المصري علاء أحمد السيد: الاغترار بالانجاز يدل على فتور الهمة ونوم الضمير

مواقع التواصل كسرت أوثانا عتيقة جثمت على المشهد الشعري العربي

حاورته: منى حسن:

Jan-11

يرى الشاعر المصري علاء أحمد السيد أن المشهد الأدبي في مصر يشبه المشهد الأدبي في غيره، وأنه مهما كان النثر مؤثرا فإن تأثيره وقتي، أما الشعر فهو أعمق أثرا وأطول بقاء، وأكثر ارتباطا بالعمق الإنساني.
وُلد حاملا بين جنبيه قلب الصعيدي الطيب، وروحه. شاعرٌ موهوبٌ لم يتوقف إبداعه عند حدود موهبته، بل صقل فطرتها بدراسة الأدب العربي، ثم تدريسه، وكان متفوقًا أكاديميًا في مراحل دراسته الجامعية. يحمل درجة الدكتوراه في الأدب العربي، ويعمل حاليا كأستاذ مساعد في كلية اللغة العربية- جامعة الأزهر( قسم الأدب والنقد). كتب الشعر الفصيح، ونال في مسيرته عدة جوائز وتكريمات، أبرزها لقب وبردة الإمارة في مسابقة أمير الشعراء في أبوظبي، التي تُعد المسابقة الأكبر للشعر الفصيح في العالم العربي. صاحب نكتة لم يسلم منها شعره، الذي جاء في بعض صوره حلمنتيشيًا ساخرا. صدرت له عدة مؤلفات، وأبحاث نذكر منها دواوينه الشعرية: «وأنا وحدي»، «ولد ويكتب بالنجوم»، «لاقط التوت»، وآخرها «متورط في الياسمين» الذي صدر عن أكاديمية الشعر في أبو ظبي 2015 .
علاء أحمد السيد، ابن قرية عرابة أبو دهب في سوهاج، التقته «القدس العربي» عبر أثير مضمخٍ بالشفافية، فكان هذا الحوار:

■ يقال إن «سيرة الشاعر هي شعره. وكل ما عدا ذلك محض هامش»، فكيف بدأت سيرتك الشعرية، وإلام تطمح في الوصول؟
□ كلام صحيح، ربما لفت إليه الراحل شوقي ضيف عندما فرق بين التاريخ الجاف والشعر الذي يمثل تاريخا نابضا بالحياة، الشعر هو الذي يحمل إحساسنا بالأحداث والأشياء، ويطوي بالإشارة ما ربما عجزت عنه العبارة، ذلك لأن عبارة الشعر إشارية متعددة المرامي، ومن هنا فسيرتي الشعرية، إن صح أن لي سيرة، بدأت منذ وعيي باللغة وامتلاكي للحساسية اللغوية، وذلك شأنه شأن غيره يبدأ بإرهاصات أولى تعقبها علامات تدل على الموهبة ثم ملامح تدل على التميز.. وهو على سبيل التقريب بدأ منذ فترة دراسة الثانوية.. مع تعرفي على ذاتي وهويتي ولغتي وحبيبتي الأولى. أما طموحي فليس طموحا مبالغا فيه فكل طموح يتعدى القدرات الشخصية هو ادعاء وكذب وغرور.. لذا فإن كل ما أطمح إليه أن يشعر بي القارئ وأن يجد في شعري ما يمثله.
■ كمطلع على المشهد الثقافي العربي، إلى أي مدى أسهمت مواقع التواصل الاجتماعي في كسر صورة الأسماء الأدبية المكرسة في الإعلام العربي؟
□ ، لن أذكر أسماء فهم معروفون، وهم كارهون لظهور المواهب الحقيقية، إلا من ينعمون عليه بالرضا والقبول وهم المطبلون ومساحو الأجواخ.. لكن – كما كسرت هذه المواقع أصناما – صنعت أصناما جديدة، والخطير أنها صنعت أصناما جاهلة لا تدرك شيئا عن تاريخ الشعر وصناعته، وأسراره ومضايقه التي يخبرها القراء الواعون والمتخصصون فيه. والأمر بين بين لأصحاب المواهب الحقيقية فقد وجدوا متنفسا، وألفوا لهم منابر، وصادفوا لهم جمهورا نوعيا فحقق ذلك لهم شيئا من التوازن النفسي والفني.
■ يقول طه حسين: «إياك والرضى عن نفسك فإنه يضطرك إلى الخمول»، ماذا تلهمك هذه المقولة؟
□ طه حسين ملهم كله بالنسبة لي.. نتشابه كثيرا في النشأة والتعليم والرحلة.. وأراه نقطة فارقة بحق، فالحياة الأدبية قبله غير الحياة الأدبية والثقافية والعلمية بعده..
ولعله لهذا السبب مات قبل ميلادي بشهرين كأن الأرض لا تتحملنا معا(هههههه).
لكن المقولة ليست على إطلاقها، فالرضا عن الذات أمر لا بد منه لتوقي الإحباط والاكتئاب وإلا فعلينا أن نترك الأمر برمته لنفعل ما يرضينا.. فالرضا المقصود هنا ليس الرضا بمعناه الحقيقي، بل يراد به معنى مجازي تنصرف إليه الكلمة وهو القناعة بما تم إنجازه وعدم تجاوزه وهذا معناه الوصول إلى النهاية، ومعناه جهل صاحبه بملكة التطور والتعلم والنمو التي وهبنا الله إياها.. والرضا أمر مطلوب والاغترار بما تم إنجازه أمر يدل على فتور الهمة ونوم الضمير.
■ أحرزت المركز الأول، وتوجت بلقب الإمارة في مسابقة أمير الشعراء في أبوظبي 2013، ألا ترى أن النجومية في الشعر تفرض على الشاعر قيودا ثقيلة في الكتابة؟
□ من قبل المسابقة وأنا أشعر بهذه القيود.. لأني أستاذ متخصص في الأدب العربي والذي ينتظره القارئ مني لا ينتظره من غيري.. لكن الحق يقال إن المسابقة جعلت القيود أثقل لأنها فتحت أبوابا من التربص والحسد، إنكارها سذاجة وإهمالها تكبر.. ومعدة الحوار بلا شك زميلة فاضلة جربت مثلي ويلات من مثل هذا.. لكن على كل حال الرابح في هذا هو الشعر وجمهوره الذي يجد منتجا ممتعا ومفيدا. والشهرة سلاح ذو حدين.. أشهر شخصية في الكون هو الشيطان لكن شهرته سبب لعنته التي تتسع رقعتها كل يوم، وهي ليست مما يغريني كثيرا.. والمال جميل ونحن مجبولون على حبه.. لكن بصدق يعنيني منه ما يسترني فقط.. الستر والعافية والرضا، من الله والمنصفين من الناس. وهذا يتطلب جهدا إضافيا لأن الجمهور يأخذ من وقتك وجهدك ولا يترك لك كثيرا منه لتتابع إبداعك وتقف على قمتك مراجعا ومحققا ومجودا.
