الأدب الجديد

عبداللطيف الزكري

Jan-11

قد يكون في هذا الوسم ما يفيد الصيرورة التاريخية للأدب، بأن نشطره إلى أدب قديم وأدب جديد، وأن يكون في الوسم ما يتصل بالنظرية الأدبية التي تسعى دائما إلى تحديد ماهية الأدب. الواقع أن النظرية الأدبية المعاصرة ذاتها تنطوي على مزيج من الأفكار اللغوية والفلسفية والتاريخية والسياسية وجُمَاعٍ منصهر من العلوم الإنسانية – وفي مقدمتها علوم الاجتماع والنفس والأنثربولوجيا والإثنولوجيا.
فما الذي يسم الأدبَ الذي نقرؤه بأنه أدب جديد أم أدب قديم؟ لقد انداحت في الثقافة المعاصرة مشاريع كبيرة كاملة لأساتذة الأدب وطلابه، تنكب بعمق على أسئلة قراءة الأدب وكتابته، وهي أسئلة يروم أصحابها الإفادة من كل العلوم، إنسانية كانت أم تجريبية، في بلورة رؤى جديدة حول الأدب، والكشف عما يتعدى به نطاق الفهم القديم للأدب، إلى فهم جديد يستوعب قضايا زماننا، واستطاعت النظرية الأدبية المعاصرة الظفر بكثير مما كانت ترومه من دراسة الأدب، وتحديد ما يجعله أدبا أو غير أدب، واللافت أن خواص كثيرة اعتبرت لزمن طويل خواص أدبية، تميز الأدب عن غيره من الخطابات، أضحت مما يميز الممارسات غير الأدبية. بيد أن المنظرين، الآن، باتوا يشددون على أهمية بلاغة الخطابات غير الأدبية، لما في ذلك من تأثير بيّن على توليد التفكير والارتقاء به، وهكذا أضحى التمييز بين الخطابات الأدبية وغيرها تمييزا شائكا معقدا، يثير الارتياب أكثر مما يثير الاطمئنان، ولعله لهذا يصح التساؤل التحليلي، عما هو الأدب؟ ولماذا ينبغي تحديد الأدب الجديد بموجبات التحديد التي تجعل هذا المفهوم يختلف عن الأدب القديم؟ إنها أسئلة لا تنبثق من تاريخ الأدب، بل من نظرية الأدب ذاتها، النظرية التي تتطور باستمرار، والتي توجد في صلة دائمة بالعلوم الكبرى التي تميز هذا العصر، وإن هذه العلوم بلغت الأوج من التطور، ما لم يكن سائدا ولا واردا في تحديد مفهوم الأدب عند من سبقنا.
بعدما كان الأدب القديم يتصارع مع (صمت) العالم، صار الأدب الجديد يتصارع مع (صخب) العالم. إن العواصف والزوابع، وكل ما يهدر في الأدب القديم لم يكن إلا رد فعل إزاء صمت العالم – الصمت الأشبه بغمر الطوفان، أما الآن، فإن الصخب يلتف على العالم كله، حتى أضحينا نرى الوسائط الاجتماعية كلها ملأى بما هو ضاج وهادر بلا توقف. لقد كان الأدب القديم يقرع الأجراس والطبول، أما الأدب الجديد فإنه يعزف موسيقى البحور الهادئة، موسيقى الصمت المأمول. وقرع الأجراس مقترن بالأخلاق ودعواتها الكبرى وهتافاتها التي تمزق كل من لا ينصاع لها، إلى درجة جعلت القدامى أنفسهم، يقولون عن الأدب الجيد، ومنه الشعر» أصدق الشعر أكذبه» وهم يعنون بذلك أن أجود الشعر ما ارتقى متخيله في ذرى الخيال العالية، أما الآن، فإن هذه الوسائط الاجتماعية الافتراضية أغرقها مستعملوها في «الأدب الفيسبوكي» في غير قليل من الضجة والعجلة والصخب الهادر. إن الأدب الجديد الحق، في أي واسطة من وسائط التواصل الإنساني (الإلكتروني أو الورقي) يلح على ضرورة الصمت، ويمجد هذا الصمت ويمدحه، لأنه يمنح الراحة وعذوبة الحياة، يمنح ما حرمه إنسان زماننا.
