندوات والمؤتمرات والجلسات الخاصة والعامة، ومواضيعها تكاد جميعها تتعلق بالمراجعات”.

ومن أجل مراجعة ناجحة، وضع التميمي شروطا، هي: “الإحاطة بتفاصيل الأحداث، وجمع البيانات والأدلة، وفرز الحقائق عن الشائعات، إضافة إلى الترفع عن الرغبة في الانتصار للذات انتقاما من الغير”.

رسائل للجماعة والمعارضة 

عمار فايد، وهو باحث مصري في شؤون الحركات الإسلامية، اعتبر أنه “من البديهي أن يكون هناك مراجعة جادة على أسس منهجية تقوم بها أجهزة جماعة الإخوان ولجانها، لاسيما السياسية والتربوية، إضافة إلى المسؤولين عن إدارة المشهد السياسي بالجماعة”.

فايد أرجع، في حديث للأناضول، تأخر المراجعات الإخوانية المرتقبة إلى أن “التيار الغالب داخل قيادة الجماعة (جبهة عزت) لم يكن متحمسا لهذا الموضوع، في ظل المواجهات والملاحقات الأمنية”.

الباحث المصري رصد ما اعتبرها خمس سمات مميزة لمراجعات الإخوان المرتقبة، وهي أنها “تأتي في ظل خلاف وظهور قيادتين، إحداهما تميل إلى التجديد وإحداث تغيير جذري في ممارسة الجماعة وأدائها الداخلي وتجنب الأخطاء”.

والسمة الثانية، وفق فايد، هي أن “جزءا رئيسيا ممن أعدوا المراجعات كانوا موجودين في مؤسسات الجماعة، خاصة مجلس الشورى العام (أعلى هيئة رقابية بالجماعة)، وبينهم وزراء سابقون وأعضاء في الفريق الرئاسي لمرسي (لم يسمهم)”.

كما أن “رسالة المراجعات موجهة أساسا إلى الداخل الإخواني، ليدرك أهمية الحاجة إلى التغيير، ثم إلى شركاء الثورة من أجل التقارب معهم”، بحسب الباحث المصري، الذي رجح أن “المراجعات ستشمل الأداء السياسي والتربوي وآلية اتخاذ القرار، وآلية اختيار الكوادر، والتعامل مع القوى الأخرى، وممارسة الشورى وتمكين الشباب والمرأة”.

أما السمة الخامسة للمراجعات المرتقبة، وفق فايد، فهي أنها “لن تتوقف عند قرارات، مثل ترشح الإخوان للرئاسة (عام 2012)، والاعتصام في ميداني رابعة والنهضة (صيف 2013 عقب الإطاحة بمرسي)، والتمسك بشرعية مرسي، بقدر ما تتعامل مع آليات اتخاذ القرار”.

وحول ما يتردد عن إمكانية تنازل الإخوان عن شرعية مرسي، قال: “لا أعتقد أنها محل مراجعات، فهي في النهاية موقف سياسي قائم في ظل صراع قائم، فلا الإخوان ستتنازل عنه، ولا الدولة ستزيل حاليا عن الجماعة صفة الإرهاب”.

آليات لمصالحة 

بنظرة شاملة، يرى السياسي المصري المعارض، أيمن نور، أن “فكرة المراجعة مطلوبة في هذا التوقيت، ليس فقط من جانب الإخوان، لكن من جانب كل القوى الوطنية وكافة شركاء يناير (الثورة)، وستسهم في التقارب بينهم”.

نور، وفي تصريح للأناضول، شدد على “ضرورة أن يعقب المراجعات الإخوانية مصارحة من الجميع بما تم مراجعته، وإذا اقتضى الأمر اعتذرا، فليعتذر الجميع؛ فالجميع وبلا استثناء أخطأوا”.

المعارض المصري دعا كل القوى السياسية إلى “مراجعة علاقتها البينية، وعلاقتها بالقوى الأخرى، لإعادة بناء اصطفاف حقيقي، لن يبدأ إلا من داخل التيارات نفسها، ثم الأطياف الأخرى”.