■ أيهما أقدر على تحريك الراكد في المشهد الشعري العربي، المسابقات أم المهرجانات الشعرية؟
□ هما بالتوازي جناحان لطائر واحد.. المسابقات تجعل الشاعر محموما بالتجويد وإبراز صوته المنفرد. والمهرجانات تفتح تجربة الشاعر على تجارب الآخرين ليأخذ منهم ويضيف إليهم. نحن فى مرايا أصدقائنا وزملائنا نبصر أنفسنا أكثر ونتعرف على جمالنا ونقصنا ونختار أساليبنا.
■ لك عدة قصائد بالعامية، فهل ترى أن العامية أسرع في الوصول للمتلقي العادي، أم أن للأمر ارتباطا بعذوبة و«حِنية» اللهجة العامية، وقربها لنفس الشاعر قبل المتلقي؟
□ لا أحسبها هكذا.. حين أكتب العامية وهو أمر نادر، أكتبها لأنني أريد أن أكتبها فقط. ولأن موضوعاتها عامية. لكن عاميتي على أي حال عامية أستاذ جامعي رفدت لغة الحديث عنده روافد من هنا ومن هناك، فلذا تجدينها عامية بيضاء ليس فيها ما يستغلق على الناس حتى خارج مصر.
■ تكتب الشعر الحلمنتيشي، المتميز بطرافته، و«نكتته»، فهل فكرت في جمع ما تكتب فيه، من باب أنه فن من فنون الأدب الشعبي وله قراؤه وجمهوره؟
ـ لم أفكر في هذا حقيقة.. لأن هذا الشعر غالبا وليد المجالس الشخصية. ننقد فيه ونضحك ونخرج عن وقار القصيدة والأكاديمية، ولا نهتم فيه بصنعة أو تجويد إلا بالنكتة والقفشة. لكن ربما أجمع تجاربي فيه وأنشرها مع القصائد العامية في مجموعة واحدة، وسيكون لك الفضل في التنبيه الى هذا.
■ يقول الكاتب والروائي: سومرست موم: « ليس بوسع كاتب النثر إلا أن يتنحى حين يمر الشاعر»، فإلى أي مدى تتفق معه؟
□ مهما كان النثر مؤثرا فإن تأثيره وقتي، أما الشعر فهو أعمق أثرا وأطول بقاء وأكثر ارتباطا بالعمق الإنساني. لذا أتفق تماما مع هذا، فالشعر أبو الفنون وسيدها والشعراء أمراء الكلام وأرباب التصرف فيه. والبيان أشرف ما علمه الله للإنسان، وأعلى بيان بشري بعد حديث رسول الله تجدينه في الشعر..
■ للمتنبي قصة شهيرة مع الرجل الذي أراد أن يصبح شاعرا حين نصحه بأن يحفظ ألف بيتٍ، ثم نصحه أن ينتظر حتى ينساها، قبل أن يصبح شاعرا، من هذا المنطلق، هل تؤثر دراسة وتدريس الأدب العربي، اللتان تلزمان الشاعر بالاحتكاك المستمر بالشعر والأدب، سلبًا على قصائد الشاعر، وتُلقي بها في فخاخ الذاكرة الشعرية؟
□ ليست المسألة فخاخا نتوقاها أو نقع فيها، لكن للشعر ذاكرة لا بد من محاورتها لتحقيق السير الصحيح في طريقه. وللشعر صنعة تتحصل بالاطلاع على نتاج المبدعين أجدادنا الأوائل.. فالطفل لا يتكلم حتى يسمع، ولا يبدع حتى يقلد، ولا يتميز حتى يخالط.
■ ختاما.. ماذا عن المشهد الأدبي في مصر؟ وكيف احتفت بك مصر شاعرا قبل/ وبعد قدومك متوجًا بجوائز عربية؟
□ المشهد الأدبي في مصر كالمشهد الأدبي في غيرها:
شعراء حقيقيون تغلبهم امراضهم النفسية
وأدعياء يطفون على السطح
وغوان يشتهرن لجمالهن
وكبار فارغون
وصغار ثرثارون
وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم..
إن أكثر ما نعاني منه هو أننا نقع بين تيارين، تيار التافهين وتيار المغرورين، والسلامة منهما تحتاج لدعوة قطب.. أما عن احتفاء مصر بي فالشباب يدعمونني ويفرحون بي ويرونني قدوتهم.. هذا ما يصلني. والكبار يتجاهلونني عمدا لأن اسمي ودرجتي العلمية وشعري يقلق عروشهم المتهالكة. فهم لا يحبونني وكذلك أنا لا أحبني أيضا حين أضع نفسي مكانهم (هههه).

المصري علاء أحمد السيد: الاغترار بالانجاز يدل على فتور الهمة ونوم الضمير
مواقع التواصل كسرت أوثانا عتيقة جثمت على المشهد الشعري العربي
حاورته: منى حسن: