حاكمية الجماعات المسلحة وهامشية السلطات الحاكمة في العراق

د. مثنى عبدالله

Jan-10

في كل يوم تأبى الحكومة العراقية إلا أن تكشف عن عدمية دورها، وهشاشة مؤسساتها ورؤيتها المعطوبة وعبثية وجودها.
وإذا كانت عملية اختطاف صحافيّة عراقية من بيتها في بغداد، بسيارات حديثة لا تحمل لوحات تسجيل، ومرت من خلال عدد من السيطرات العسكرية ونقاط التفتيش، ثم إطلاق سراحها الأسبوع الماضي، بعد ثمانية أيام من الاحتجاز، هي ليست حالة الاختطاف الأولى التي تحصل في العراق، فإنها جاءت تأكيدا آخر على عجز الحكومة، وبرهانا واضحا على أن من يتسنمون المناصب فيها، بدءا من رؤساء السلطات الثلاث وحتى ما دون ذلك، هم ليسوا سوى دمى تؤدي أدوارا مثيرة للسخرية، حتى بات رئيس الوزراء، المثقف وخريج الجامعات البريطانية، الذي يجيد الانكليزية، كما يحلو للبعض وصفه، معتبرينها مزية له على من سبقه، نقول بأنه بات مجرد ظاهرة صوتية، يطل على الصحافة والمهرجانات والتجمعات، مكتفيا بوصف الحالات والخروقات والجرائم التي تحدث في المجتمع، بصيغة الحكواتي وليس رجل الدولة المسؤول الأول، ثم يغادر منصة الخطابة دون أن يضع الحلول، أو أن يقدم استقالته في أضعف الإيمان، كنوع من الرفض الأخلاقي لممارسته دورا فارغا من كل فعل. كما أن المسؤولين الآخرين بضمنهم رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان، لا نكاد نسمع لهم رأيا في كل هذه الجرائم التي تحصل أو فعلا، سوى بيانات الشجب والاستنكار التي تصدر عن مكاتبهم الإعلامية دون خجل من مسؤولية المناصب.
لقد كان رئيس الوزراء هو أول المستهدفين في هذه الحادثة باعتباره رأس السلطة التنفيذية، لان القائمين عليها أكدوا له وبلا مواربة بأن السلطة الحاكمة لا تعني شيئا لهم، من خلال مرورهم بالسيطرات العسكرية التي تمثل سلطة وهيبة الدولة، وكذلك باقتحام بيت مواطنة عراقية من دون أمر قضائي، كما ينص عليه الدستور الذي يتغنون به، والقيام بالاحتجاز وتقييد الحرية لعدة أيام، ثم إطلاق سراحها في الوقت الذي هم قرروه. كما أن تكرار هذه الأفعال ضد آخرين، عراقيين وعربا، كما حصل مع المواطنين القطريين في العام الماضي، إنما هو تأكيد آخر على أن هذه الجماعات المسلحة بات مسرح نشاطها مفتوحا وأكثر إصرارا على إظهار بطولاتها، وأن عملياتها تخضع لأجندتها وحدها فقط، وهي من تحدد المذنب والبريء في المجتمع، بعيدا عن سلطة القوانين والأنظمة المرعية، إن كانت موجودة حقا، بل حتى المرجعيات الدينية التي يدّعون تقليدها باتت توجيهاتها غير مسموعة لديهم. ولقد تأكد من تصريحات الصحافية بعد إطلاق سراحها، بأن هذه المجاميع المسلحة لها هيكلياتها وإجراءاتها الخاصة وسياقات عمل معينة وعناصر رصد ومتابعة، حين أجابت عن الذي حصل لها أثناء وجودها في ظرف الاختطاف بالقول، «كان هنالك أجراء بسيط واستجواب وخرجت براءة» أي أن الجهة الخاطفة لديها سياقات التحقيق والاستجواب، ثم إصدار قرار الحكم بالتجريم أو البراءة، وإذا ما ذهبنا إلى علم السياسة للاحتكام بالتحليل لهذا الوضع، نجد أن العالم الألماني ماكس فيبر يُعرّف الدولة بأنها «الكيان الذي يحتكر الاستعمال الشرعي للقوة» بمعنى أن بقاء الدولة مرتبط باحتكارها استخدام القوة في أرضها، وكذلك أن يكون هذا الاستخدام شرعيا. وعندما يقول رئيس الوزراء بأن هنالك ما يزيد على مئة مجموعة مسلحة في البلاد، يمتلكون السلاح خارج إطار الدولة، وهم يخطفون ويحققون ويستجوبون ويطلقون الاحكام على المواطنين، كما أنه يؤكد على أن حادثة الاختطاف كانت سياسية إجرامية، فإن معنى ذلك أن السياسة في العراق تمارس بطريقة جرمية، وأن من في العملية السياسية يمارسون الجريمة لتحقيق أهداف سياسية، وكل ذلك يؤكد عدم وجود دولة في هذا البلد.
وفي الحقيقة أن هذا ليس اكتشافا جديدا، بل هو واقع قائم منذ عام 2003 وحتى اليوم، لان من استلموا السلطة بعد هذا التاريخ لم يستطيعوا إقناع الناس بأنهم رجال دولة، وأن العراق دولتهم، فلجأوا إلى استخدام القوة المادية العارية، من قمع واختطاف وتغييب وقتل لغرض إخضاع الناس، وكانت وسائلهم في هذا الإجراء هو استخدام الميليشيات والجماعات المسلحة للقيام بهذا الدور، ومن يستخدمون الميليشيات في تثبيت سلطتهم، أو إيجاد سلطة لهم، يصبحوا بعدها عبيدا لهذه الجماعات، لا يستطيعون الفكاك منها حتى لو انتفت حاجتهم إليها، لأن هذه الجماعات سوف تمتهن هذا الدور وتبقى حائزة السلاح، وفي حالة بحث مستمر عن دور لها يوفر لها استمرارية السلطة والمال والجاه والوصاية. هنا تغيب الدولة تماما عن المسرح وتتوزع السلطة في أكثر من مكان، ولكنها لن تكون موجودة في الدولة نفسها. فتنشأ حالة انفصام بين حقيقة ممارسة السلطة الموجودة بيد الجماعات المسلحة وبين الشكل الخارجي للدولة، فيضعف الجميع ويهتري جهاز الدولة وتصبح الأجهزة الأمنية أداة بيد هذه الجماعات، التي وحدها ستبقى في حالة قوة متطورة، خاصة عندما تكون مدعومة من قبل جهات دولية وإقليمية، لذلك ليس من الغرابة أن في حالات الاختطاف التي طالت أشخاصا مؤثرين، غالبا ما نجد رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس البرلمان يتجهون فورا للتوسط لدى زعماء هذه المجاميع للبحث عن المخطوفين، لأنهم يعلمون جيدا بأن هذا الدور هو دور هؤلاء. السؤال هنا هو إذا كان الأشخاص المؤثرون يمكن أن تشكل بعض الاحتجاجات وسيلة ضغط لإطلاق سراحهم، فمن للمواطن البسيط حين يتعرض للاختطاف؟
إن قيام الجماعات المسلحة بهذه الأدوار هي مجسات إشعار وتأكيد للحكومة بأنهم مازالوا في طور القوة والفاعلية، ويجب أن يحسب لهم ألف حساب في كل الخطوات السياسية التي تجري في البلاد. كما أنهم يؤكدون أن مصير العملية السياسية والبلاد عموما هي بأيديهم وليس بأيدي غيرهم. لذا نجد أن رئيس الوزراء يقف عاجزا تماما عن القيام بشيء يوقف هذه الجماعات، ما يعطي رسالة واضحة إلى كل المواطنين بأن الحكومة لا تحكم، وأن أمن الجميع غير مضمون تماما، وأن من يُخطف أو يُقتل لا يمكن أن تعرف السلطات مصيره، وهذا يعني انسحابا تاما وكارثيا من الدور والواجب والوظيفة المنوطة بالدولة، وتسليما بأن أدوات السلطة الحقيقية ليست بيدها، وأن الهياكل الرسمية لأدوات قوة السلطة الظاهرة للعيان من جيش وشرطة وأمن وسيطرات، هي في حالة اضطراب وظيفي وازدواجية الولاء بين الجهة الحكومية التي تمنح الأجور، والجهة الميليشياوية التي تملك السلطة الفعلية في البلاد، وكل هذه المظاهر تؤدي بالضرورة إلى اضمحلال القوة النظامية للدولة، مقابل انفتاح وتوسع شرايين الجماعات المسلحة حتى تصبح المغذي الرئيسي في كل مفاصل الدولة والمجتمع.
باحث سياسي عراقي

حاكمية الجماعات المسلحة وهامشية السلطات الحاكمة في العراق

د. مثنى عبدالله

مقالات سابقة