عن تونس مرة أخرى: هل ضلّلتنا «الخضراء»

توفيق رباحي

Jan-10

إلى غاية العام ألفين وأحد عشر آمن كثيرون من العرب والغربيين، الفرنسيين على وجه التحديد، بأن تونس دولة (ومجتمعا) محصنة من «الانحرافات» بقوانينها، القديمة والحديثة، وبمنظومتها التعليمية، وبمجتمعها المدني وبنخبها «الناضجة».
في تسعينيات القرن الماضي، وعندما استباح الجزائريون بعضهم أرواح بعض وارتفع منسوب الدماء إلى الرُكب، كانت تونس هي النموذج والحلم. كثير من الصحافيين والمثقفين الجزائريين كان ينظرون إليها بعين الحسد. حسد على الحصانة والمناعة والاستقرار. كانت تونس، في نظرهم، نموذجا للحداثة ورمزاً للتسامح وأرضية عصية على التطرف الديني ـ الإسلامي. وكان بعض الصحافيين والمثقفين التونسيين يتباهون، تصريحا وتلميحا، بتلك «المناعة» أمام نظرائهم الجزائريين في المؤتمرات الدولية والإقليمية، ويتقمصون دور المنظِّرين.
بعد ألفين واثني عشر أصبحت هناك قناعة ـ وفخر ـ بأن تونس نجت مما أصاب ليبيا وسوريا واليمن من اقتتال بفضل «الحصانة» ذاتها التي توفرها الأسباب نفسها المذكورة آنفا، فتباهت النخب العربية المُحبّة لتونس بالنموذج التونسي. وتباهت به أيضا النخب السياسية والثقافية الفرنسية كأنها شريكة في إنجاز ذلك النموذج «الاستثناء» أو تمتلك فيه أسهما.
وفجأة يكتشف العالم، بفضل دور لعبه ببراعة إعلام «الممانعة» في لبنان وسوريا، ان تونس الجميلة الهادئة المسالمة المتصالحة هي الخزّان الرئيسي لعتاة الإرهابيين وأكثرهم وحشية وفتكا: من ليبيا إلى سوريا، والجغرافيا مفتوحة.
وبفضل إعلام «الممانعة» ذاته نكتشف أن تونس الجميلة الهادئة ووو.. هي كذلك المصدّر الأول لـ»مجاهدات النكاح»! وحيكت القصص مع ضخ إعلامي داخلي وخارجي «ممانع» بلغ حد الكذب والقرف.
بعيداً عن دقة المعلومات وصوابية النقاش من عدمها، من حق إعلام «الممانعة» الاستثمار في فرضية أن تونس هي الخزان الأول للإرهابيين ولـ»مجاهدات النكاح». لا يهم إن صحت هذه المزاعم أم لا، لأن الأهم لدى هؤلاء «الممانعين» ليس دقة المعلومات ومصداقيتها، بل إثبات أن ما يحدث في سوريا (ليبيا لا تهمهم لأن الحرب فيها غير طائفية) منذ 2011 هو إرهاب لا صلة له بمطالب الحرية والديمقراطية، و»مؤامرة كونية». والأهم عندهم أيضا أن الموضوع يشكل سلعة إعلامية مثيرة ومطلوبة جماهيريا، ولها سوق معتبرة في تونس قبل غيرها.
ومن حق الحكومة التونسية، حاليا وسابقا ولاحقا، الاستثمار في الموضوع ذاته لأنه يشكل متنفسا وغطاءً للاخفاقات المحتملة. أيّ حكومة في العالم تبحث عن غطاء لتبرير فشلها في الوفاء بالتزاماتها تجاه مجتمعها، فما بالك إذا كان عنوان هذا الغطاء هو الإرهاب والاضطرابات الأمنية! ومَن أفضل من إرهاب محلي ببهارات إقليمية ودولية كغطاء؟
لا يعني هذا أن أهل الحكم في تونس استثمروا حتما في الموضوع، لكن المنطق والعقل يرجحان أن لا أحد في موقع مسؤولية كبرى يمانع لو أتيح له الأمر. وحكومات تونس أخفقت في مسؤولياتها لأسباب بعضها موضوعي وبعضها لا.
ومن حق النُخب الفرنسية التي راهنت على «الاستثناء» التونسي أن تسوّق هذه الفرضية وتستثمر فيها، فتبرر بها خيبتها وتجد فيها تفسيراً لفشل رهانها.
آخر الأرقام الرسمية (على لسان وزير الداخلية التونسي الهادي مجدوب الأربعاء الماضي) تشير إلى وجود 2929 تونسيا في بؤر «الجهاد». عاد منهم 800 ووضعت الجهات الأمنية 137 من هؤلاء رهن الإقامة المحروسة.
وزير الداخلية اعتبر هذه الأرقام قليلة، وقال بثقة إنها «بعيدة عن الستة آلاف» (مقاتل) الذين يروَّج لهم. فليكن، وهل ثلاثة آلاف رقم قليل؟
ما يدعو أكثر إلى الاستغراب أن هؤلاء الإرهابيين «تشكلوا» بعد 2011، أي بعد زوال القمع الذي مارسه نظام بن علي. تونس هنا تشكل استثناءً عجيبا، لأن الآلاف من شبابها جنحوا للإرهاب في التوقيت الغلط وبعد زوال الأسباب التقليدية في تفسيره. جنحوا نحوه في زمن الحرية، بينما تُرجِع علوم النفس والاجتماع والإجرام انحراف الشاب نحو الإرهاب والجريمة هربا من القمع والسخط السياسي والاجتماعي.
إذاً، نحن أمام آلاف الشبان اختاروا عن قناعة وحماس مغامرة معقدة يعرفون حتما خطورة عواقبها، وليس مجرد هروب من واقع اجتماعي صعب أفرزته ثورة 14 كانون الثاني (يناير) 2011.
سمعنا عن الذين خاب املهم في الثورة وعجزوا عن تحقيق أحلامهم في العهد الجديد فركبوا البحر بالآلاف نحو أوروبا بحثا عن مستقبل أفضل. لكن أن تختار القتال في سوريا فأنت بالتأكيد تعرف جيداً ما تريد وجاهز لما ينتظرك.
مَن هؤلاء؟ لماذا ومتى وكيف تشكلوا بهذه السرعة؟ أين الوصفة التونسية المتمثلة في «الحصانة»؟ أين «الحداثة» و»العصرنة»؟ أين النظام التعليمي العصري؟ لماذا «تفتقت طاقات» هؤلاء الشبان اليوم ولم تفعل في عهد بن علي عندما كان يمكن تفهم جنوحهم لو فعلوا؟
سلسلة طويلة من الأسئلة جديرة بأن تطرَح اليوم حول ظاهرة لا يبدو أنها نالت حقها من النقاش الجاد بعيدا عن الحفلات الإعلامية «الممانِعة» داخل تونس وخارجها.

٭ كاتب صحافي جزائري

عن تونس مرة أخرى: هل ضلّلتنا «الخضراء»

توفيق رباحي

مقالات سابقة