طالب الرفاعي في «النجدي» يدس الوثيقة التاريخية داخل بنية روائية

محمد العباس

Jan-10

أخيراً تنصّصت سيرة علي النجدي، أحد أشهر نواخذة الخليج، ابن البحر الذي قتله البحر، في رواية لطالب الرفاعي بعنوان «النجدي» الصادرة حديثاً عن ذات السلاسل في الكويت، وفيها يحاول دس الوثيقة التاريخية داخل بنية روائية، أي إعادة تشييد لحظة موته غرقاً عن سبعين عاماً، من خلال واقعة حقيقية يوم الاثنين التاسع عشر من فبراير/شباط 1979. عندما كان في رحلة صيد ترفيهية، حيث تعرض هو وأصحابه عبدالوهاب وسليمان لعاصفة، تتمفصل في الرواية على شكل ثمانية فصول، محقّبة بالساعات، تبدأ من الساعة الحادية عشرة والنصف صباحاً، وتنتهي عند الحادية عشرة والنصف ليلاً، وهنا المفارقة، إذ كيف لمن طاف بسفينته الشهيرة (بيان) إلى عدن، وموانئ أفريقيا وصولاً إلى زنجبار، ودلتا نهر الروفيجي في تنزانيا عابراً الأهوال أن يسلم روحه قبالة ساحل الكويت؟ وفي (الأرياق) تحديداً؛ المكان المحفورة تضاريسه في رأسه، وكأن الرواية تنحى لاستجلابه من تعالياته الأسطورية وتمديده في فضائه البشري.
الرواية تسجيلية في جوهرها، تتغيا استعادة حياة البحر ونظامه الحياتي بكل أبعاده الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، من خلال مادة معلوماتية خام مختزنة في المرويات المكتوبة والشفاهية، يحاول طالب الرفاعي تسريدها. كما تعتمد في جانب كبير منها على ما سطّره القبطان الاسترالي ألن فاليرز في كتابه اللافت «أبناء السندباد» الذي رافق النجدي في رحلة إلى زنجبار لستة أشهر، انطلاقاً من عدن أواخر عام 1938 وصولاً إلى الكويت منتصف عام 1939. ليتعرف على الطريقة التي يهتدي بها البحارة العرب إلى مقاصدهم بمراكبهم الشراعية، لدرجة أن تلك المادة الخام، إلى جانب الاستشهادات بمقولات فاليزر ضغطت على الأفق التخييلي للنص، وحدّت من مراودات الاختلاق الذي يمثل منطقة الإبداع بالنسبة للروائي.
ولأنها رواية لا تكتفي بتوثيق سيرة علي النجدي كأسطورة بحرية ساطية في وجدان الإنسان الخليجي، بل ترتبط بأحداث تاريخية وحركة اجتماعية، وجد الرفاعي نفسه محاصراً بكم هائل من المعلومات والمقولات والمدونات التي فرضت نفسها على سياق الرواية. كما صار لزاماً عليه اختبار خطاب الحقيقة الواقعي على حواف الخطاب الأدبي القائم على الإيهام الفني. وهذا هو بالتحديد ما دفعه إلى تصعيد لحظة التوتر الدرامي، أي لحظة هبوب العاصفة وموت علي النجدي، وهي المساحة التي رسمت الجدار الفاصل بين المادة الخام، ككتاب تعريفي بجوّاب البحار علي النجدي وما صارته سيرته كرواية، حيث اعتمد الرفاعي هنا مفهوم (التسبيب) عند جيرالد برنس، الذي يرفع الخبر أو القصة إلى مستوى الرواية، فعندما يقال: مات على النجدي. فهذا يعني وجود قصة خبرية انبساطية وعلى درجة من العادية. أما عندما يقال: مات علي النجدي غرقاً، فهذا يحتم وجود حبكة وتركيب مشاهد، وتأثيث فضاءات زمانية ومكانية، بحثاً عن السبب والمفارقة والتداعيات.
على هذا الأساس بأّر طالب الرفاعي الحدث في لحظة موت علي النجدي، بمقتضى تقنيات سردية معنية بتوظيف الوثيقة التاريخية توظيفاً جمالياً، وإزاحة خبر الموت من صيغته الإعلامية إلى أفق الحدث، أي بمسرحته كتراجيديا. وكذلك بمفصلة اللحظة، بمعنى تجزئة رحلته الأخيرة وتحويلها إلى مشاهد ووحدات كلامية متناً وحواراً، عبر سيناريوهات استيهامية متخيّلة، حيث شكّلت تلك المشهدية المدّبرة درامياً منطلقاً لارتدادات في الزمان والمكان لعرض حياة علي النجدي والنظام البحري الذي احتضنه، دون تغييب للنزعة التوثيقية، فسفينته (بيان) بناها الأستاذ القلاّف محمد حسين عام 1937. وهي من نوع (البوم) وقد تتلمذ كبحار مبتدئ بمصاحبة النوخذة يوسف بن عيسى القطامي قبل أن (يتنوخذ) باكتساب الخبرات، إلى أن تحول إلى نوخذة سفر بموافقة أبيه على سفره إلى الهند لجلب البضائع والأخشاب لصناعة السفن، بمساعدة المعلم علي بن حسين، وكان يومها شابًّا عشرينياً.
في الرواية أيضاً حضور لوالده النوخذة (ناصر) ولأمه (فاطمة) وأخته (مريم) وأخوه (ابراهيم) وزوجته الثانية (نورة) التي اقترن بها بعد وفاة زوجته الأولى (شمّة). وهناك استدعاءات لكتاب سيف مرزوق الشملان «تاريخ الغوص على اللؤلؤ». كما تستحضر الرواية علاقته بألن فاليرز التي بدأت بشيء من التوجس والارتباك وانتهت بصداقة يُضرب بها المثل، حيث لم يكن فاليرز مقتنعاً بكفاءة البحارة العرب. وقد وصفهم بالجبناء المحاذين للسواحل والمتهورين المغرمين بالرقص والغناء وعدم الجدية «أنتم تلازمون الشواطئ، لا تكاد تغيب عن عيونكم. القبطان العربي يتجنب الإبحار في عرض البحر». إلى أن تعرّف عليهم وكتب كتابه التمجيدي لهم «كنت أزداد حبًّا للعرب، خاصة هؤلاء السندبادات، الذين يحتلون مقدمة المركب. لأن السندباد نفسه إن كان هناك سندباد، لا يستطيع أن يقوم بمثل المغامرات التي يقومون بها». كما كتب مباهياً بمرافقة علي النجدي في مركبه «بوم بيان يقف شامخاً متعالياً على جميع المراكب الأخرى من نوع السنبوك والزوارق الموجودة في الخليج». وعدّد مآثر تلك الصحبة بقوله «المراكب العربية آخر ما تبقى من سحر الشرق القديم «.
لا تكتمل أسطورة علي النجدي إلا بعرض حواضنه المكانية ومزاجه الشخصي، بما يمثله كل ذلك من ضرورات سردية لتأوين الحدث، أي اعتماد التأريخ على اعتبار أنه تمثيل وتفكير في الوقائع. وهذا هو ما يفسر لجوء طالب الرفاعي إلى عرض كل متعلقاته المعاشية وما تداعى عنها من طبيعات ميتة قابلة للتحريك، من منظور جيل دولوز، لاستنهاض جينات المكان، أي إعادة الحياة لخزان المفردات التي تختزن بدورها منظومة العادات والتقاليد والمهن والمأكولات والطقوس، فهو مغرم بخبز (الرقاق) المخبوز على (التاوة). وهو عاشق للطرب ولذلك يحرص على اصطحاب أفضل النهّامين معه في رحلاته، حيث يردّد «إذا طابت النفوس غنّت… وإذا غنّت النفوس طابت» من منطلق إيمانه بأن «الغناء عون للبحار». وبشوق المحب لذلك الزمان يتذكر زفته وسط أضواء فوانيس (اللوكس). ويصر على التزود بطبق (المربيّن) الذي طبخته له زوجته في آخر رحلاته إلى جانب (الدقوس). كما يتأمل صيدهم قبل هبوب العاصفة من أسماك الجنعد، والشعوم، والسبيطي، والفسكر، والبلول وهكذا.
