هجوم فلوريدا وفوضى القتل الأعمى

محمد عايش

Jan-10

هجوم دموي وإرهابي مرعب في مطار أمريكي بولاية فلوريدا، سرعان ما تبين بأنَّ مرتكبه ليس من عناصر تنظيم «الدولة»، ولا «القاعدة»، ولا هو مسلم أصلاً، وإنما يأتي هذا الهجوم ضمن موجة «فوضى القتل الأعمى» التي تجتاح العالم ولا تقتصر على سوريا والعراق، وتؤكد أننا أمام أزمة عالمية صنعتها الدول الكبرى بسبب سياساتها الحمقاء.
الإرهابي الذي نفذ جريمة المطار في فلوريدا هو إيستبان سانتياغو، وهو مقاتل سابق في العراق ضمن صفوف الجيش الأمريكي، ويبلغ من العمر اليوم 26 عاماً، أي أنه كان بين الـ18 والـ20 من العمر عندما كان يحمل سلاحه ويحارب في شوارع البلد الذي احتله الأمريكيون ودمروه، أما عندما عبر جيش بلاده أول مرة نحو بغداد في أبريل 2003 فكان سانتياغو طفلا يُشاهد ما يجري عبر شاشات التلفزيون.
المقاتل سانتياغو عاد من العراق يعاني من مرض نفسي انتهى به لارتكاب مجزرة ضد أبرياء مسافرين في مطار أمريكي، لا علاقة لهم لا بالجيش الذي احتل العراق، ولا بالميليشيا التي ظهرت على أنقاض ذلك الاحتلال، تريد تدمير العالم باسم تنظيم «الدولة»، كما أن التقارير تتحدث عن أن سانتياغو زار مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) وأبلغهم بأن فيديوهات «داعش» تلاحقه في صحوه ومنامه وتطالبه بارتكاب مجزرة، لكن المكتب تجاهل تلك الزيارة، واعتبر أن الشاب مجرد «مريض نفسي».
سانتياغو ليس سوى واحد من جيل الإرهابيين الذين صنعتهم السياسات الأمريكية الغبية في العالم، كما أن تنظيم «الدولة» ليس سوى نتاج لتدمير الدولة العراقية التي لم يتمكن الأمريكيون بعد نسفها من تشييد أي مشروع سياسي فيها، ولم يتمكنوا من نشر الحرية والسلام فيها، كما كانوا يزعمون، وسلموها لقوى عبثية تتقاسمها اليوم على أسس طائفية وعرقية متباينة.
أعمال الإرهاب لا دين لها ولا مذهب وليس صحيحاً أنها حكرٌ على المسلمين، فهذا جندي أمريكي لا علاقة له بالإسلام يرتكب جريمة إرهابية مطابقة تماماً للمواصفات والمعايير الداعشية، ولا فرق بين الجندي الذي يُطلق نيران القتل الأعمى على مسافرين بانتظار حقائبهم، وبين شاب يائس يركب شاحنته ليقتل المتسوقين في برلين عشية عيد الميلاد، وبين ثالث يُفجر نفسه في سوق شعبي يكتظ بالفقراء الكادحين وسط بغداد، لمجرد علمه بأنهم من أبناء الطائفة الشيعية.. كل هؤلاء القَتَلة ليسوا مرضى نفسيين تركتهم دبابات الاحتلال الأمريكي في حالة أقرب الى الجنون.
الولايات المتحدة قامت بتدمير العراق ثم تركته يغرق ثم هربت بقواتها بعد أن فشل مشروعها السياسي، ثم فشلت أيضاً في إنقاذ الشعب السوري لتتركه بعد ذلك فريسة لروسيا التي جعلت منه مختبراً لتجربة أحدث ابتكاراتها من الأسلحة، بل بلغ الأمر الى درجة أن مسؤولاً عسكرياً غربياً يقول لجريدة «التايمز» البريطانية إن روسيا جرَّبت في سوريا حتى الآن أكثر من 100 نوع من الأسلحة الجديدة التي تستخدمها موسكو لأول مرة.
مع تدمير سوريا والعراق والانحياز الأمريكي الكامل لاسرائيل ضد الفلسطينيين، ودعم الثورات المضادة في مواجهة الثورات الشعبية الهادفة إلى تحقيق شيء من الحرية والكرامة، مع ذلك كله فاننا أمام قطاع عريض من اليائسين والمُحبطين والمرضى النفسيين، الذين بوجودهم تتغذى منظومة الفوضى والقتل الأعمى في العالم بأكمله، وليس فقط في منطقة الشرق الأوسط، ولا يعلم أحد الى أين ستقود العالم هذه الموجة من الدم.
كاتب فلسطيني

هجوم فلوريدا وفوضى القتل الأعمى

محمد عايش