وإجمالا، حدد نور آليات لبلوغ مصالحة بين الإخوان وبقية القوى الفاعلة في الثورة والمختلفة معها، تتمثل في “إجراء مراجعة داخل كل تيار لمواقفه، يليها ميثاق شرف وطني لإعادة بناء جسور ثقة بين مكونات الحياة السياسية، والتعهد بعدم تكرار الأخطاء، سواء عبر تعهد مباشر أو في صيغة اعتذار، ثم تبادل متزامن للاعتذارات، وبعدها اتفاق على ثيقة مبادئ، ثم مظلة وطنية جامعة نطمح إلى تشكيلها”.

 

هدف واحد 

مقتربا من رؤية نور، دعا الباحث المصري فايد إلى أن “يكون المدخل الرئيسي لمراجعات الإخوان هو التقارب مع قوى المعارضة الأخرى، وتغيير السياسيات والأداء، عبر شراكة وجدول أعمال حقيقي، وليس الاكتفاء فقط بإعلان الأخطاء”.

وهو ما أكد عليه مجدي حمدان، نائب رئيس حزب الجبهة الديمقراطية (ليبرالي)، الذي كان مؤيدا للنظام الحاكم، بقوله للأناضول، إن “الالتفاف حول هدف واحد هو أساس من أساسيات تجمع القوى السياسية”.

هذا الهدف الذي يمكن أن يوحد قوى المعارضة في مصر، وبحسب ما ذهب إليه التميمي، هو “الانتصار للديمقراطية، والوقوف صفا واحدا في وجه من تآمروا عليها”.

صمت رسمي 

رسميا، وكالمعتاد، لم تعلق السلطات المصرية على بيان الإخوان المتعلق بالمراجعات المرتقبة.

عبر برنامجه التلفزيوني، قال الإعلامي المصري، المؤيد للنظام الحاكم، عمرو أديب، السبت الماضي: “بخلاف كل الناس التي قرأت البيان وكتبت انهيار وتهاوي لجماعة الإخوان (..) أنا أرى أن هذا توجه جديد متمثل في عفا الله عما سلف لننس القديم وتعالوا نبدأ من جديد (…) بيان بلا خطاب ديني ولا مظلومية ولا عودة الرئيس مرسي”.

بينما شككت بيانات وتصريحات من مؤيدين للنظام الحاكم في توجه تلك المراجعات، واتهمت، وفق تقارير إعلامية محلية، التيار الذي أعلن عنها بـ”الإرهابي”.

السلطات المصرية تتهم قيادات الجماعة وأفرادها بـ”التحريض على العنف والإرهاب”، فيما تقول الجماعة إن نهجها سلمي في الاحتجاج على ما تعتبره “انقلابا عسكريا” على مرسي، وتتهم في المقابل قوات الأمن بقتل متظاهرين مناهضين للإطاحة بمرسي.

 تشكيك دائم 

فيما استبعد أيمن نور أن تكون لدى النظام الحاكم في مصر رغبة في الدخول في حوار مع القوى المختلفة معه، معتبرا أن “النظام لا يتحاور مع أحد، ودائم التشكك وعدم الرغبة في قبول الآخر، ويرى المراجعات مؤامرات غير إيجابية، وبذلك فهو يفوت فرصا كثيرة، وهذا يصب في صالح الثورة”.

ووفق فايد فإن “أجهزة الدولة غير معنية أصلا بهذه المراجعات، فالإخوان لا تقدم مراجعاتها إليهم، فالدولة ستتلقفها بشكل سلبي وتروح لها من منظور فشل، ومحاولة استخدامها فيما يخدم بقاء النظام”، مرجحا أن “خطاب المراجعات لن يفضي إلى مصالحة مع النظام، لكن هدفه الأكبر هو إعادة الترابط بين شركاء الثورة”.

وبحسب حمدان فإن “تعاطي الإعلام مع مراجعات الإخوان المرتقبة يعبر عن حالة احتراب من النظام مع الكل، سواء معارض إخواني أو ثوري أو حزبي، حتى أن المواطن البسيط الذي يدلي برأيه يتم اعتباره خائنا لوطنه”.(الاناضول)