الشعر والإقامة في التخوم

محمد الديهاجي

Jan-10

الشعرُ مرتعٌ خصبٌ للشاعر. مرتع مصاب بالكثرة، فقط لأنه أكبر من القصيدة. هذا ما انتهت إليه، طبعا، الأبحاث الحديثة. والتقليد، على العكس من ذلك، لا يمكن إلا أن يُكرّس تجربة شعرية ارتكاسية. إذا صح القول، تجربة نكوصية، مشدودة إلى الماضي الشعري، ومرتهنة بمعطياته القبلية.
هذا ما كانت تسعى إليه الأصولية النقدية العربية في الماضي (الحكم نفسه ينطبق على من سماهم ياكوبسن ببوليس الأدب)، في أفق تشكيل وعي ارتكاسي. والحال أن التجربة الشعرية المتنورة، هي تلك المتفتّحة على المستقبل بالكاد نلاحقها، لأن العمل الأدبي بحسب أمبرتو إيكو، عمل مفتوح، وليس معطى ناجزا ونهائيا. إنه فضاء يتجسد باستمرار، في تخوم لا تشي بغير اللااكتمال، واللامعقول واللامحدود. والعمل الأدبي الجيد حسب بلانشو، هو وأد مستمر للجواب، وأنه «يُنسج بخيوط وأرابيسك من كلام لا يمكنه أن ينقطع»، عمل يسعى دون هوادة، إلى تغيير انتظارات القراء.
وعليه، إن الوعي ال الارتكاسي، وعيٌ تطابقي وتماثلي. وعي القطيع المتحصن ضد المختلف والطارئ والغريب، فيما الوعي المتنور والمتحرر (وعي أبي تمام، وأبي العتاهية، وأبي نواس، وبشار، والصوفية، تمثيلا لا حصرا)، يؤسّسُ لشعرية التعدد والتهجين، مقابل الجوهر والطهرانية. الشاعر في التجربة الأولى، يكتب بالتذكر والاستظهار، أما في التجربة الثانية، فيكـتب بالمحو والنسـيان.
هنا، بالضبط، يغدو للتذكر، بعدٌ نكوصي ورجعي. تذكر الماضي وتكراره، لا كذاك الذي لوح به هايدغر، أي تذكر المنسي واللامفكر فيه.
أما النسيان، فهو تمرينٌ استباقي، واحتلالٌ لمواقع جد متقدمة. فما أبهى لحظات الكشف، تلك المتخفية، خلف أراضِ قصية، في مملكة الشعر الرحبة.
ها هي ذي آفاق الشعر تتوالجُ في بذخ وبهاء، مع الأراضي الخفيضة للنثر. ربما هي دعوة لتغيير الجلد، أقصد، لإقامة في التخوم، حيث الفرصة سانحة، لممكنات/شعريات جديدة. شعريات تنوجد بين حدودين :الشعر والنثر. لم لا، بين حدود متعددة، إن أمكن. شعريات تكابدُ الأقاصي والتخوم، وتراهن على اللاانتماء الأجناسي. للتدقيق نقول، على التعتيم الأجناسي.
تلكم كانت وستظل، عادة الشعريات التُّخُومية. وعلى الشاعر الفاعل، أن يذهب بالشعر، باعتباره كتلة من المقترحات، التي لا يمكن قطعها إلا بالموت وحده، قلت أن يذهب بالشعر، إلى مضايقه، بلغة أبي نواس. ليست المضايق مُخيفة، كما أنها ليست مطمئنة، مثلما أن العلو ليس هو» ما يخيف وإنما المنحدرات» (نيتشه). أما المعيار، فـ»وعي نظامي» (العبارة لغادمير) شقي. لأنه مصدر التكرار والتماثل والتطابق، ولأنه «يغلق الباب أمام كل مقترح مقبل من المستقبل»، وخزان ثرّ للوهن، ضد كرنفال الحياة الأثير.
وينبغي للغة، في الشعر، أن تسير دائما في اتجاه تبدّلها المستمر، ضدا من كل معيار مؤسساتي، أو ميتافيزيقا شعرية. فحداثة الشعر، لا تصير ممكنة إلا «عندما تبدل القصيدة وضعية اللغة داخلها، عندما تنأى بها من مكان المتفق عليه إلى مكان الصدمة، قائلة أنا القاعدة».
فما أروع قبس اللغة، حين يضيء ، بجسارة نادرة، لحظة الكشف الصادمة بكل المعايير. إن تسمية الأشياء في الشعر، عطبٌ قاتل، فقط ،لأنه يُذهب ثلث أرباع متعة النص، كما قال ذات مرة بول فاليري. حتى إن ظاهرة الغموض، التي تُشوّش على الفهم الارتكاسي الذي يروم المواضعات، والمتّفق عليه، كانت دائما عقيدة الحداثات الشعرية السابقة.
والشاعر – الجدير بهذا النعت- هو ذاك الذي لا يأبه لرجع محراثه. فامض قدما أيها الشاعر. كن واثقا من خطوك، واحرص على قلب أرض اللغة، مثلما الفلاح الذي يقلب أرضه. امسك بمحراثك بقوة، ولا يُرهبك غموضُ الأفق، فقط ، تذكر ما قاله مالارمييه «القصيدة سر، وعلى القارئ أن يبحث عن مفتاح»، لا يشغلك الفهم، مهما حيّرهُ شعرُك.
ولنا أن نتذكر، في هذا المسار، أن اللحظة التي يعكسها الشعر، لا تنقال. فكيف للُغة محدودة أن تقول ما لا يقال. وحده الصمت، في نظر إدمون جابيس، من يُؤسّس، في شعرية القطيعة والشتات والغياب، حوارا صامتا مع المجهول.
والصمت، هذا، هو ما يقابل البياض، على ظهر الصفحة، المتعارك باستمرار مع السواد، من خلال لعبة شد الحبل، أو الكر والفر. لنصغ جيدا لهذا المقطع الرائع لإدمون جابيس: «أيها الصمت! إنني أتوجه عبرك إلى ذاتي، ولكنني لا أتعرف على صوتي. فمن يتكلم من أجلنا منذ أن بلغت هذا الجزء من الوجود، حيث لم يعد الماء يروي الأرض وحيث توقف الربيع عن النمو، وحيث لا تنير الشمس سوى الماضي، وحيث المستقبل غارق في ظلام الليل بشكل نهائي».
ويمكن القول، بكثير من الثقة، إن الوعي الشعري العربي التخومي، ومنه المغربي، يعمل الآن باطراد متسارع، على تفجير النصوص الأكثر هامشية، عبر الاحتفاء المعتبر، بلغة الهامش المترفة والمتعددة، ضدا من كل الرطانات اللغوية الشعرية التي أعاد تكرارها التقليد الشعري، دونما خجل.
هنا لا بد من التذكير بالدور الكبير، الذي قام به الشاعر في بلاد المغرب، من أجل تطوير القصيدة العربية، فاعلا لا متأثرا فقط، منذ القدم، وذلك ضدا من بعض المزاعم المشرقية المغرضة والضيقة في آن، التي ما انفكت تتخلص من مقولة «هذه بضاعتنا رُدّت إلينا» تلك التي تعني، من ضمن ما تعنيه، أن ما حدث أو سيحدث في المغرب، من سبق إبداعي ليس سوى جملة اعتراضية.
والحق أن الغرب الإسلامي، شكل في فترة ما بين القرن السادس عشر والثامن عشر، في مجالات عدة، ومنها مجال الشعر، حركة بحث وتجديد مستمرين، ما جعله يقود قاطرة التحديث الحضاري العربي ، في وقت كان فيه الوطن العربي، قاب قوسين أو أدنى، من الإفلاس الثقافي، والاحتباس الحضاري عموما. يكفي استحضار فن الموشحات والزجل في مجال الشعر، والتصوف العرفاني، في مجال الفكر، والموسيقى في المجال الفني، وتقنيات الري المتطورة، في المجال الزراعي، وهلم سبقا.
أما في العصر الحديث، فيمكن القول، إن الشاعر المغربي ساهم، قدر الإمكان، في تغيير الوعي الشعري العربي كمنفعل أحيانا، وكفاعل أحيانا أخرى. صحيحٌ جدا، أن المشهد الشعري المغربي، في النصف الأول من القرن العشرين، حتى حدود سنوات الاستقلال، وبحكم طبيعة المرحلة، كان مجرد ملحق، لما يقع في المركز، نقصد المشرق العربي، حيث التأثر بالاتجاه التقليدي. في البداية، كان واضحا، ثم سيتأثر الشاعر المغربي، بعد ذلك، بمدرسة الديوان وجماعة أبولو. نستحضر هنا عبد المجيد بن جلون، وعبد الكريم بنثابت، وعبد القادر حسن. وصحيح أيضا أنه سيتم تبني التكسير، الذي لحق بنية القصيدة في المشرق، مع كل من السياب والملائكة والبياتي، بحيث ستبرز أسماء جديدة في مشهدنا الشعري كمصطفى المعداوي وأحمد المجاطي ومحمد الخمار الكنوني ومحمد السرغيني وآخرين.
لكن وبحكم السؤال الهوياتي، الذي تيسر للنخبة المثقفة التقدمية، مباشرة بعد الاستقلال، والذي يُلحّ، على ضرورة تأسيس مشروع ثقافي عربي، مُتفتّح على الثقافة الغربية، بدون وساطة، سوف يتبنّى، مجموعة من الشعراء والمثقفين، طرحا متفردا، ومغايرا، لما يقع في المشرق، تجسد أساسا، في مشروع مجلة «أقلام»، ومجلة «أنفاس»، ومجلة «الثقافة الجديدة».

٭ شاعر وكاتب مغربي

الشعر والإقامة في التخوم

محمد الديهاجي