الأدب الجديد: نادرا ما يكون أدب « موضوعات» بقدر ما هو أدب تقنيات جمالية جديدة غير مسبوقة ولا مطروقة. كل جديد في الأدب يبدأ من جدة اشتغال المكونات الفنية.
الأدب الجديد جديد: لأننا أبناء جدد في هذا العالم، لنا آباء وأجداد مثلما سيكون لنا أبناء وأحفاد، لكننا نرى إلى الكون رؤية جديدة، هذه الرؤية لا تغدو جديدة، إلا إذا نظمناها في رؤى فنية جديدة، بابتكار تقنيات غير معروفة، وبإضفاء الجدة على ما ورثناه، حتى لا يصبح، بأيدينا نسيا منسيا. الجديد ينهض من عباءة القديم، لكنه لا يلبس العباءة نفسها، بل هو يكسو نفسه بما جد في العالم من جديد يتدفق يوميا مع تدفق الحياة. الجديد جديد، لأنه تم صوغه بطريقة جديدة.
ليس الأدب الجديد بالأدب الذي يتأسس على العين المتقلبة في جنون رائع، بل هو أدب يرى بعين العقل مثلما يرى بعين الخيال، في برية مترعة بالأغراس من كل زمن – زمن مضى أو زمن قائم. إن هذه الأغراس هي مما يوشك أن يتغير كل لحظة، ولذلك فالأدب الجديد يساوق هذا التغير، بل ويتخطاه في أحايين كثيرة، هذا إذا لم يكن هذا الأدبُ ذاتُهُ، مما يبشر بالتغير ويعمل على تأسيسه، خاصة على مستوى الذهنيات.
الأدب الجديد أدب يفتن في جلاء العلاقة بين الإنسان المعاصر وبين العالم الذي يحيا فيه. وإذا سمحنا بوسم العلاقة بأنها ملتبسة، أمكننا أن نتساءل «ومتى لم تكن هذه العلاقة ملتبسة؟». لقد أزال كل جيل من الأدباء هذا الالتباس، ومع ذلك، فإن الحياة بقدر ما تنجلي تلتبس. إننا نداري الحقيقة إن قلنا إننا قد عرفنا الحياة أكثر مما عرفها الأدباء السابقون لنا. إن الأدب الجديد يطفح بنداءات المجهول والملتبس وغير المسمى، إنه أدب مشوب بلظى الحقيقة الكاوية، حقيقة التباس الحياة وامتلائها بالفتنة. إلا أن هذا الأدب لا ينفك يشترع آفاقا ورؤى جديدة تكشف صلتنا بعالمنا، صلة البحث عن الحقيقة، الصلة التي يُقَضِي كل جيل من أجيال الأدب ردحا من الزمن في البحث عنها، فإن أمسك بها ظهرت حقائق جديدة، لأن الحياة كنهر هيراقليط تتغير وتتجدد وتتدفق بالجديد مع كل مياه جديدة.
الأدب الجديد أدب يجري مع مجرى الحياة المعاصرة، ولذلك فهو يفيض من هذه الحياة، إذ يربط الصلة بين الإنسان المعاصر والعالم حيث يوجد، هذه الصلة تتكشف بطريقة جديدة، لأن التباس العالم يتكشف ما أن نمسك به، بطريقة جديدة. ولم يعد خافيا على أحد التأثير القوي لـ(القنبلة المعلوماتية)- كما يسميها بول فيريليو في كتاب تحت هذا العنوان- على الأدب، إن تأثير انفجار هذه القنبلة هو مما يُشَاهَدُ ويُرَى في النتاج الأدبي الطالع في أيامنا من المطابع، أو من الوسائط التواصلية الجديدة الإلكترونية. إن أشكال الإبداعات الأدبية سائرة في طريقها إلى التغير الفني والموضوعاتي، وإن كان ما يشدنا في الأدب، كيفما كان النوع الأدبي الذي تمت صياغته الفنية فيه هو جمالية هذا الأدب، ولذلك فإن حضور هذه الجمالية، حضورا جديدا، هو ما يجعل هذا الأدب جديدا، وهذه الجمالية هي مما يلمس في الموضوعات كما في طريقة عرضها وصياغتها الفنية، وإذا كانت القيم الجمالية آخذة في التحول والتغير بفعل تغير الأدبِ ذاتِهِ، فإن قيما جديدة تولد، ويولد معها أدب جديد، وبما أن الحضارة القائمة سائرة في طريق جديدة لم تألفه ولا عرفته الإنسانية في عصورها كلها، فكذلك أدب هذه الحضارة سائر في طريق جديدة، فهو وإن تناول الموضوعات الكبرى التي تخامر الكينونة الإنسانية- من حيث هي كينونة، فإن الأسلوب أو»الصياغة الجمالية» التي تصاغ فيها تلك الموضوعات الكبرى جديدة ومختلفة عما سبقها عند الأدباء السابقين- الذين لم يعيشوا زمن (القنبلة المعلوماتية) الذي نعيشه. ولن يكون الأدب جديدا لمجرد تداوله إلكترونيا أو بأي واسطة تواصلية أخرى جديدة أو قديمة، بل إنه يحقق جدته بمقومات الأدب الجديد الذي ينبع من الحياة المعاصرة التي نحياها مثلما يجيد التعبير الجديد عن هذه الحياة الجديدة التي نحياها.
إن ما يتلامح من صور جديدة للآداب العالمية، لا يرتهن إلى الوسائط التواصلية الجديدة وحدها، بل هو متصل – بأقوى وشائج الاتصال- بالتحولات الجذرية التي تسير إليها الحياة الإنسانية، وما كان حقائق وطنية أو قومية، قد أذابته منظومة العولمة أو هي تسعى لإذابته، مما يعني أننا نعيش صراعا جديدا في الوجود الإنساني، والأدب الجديد هو الذي يعبر عن هذا الصراع الوجودي الجديد بتعبير جديد. إن الحياة في كل زمان، تسير إلى التحول البطئ أو السريع، حسب نبض الزمن الحضاري، وإن زماننا يتسارع في كل شيء، ولهذا نجد الأدب الجديد يعبر عن هذه الحياة، وينطوي في تعبيره على كل الرؤى والهواجس والمخاوف التي تحف بالإنسان في زماننا، ولقد كان الأدب الجيد أو الرائع أو الكبير أدبا نادرا وخطيرا في كل الأزمان، ولربما سيبقى كذلك، رغم تغير نبض الحضارة الإنسانية.
تميز الأدب الجديد في كل زمان عن الأدب السابق عليه بملامح جديدة غير مألوفة ولا معروفة، وهفت النفوس دائما إلى الجديد، وليس يسيرا تحقيق الجدة في الأدب. ولعله لهذا السبب ينطوي الأدب الجديد على تحد كبير كامن في عدم فقدان (الأدبية) بسبب من تشابه الأفكار والمنظورات والمواقف. إن أدبا جديدا هو دائما أدب يسير إلى مستقبل الإنسانية والحضارة. ولن يكون الأدب جديدا لمجرد تداوله للرطانة الإلكترونية أو التكنولوجية الجديدة، هو أدب جديد لأنه نابع من أعماق إنسان زماننا. والأديب، في زماننا، الذي يكتب أدبا يميل إلى:
(أ) الكشف عن الصراع التراجيدي الذي يخوضه الإنسان- في زماننا – لتحقيق إنسانيته إزاء شراسة وشراهة الحياة التي يحياها.
(ب) الاهتمام بقوة (الفرد) في كفاحه ضد ما يلغيه، وفي تمسكه بالهوية التي ينحدر منها والإنسانية التي ينتمي إليها.
(ج) الإشادة بطرائق التوصيل الجديدة وجعلها طيعة في تحقيق أدبية الأدب، خاصة إزاء العوامل الغالبة التي تعمل على محو أدبية الأدب.
هو أديب الأدب الجديد: أدب الأفق الجديد: أدب الحياة الجديدة التي نحياها بمقاومة جديدة. والارتباط بالأدب الجديد هو شكل من أشكال المقاومة والممانعة.

٭ قاص وناقد مغربي

الأدب الجديد

عبداللطيف الزكري