وفي المقابل يشرح المراحل التي عبرها علي النجدي في سيرته البحرية من الموقع التوثيقي ذاته القائم على توطين القاموس البحري. فقد شارك البحارة في دهن السفينة بـ (الصل). المستخرج من أسماك القرش والسردين. كما لطخ يديه بالـ(شونة) المصنوعة من شحم الغنم ومسحوق الجير، لطلاء السطح الخارجي السفلي للسفينة. وغاص لأول مرة في مغاص (أم الهيمان). وهنا تستطرد الرواية في شرح رحلة استخراج اللؤلؤ، حيث يبدأ الغواصة عملهم مع طلوع الشمس. كل واحد منهم ممسك بحبل (الإيدة) المربوط بحجر (ثقل). وقبل أن يرمي نفسه في البحر يسد أنفه بـ(الفطام ليتفاهم مع (السيب) وهو الشخص المسؤول عن سحبه خارج الماء بالإشارة. بعد أن يملأ سلّة (الديّين) بالمحار. وهنا تجنح الرواية إلى الرثائية فموت عوالم علي النجدي إثر ظهور النفط وتصدير أول شحنة نفطية من الكويت عام 1946 هو موت للنظام البحري بكامله، وهذا ما أراد طالب الرفاعي تجسيده من خلال حياته وموته.
ويبدو أن حدث موت النجدي غرقاً هو الذي الذي حدّد أدبيته، إذ ضغطت هذه الرثائية أيضاً على سياق الرواية فتحولت في مفاصل منها إلى شريط لغوي إخباري، شعري النبرة، حيث طغت البنية الشكلية على ضرورات البنية الدلالية. كما بدا من الواضح أن صراعاً قوياً يتناهب الرواية ما بين التوثيق والتهويم الشعري يؤدي بالضرورة إلى اختلاق عالم روائي يوازي الواقعة أو الحدث، وربما لهذا السبب لجأ طالب الرفاعي إلى رفد السرد بزخات من العبارات الشعرية أشبه ما تكون بالمونولوج الغنائي، لصد سطوة التوثيق والمعلوماتية، من خلال مونولوج غنائي استذكاري «كنت أتمشى على الشاطئ أطالع السفن مائلة بضلوعها وحزنها ووحشتها على رمال الشاطئ. يصعد الوجع بي، أهمس بيأسي: سيأكل اليباس خشبها، وستعوي الريح العابرة بين جنباتها».
لا ينسى طالب الرفاعي في كل مفاصل الرواية شروط التلامس الفني ما بين المحكي التاريخي والمحكي التخييلي، إذ يبدو من الواضح أن موضوعه لا يمكنه أن يقدم لروايته بُعداً شعرياً دون أن يعيد ترتيب نظام العلاقات داخل الموضوع، أي أن يرسم التباعدات داخل الزمن المستدعى. فهو بصدد إعادة بناء الوثيقة التاريخية لا الارتهان لها، ولذلك أنطق علي النجدي بعبارات تجعل منه بطلاً يلتقي بالتاريخ «كيف لابن البحر أن ينكر أباه». وكأنه – أي طالب – يشكّل قدر بطله بمقتضى سياق الرواية الداخلي المتقاطع مع برّانية الحدث «البحر بيتي الثاني» أو «نهايتي راح تكون في البحر». وهذا هو ما يفسر وجوده الأنطوقي الذي يؤسس بدوره لمصيره المحتوم «أنت وجهتي ولا أعرف درباً لي سواك». وهو قدر تم فرش أرضيته في مقدمات بقلق الأم وهي تحذره منه إبان طفولته «مستعجل على البحر يا وليدي» أو من خلال وصايا الأب «البحر لا يعرف صديقاً».
لا يمكن لرواية «النجدي» بنزعتها التسجيلية التوثيقية إلا أن تتقاطع مع التاريخ الاجتماعي فتنقل عنه من طرف، وتصفه من طرف آخر، حيث يبدو واضحاً محاولات طالب الرفاعي الواضحة لانتزاع الوثيقة حياديتها واستنهاض المكان من هجعته، من خلال عرض سردي يراعي العلاقة ما بين مدة القصة وطول المحكي، وهي علاقة يتداخل فيها التكثيف والحذف والإيقاع والتذويت أيضاً، حيث يمكن التقاط تلك اللوعة الذاتية في انفلاتات كلامية مثل «غدر بك البحر صديقك يالنجدي»، حتى الصوت الضمني للروائي كان حاضراً وراسماً للقدر «كنا نصطاد سمكاً بينما البحر يصطادنا». أما النجدي بصفته بطل الرواية فقد كانت كلماته تشي بمآله منذ أول عباراته «الحسرة تنهش قلبي. لا البحر هو البحر، ولا اليخت هو البوم» وصولاً إلى مفارقة موته غرقاً «أبحرت بسفينتي بيان إلى شواطئ الهند وأفريقيا… رحلة اليخت هذه نزهة عابرة» وكأن الرواية أرادت إكساب النوخذة الأسطورة سمته البشرية.

٭ كاتب سعودي

طالب الرفاعي في «النجدي» يدس الوثيقة التاريخية داخل بنية روائية

محمد العباس