غضب فلسطيني واسع وخيبة أمل شعبية عربية من تركيا جراء التحول في مواقفها من قضاياهم

إسماعيل جمال:

Jan-11

إسطنبول ـ «القدس العربي»: ولدت الإدانات التركية الحادة لعملية الدهس التي نفذها شاب فلسطيني ضد جنود إسرائيليين في مدينة القدس المحتلة، الأحد، غضبا فلسطينيا غير مسبوق من مواقف أنقرة التي تشهد تحولاً متسارعاً اتجاه العديد من القضايا والدول في المنطقة، وسط صدمة لدى شريحة واسعة من الشارع العربي.
وفي توجه غير مسبوق، وصف نائب رئيس الوزراء التركي محمد شيمشيك عملية القدس التي أدت إلى مقتل 4 جنود إسرائيليين وإصابة 15 آخرين بـ«الحقيرة»، وكتب في صفحته على موقع تويتر: «مرة أخرى نحن ندين العمل الحقير الذي جرى في القدس اليوم، الإنسانية تستحق منا أن نقف متحدين ضد الإرهاب».
وسبق ذلك أن أدان رئيس الوزراء بن علي يلدريم العملية فور عودته من بغداد وكتب أيضاً على تويتر: «أنا حزين جدا على ضحايا الهجمات الإرهابية التي تبناها داعش في بغداد والقدس»، في إشارة إلى اتهام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو منفذ العملية بأنه يحمل فكر تنظيم الدولة.
وعلى الرغم من أن تركيا اعتادت على إدانة العمليات التي تنفذها الفصائل الفلسطينية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 48، إلا أنها لم تستخدم ألفاظا بهذه الحدة من قبل، كما أن أنقرة تبنت الرواية الإسرائيلية بأن تنظيم الدولة هو من نفذ الهجوم.
وتعترف تركيا بإسرائيل وتربطها بها علاقات دبلوماسية رسمية وتبادل تجاري متصاعد وتعاون أمني واستخباري، كما تسعى أنقرة في الآونة الأخيرة لبناء قاعدة لتعاون واسع مع تل أبيب في مجال الطاقة حيث من المتوقع أن يمر خط نقل الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا من خلال الأراضي التركية، وتقول أنقرة إنها تؤيد إنهاء الصراع على أساس حدود 67.
هذا التحول في الموقف التركي أشعل غضب الفلسطينيين والنشطاء العرب بشكل عام الذين نشروا عشرات آلاف التغريدات على مواقع التواصل الاجتماعي للتنديد بما وصفوه «التحول الصادم في الموقف التركي من القضية الفلسطينية» و»التنازل عن دعم الشعب الفلسطيني من أجل التقارب مع الحكومة الإسرائيلية»، لافتين إلى أنهم يتفهمون أن «تركيا تتعرض لضغوطات هائلة وتحديات كبيرة»، مستدركين: «لكن ذلك لا يبرر هذه النبرة في الإدانة والتهجم غير المسبوق على المقاومة الفلسطينية».
ونظم مئات الناشطين والصحافيين الفلسطينيين في تركيا حملة على موقع «تويتر» من خلال نشر مئات التغريدات باللغة التركية على صفحات يلدريم ونائبه شيمشيك، تحت وسم (المقاومة الفلسطينية ليست إرهابا) حيث اضطر الأخير للرد والتأكيد على احترام بلاده لمقاومة الشعب الفلسطيني، معتبراً أن تنظيم الدولة يسعى لتشويه مقاومتي الشعبين الفلسطيني والسوري.
وكتب النشطاء على الوسم الذي احتل المرتبة الثانية في تركيا تغريدات تطالب تركيا بالاعتذار عن وصف المقاومة الفلسطينية بـ«الإرهاب والحقيرة»، محذرين من أن التراجع عن دعم القضية الفلسطينية يعني «خسارة تركيا لموقعها ومكانتها في قلوب الشارع العربي».
وقبل أشهر توصلت أنقرة وتل أبيب إلى اتفاق ينص على إعادة تطبيع العلاقات بين البلدين بعد قطيعة استمرت لمدة 6 سنوات على أثر الهجوم الإسرائيلي على سفينة المساعدات التركية «مافي مرمرة» وقتل 10 ناشطين أتراك، وذلك بعد اعتذار إسرائيل وتقديمها تعويضات لأسر الضحايا الأتراك، وعلى أثر ذلك تبادل البلدان السفراء.
إعادة العلاقات مع إسرائيل جاءت في إطار توجه رسمي تركي على نطاق واسع من أجل إعادة تحسين العلاقات مع دول الحوار والدول المحورية في المنطقة، بعد أن شهدت علاقات أنقرة تراجعاً غير مسبوق مع معظم هذه الدول مما تسبب لها بمتاعب سياسية واقتصادية كبيرة، وبدلاً من سياسة «صفر مشاكل» التي رسمتها الدبلوماسية التركية باتت توصف علاقات تركيا مع محيطها بـ«صفر أصدقاء».
وبينما اضطرت تركيا للتنازل عن شرط رفع الحصار عن غزة للتطبيع مع إسرائيل، قدمت أنقرة اعتذاراً إلى روسيا وتمكنت من إعادة تطبيع العلاقات التي تدهورت مع موسكو عقب حادثة إسقاط الطائرة الحربية الروسية على الحدود مع سوريا. وأبدى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تعاوناً كبيراً مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين في مسعى لتفادي مزيد من المتاعب الأمنية والاقتصادية التي خلفتها الأزمة.
وعلى أثر هذا الاتفاق دخلت تركيا في شراكة واسعة مع روسيا في مسعى لتثبيت وقف إطلاق النار في عموم الأراضي السورية وبدء مفاوضات سياسية للتوصل لحل سياسي شامل، وهو الأمر الذي رحبت به شريحة من الشعب السوري، واعتبرته شريحة واسعة تراجعاً تركياً عن دعم الثورة السورية والتسليم بإمكانية تطبيق حل شامل لصالح النظام ربما يبقى فيه الأسد على رأس السلطة. وعبر سوريون عن غضبهم من وصف تركيا لروسيا وإيران بشركاء في نشر السلام والاستقرار في سوريا.
وبعد أن وصلت الخلافات بين تركيا والعراق إلى ذروتها وانحدرت إلى التهديد بالمواجهة المسلحة، زار رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم بغداد قبل يومين والتقى نظيره العراقي حيدر العبادي الذي اتهمته أنقرة سابقاً بممارسة التطهير الطائفي، حيث أكد يلدريم على أن بلاده سوف تعمل بشكل وثيق مع الحكومة العراقية في محاربة الإرهاب وتعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين، وهو ما ولد انتقادات واسعة من سنة العراق الذين اعتبروا الزيارة الأخيرة تراجعاً واضحاً في الموقف التركي.
كما أن العديد من المسؤولين الأتراك أبدوا توجهاً كبيراً نحو تحسين العلاقات مع مصر على الرغم من وصفهم عبد الفتاح السيسي بـ«الرئيس الانقلابي»، وتحدثت وسائل الإعلام التركية عن محاولات حثيثة وجادة من قبل الحكومة التركية لتحسين العلاقات مع مصر وربما الاعتراف بشرعية السيسي رئيساً للبلاد.

غضب فلسطيني واسع وخيبة أمل شعبية عربية من تركيا جراء التحول في مواقفها من قضاياهم

إسماعيل جمال: