مصر في مواجهة البرادعي: الوجه القبيح لوطن الخوف

عبير ياسين

Jan-10

في حديثه الشهير في الجلسة الحوارية الأولى لمؤتمر الشباب الذي عقد في شرم الشيخ في ديسمبر 2016، والذي قال فيه «ينفع التعليم في أيه مع وطن ضايع» قال الرئيس عبد الفتاح السيسي عن تصوره للإنسان المطلوب والقادر على حماية الوطن في حضور أو غياب المؤامرات، «من الممكن (ان) يكون عدم وعينا هو المؤامرة». 
كانت تلك المقولة أول ما طرح نفسه على هامش التسريبات التي أذيعت للدكتور محمد البرادعي، نائب رئيس الجمهورية الأسبق، والرئيس الأسبق لوكالة الطاقة الذرية، ضمن حملة إعلامية استهدفته فور الإعلان عن توقيت إذاعة الحلقة الأولى من سلسلة من اللقاءات التي تمت مع برنامج «وفي رواية أخرى» المذاع على شاشة التلفزيون العربي، الذي يُعَد اللقاء الأول بعد استقالته من منصب نائب الرئيس، اعتراضا على فض اعتصامي رابعة والنهضة بالقوة عام 2013. ولأن سلوك الحكم ومن حوله قد يتشابه مع الدب الذي قتل صاحبه، فإن التسريبات التي حرصت على أن تذاع يوم إذاعة لقاء البرادعي جاءت كاشفة عن عمق الأزمة التي تعيشها مصر. كما أكدت، على عكس المستهدف منها، على قيمة ما جاء في حديث البرادعي، سواء عن النخبة أو عن خطورة تهميش المواطن وما يتبعه من مخاطر عبر عنها بشكل واضح في إشارته لنكسة 1967 وزيارة القدس وما تبعها من اتفاقية كامب ديفيد.
بداية قد يكون من المهم التأكيد على أن ما يأتى هنا لا يخص شخصا أو لحظة، ولكنه يخص الوطن والمواطن، وأهمية احترام الدستور والقوانين وتفعيل المحاسبة والمكاشفة. ضرورة أن ندرك حدود الأزمة وأنها تتجاوز الشخص للوطن، وخصوصية شخص لخصوصية الجميع، وانها تستهدف الحرية وتزيد الأسوار التي تقيد المواطن والعمل العام ومجال معارضة النظام.
قد يرى البعض أن التسريبات، والحملة الهجومية الاستباقية، لا تمت للنظام، وأنها سلوك فردي لعدد من الإعلاميين، وهو أمر مردود عليه، سواء بشكل عام أو في تلك الواقعه تحديدا. فبداية، جاء الحشد الاستباقي الذي يتبنى فكرة أن الهجوم خير وسيلة للدفاع، في مواجهة حدث إعلامي خارجي بمثابة موجة هجوم منظمة، وتشابه مع الهجوم على فيلم «العساكر» الذي بثته قناة «الجزيرة» في نوفمبر 2016، سواء في بدء الهجوم قبل المشاهدة، أو مهاجمة الجهة/الفرد بشكل يتجاوز الحدث محل النقاش، ويتجاوز أصول الدبلوماسية بالقدر نفسه الذي تم فيه تجاوز الدستور. كما أكد على أهمية البرادعي في معادلة التطورات المصرية، وكشف حجم القلق والخوف القائم وهشاشة الاستقرار المعلن، الذي يتأثر بفيلم أو حوار، لدرجة الخروج عن قواعد الدبلوماسية وانتهاك الحقوق الشخصية الواردة في الدستور، ونشر تسريبات تخص قيادة عسكرية أثناء توليها لمنصب مهم، بما يثير العديد من التساؤلات ويحمل العديد من الرسائل التي تتجاوز اللحظة والبرادعي.
ويمكن القول إن التسريبات هدفت إلى ضرب أكثر من طائر بحجر واحد، عبر تشويه البرادعي وغيره من الاسماء التي ارتبطت بشكل أو بأخر بثورة 25 يناير، خاصة قبل ذكرى الثورة وفي ظل الأزمات الداخلية التي تعاني منها مصر، والتي تزيد من الغضب الشعبي وتحمل أسبابا موضوعية للثورة، فاستهداف الأشخاص جزء من استهداف ومعاداة الثورة والخوف منها، مع تقديم البرادعي وغيره من الاسماء بوصفها مجموعة نفعية تستهدف المناصب وتعارض النظام القائم لأنه عقبة في سبيل وصولها للمناصب، بما يقلل مصداقية النقد. وبالتالي، استباق أي حديث عن ظروف إقالة الرئيس الأسبق محمد مرسي، خاصة فض اعتصامي رابعة والنهضة، والدم المصري الذي أسيل وقتها. إلى جانب تجديد الخطاب عن المؤامرة بوصفها أسلوب حياة وجزءا من شرعية النظام القادر – وفقا للخطاب السائد- على حماية مصر من المؤامرات التي تحاك ضدها كما فعل في 30 يونيو. 
أما الحديث عن استهداف الجيش فيقصد به أن يثير الغضب ويشكك في وطنية الشخص أو الجهة بالقدر نفسه الذي يسمح لمن يرفع راية المساس بالجيش بالحديث عن إنجاز حماية مصر من الإخوان، والتصدي للمؤامرات التي كانت والمقبلة. وكل هذا يصب في جهود استباق أي محاولة لطرح البرادعي بوصفه مرشحا رئاسيا، خاصة أن البعض يروج منذ فترة لاستمرار السيسي بوصفه رئيس الضرورة من جانب، وبسبب غياب البديل من جانب آخر. ولكن من قام بالتسريب تجاوز عن المخاطر التي تترتب على هذا السلوك، خاصة أن السكوت عن التسريبات التي تذاع من قبل شخصيات مقربة من السلطة وأجهزة الأمن يسقط مصداقية النظام وحديثه عن الأخلاق والقيم وغيرها من الأفكار الكبرى، ويؤكد عدم احترامه للدستور. وإن كان من أذاع التسجيلات اعتبرها كاشفة عن البرادعي «سليط اللسان» فإن الأداة والأسلوب أكثر خطرا مما تم الكشف عنه. 
قد يرى البعض أن التنصت نفسه حدث غير جديد، وأن نشر التسريبات تم وخصص له برنامج من قبل، ولكن هنا جزء من الخطورة التي يجب ألا نتجاوز عنها، فمن يقوم بالتنصت تجاوز سقف استخدام تلك التسجيلات خلف الأبواب المغلقة وحولها لوسيلة علنية تستهدف الجميع في اللحظة والمستقبل.  ما يحدث يتحول إلى ابتزاز سياسي عبر تشويه الخصوم بالتجسس على حياتهم الشخصية ونشرها وقتما يريد من يقوم بالتجسس، وفقا لحسابات الكرسي والمصلحة. يتحول الحدث ككل إلى اغتيال للوطن والحياة السياسة، ولسان الحال أن النظام ليست لديه حدود وأن من كشف عن حوارات مع الفريق سامي عنان نائب رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة ورئيس أركان حرب القوات المسلحة الأسبق، يمكن أن يكشف أي شيء ما دام يصب في تحقيق هدف قصير الأجل، متجاوزا عن خسارة الوطن ومصداقية القدرة على حمايته وهو لا يستطيع حماية رموزه من التسجيل لهم ونشر تسجيلاتهم. يضاف لما سبق أن نشر تلك التسريبات يثير تساؤلات يفترض أن يكون لها جواب واضح وألا يتم التجاوز عنها، وهي الجهة المسؤولة عن تسجيل تلك المكالمات أولا مخالفة للدستور، والمسؤول عن تسريبها للجهة التي أذاعتها بوصفها مجرد سلاح في لعبة السياسة التي يتم تجفيف منابعها بصورة غير مسبوقة.
في الوقت نفسه سقط من نشر تلك التسريبات في إشكالية كبرى وهي، أن الحديث عن خيانة البرادعي وإرجاعها إلى فترة ما بعد ثورة يناير عندما كانت أطراف السلطة من الجيش والمخابرات تتعامل معه بوصفه شخصية فاعلة ومؤثرة، وتدفع لقيامه بالمزيد من الأدوار، وتصل إلى حد إشراكه في النظام الذي تولى عقب الإطاحة بمرسي بمنصب نائب الرئيس المؤقت عدلي منصور، يثير تساؤلات عن سلوك تلك الجهات. كيف قبلت تلك الجهات الأمنية التحالف مع عميل وخائن؟ وكيف استخدمت وجوده في تمرير 30 يونيو؟ وكيف كان خروجه استقالة وليس محاسبة أو استبعادا من العمل العام؟ الإجابة المنطقية عن تلك التساؤلات من شأنها أن تكشف الكثير عن التخبط الذي تعاني منه تلك الجهات وأن نظرتها قصيرة للغاية لدرجة أنها تدين نفسها بنفسها، ومن شأنه أبراز تهافت جزء أساسي من خطاب نشر التسريبات.
في النهاية ينبغي التأكيد على أن احترام الخصوصية حق، وجزء من احترام الوطن لنفسه عبر احترام مواطنيه، واحترام الدستور الذي يفترض أن يكون النظام أول من يلتزم به. أن يكون الوطن علاقة حب وليس علاقة خوف تؤسس على تسجيلات وتسريبات، وأن يكون الإعلام وسيلة رقابة يحاسب السلطة ولا يتجسس على حياة المواطنين. وللمواطن يفترض إدانة التسريبات لأن القضية لا تتوقف عند الثور الأبيض كما نرى. الوطن المكبل والحرية المسلوبة تضر ولا تنفع، والمشي داخل الحيط كما يقال في مصر لم ينقذ مجدي مكين ولم يحمه من التعذيب والموت، وغياب المحاسبة لا يمنع الفساد، وغياب الشفافية تجعل كل الأشياء قابلة للبيع. النكسة ليست 1967 فقط، وليست هزيمة عسكرية فقط، النكسة هزيمة ذاتية تستند إلى القمع وغياب الحرية وأسباب أخرى وتجد جذورها في اللحظة التي نتجاوز فيها عن الشر الذي يمارس ضد الحقوق والحريات والكرامة ما دامت تخص غيرنا.
على من يفرح بمسلسل التسريبات أن يتذكر الوطن والحرية والقيود التي تكبل المشهد أكثر وأكثر، وفي الخلفية يضع مقولة افلاطون: «الثمن الذي يدفعه الطيبون لقاء لا مبالاتهم بالشؤون العامة هو أن يحكمهم الاشرار». وإن كان البرادعي قد أكد في تدوينة له بعد التسريبات على أنها «إنجاز فاشي مبهر للعالم» وأن «وجه النظام الفاشي يطل من جديد»، فمن المؤكد أن وجه النظام القبيح يطل على المواطن بصور عدة منها، التنصت ونشر التسريبات وعدم المحاسبة عليها، أما عدم الوقوف أمام الشر فلا يمنعه، ولكن يسمح بتوالد صور أخرى منه. وإن كان من المهم أن نحمي الوطن فمن المهم أن نحمي الخصوصية والحرية وأن نعلي دولة القانون، ونؤكد على ضرورة احترام الدستور، وفي القلب إعمال المحاسبة والمكاشفة وألا تتحول كل الأشياء إلى مشاع لمن يدفع من أجل مكاسب قصيرة الأجل وحماية كراسي تزول ويبقى الوطن.
كاتبة مصرية

مصر في مواجهة البرادعي: الوجه القبيح لوطن الخوف

عبير ياسين

مقالات سابقة