الردع الذي لم ينجح

في ظل وجود قيادات متصارعة يدرك الجمهور الفلسطيني أن الانتفاضة لا بد منها

عميره هاس

Jan-10

لو كان فادي القمبر قد خطط مسبقاً لعملية الدهس في القدس، أو كان هذا قراراً آنياً ـ فقد عرف بشكل جيد ما هي خطوات العقاب الجماعي التي تنتظر عائلته. وعرف أن جثته لم تسلم للعائلة من أجل دفنها، الامر الذي يعتبر خطوة مهينة ومؤلمة إلى درجة كبيرة. وهو يعرف أن أقاربه سيعتقلون على الفور وسيتم ضربهم اثناء الاعتقال، وأنه سيتم طرد البعض منهم من عملهم في غربي المدينة، وأن أبناء بنات عائلته اللواتي لا يحملن بطاقات الهوية المقدسية وهن متزوجات من أبناء المدينة، سيجدن أنفسهن مطرودات وبعيدات عن أولادهن، وأن عائلته ستصبح هدفاً لازعاج الشرطة والسلطات لاشهر وسنوات. فكل ذلك حدث مع عائلات منفذي العمليات الذين سبقوه في شرقي القدس. ومن الواضح أنه سيتم هدم بيت العائلة.
في جبل المكبر فقط، حيث يعيش منفذ العملية، هدمت اسرائيل خلال نصف سنة (من تموز 2015 حتى كانون الثاني 2016) ثلاثة منازل وأغلقت منزلين. وجميعها تعود لعائلات نفذ أبناؤها عمليات. الاغلاق يعني ضخ الاسمنت إلى داخل البيت وملأه حتى السقف. ومن المعلومات التي ينشرها مركز الدفاع عن الفرد، فانه من تموز 2014 حتى نهاية كانون الاول 2016 هدمت اسرائيل 35 منزلاً واغلقت 7 منازل لفلسطينيين (منها 6 منازل هدمت في القدس و4 أغلقت). إن حقيقة أن الوالدين والأبناء والأجداد وأبناء الاخوة وبنات الإخوة الذين فقدوا مسكنهم، لم يكن لهم أي دور في هذا العمل، لم تُفدهم في شيء. اسرائيل وقضاة المحكمة العليا للاستئناف يعتبرون أن الهدم هو خطوة عقابية ردعية وشرعية وناجعة ضد من ينفذون العمليات. الشيء المؤكد هو أن فادي القمبر لم يرتدع. اضافة إلى ذلك: في حي مكتظ إلى هذا الحد، يتكون من بضع عائلات كبيرة، هو يعرف بالتأكيد أن أولاده سيعانون، ليس فقط من فقدان الأب، بل سيصبحون عنيفين أو منغلقين على أنفسهم. واذا كانوا في المدارس سيتراجع تعليمهم. وايضا سلامتهم الصحية ستتضرر.
لقد وجد المحللون والسياسيون الاسرائيليون تفسيراً لفشل الردع في حالة القمبر: داعش، أسير سابق (هذا ادعاء كاذب كما يبدو لحماس، واسرائيل سارعت إلى تبني ذلك)، تحريض السلطة الفلسطينية حول موضوع نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، كالعادة، حيث تبحث هذه التفسيرات عن قطعة النقد تحت الضوء وليس في المكان الذي توجد فيه بالفعل.
عدد من الجنود والمجندات بالزي الرسمي ليسوا مشهداً محايداً لأي فلسطيني، وليس فقط للقمبر. هكذا يبدو ويلبس اولئك الذين يقتحمون في كل ليلة عشرات المنازل الفلسطينية، وكذلك من أطلقوا النار على عشرات النساء والبنات الصغار في الحواجز. أو من تم ارسالهم لقصف غزة أو من يرافقون الادارة المدنية من اجل هدم آبار المياه والحمامات المتحركة والخيام. واذا شطب الاسرائيليون هذه الحقائق من برنامج عملهم اليومي، فهذا لا يعني أنها غير موجودة.
في اسرائيل سيقولون إنه لولا الردع لكان عدد العمليات الفلسطينية أكبر، أو العكس: يجب التشديد على الردع. الفلسطينيون يعتبرون أن انتقام اسرائيل هو جزء طبيعي من السياسة العامة ضدهم وليس رداً على العملية. وعندما لا تقوم اسرائيل بالهدم كعقاب، فهي تهدم لأنها تريد البناء والتطوير. وهي تعتقل الاولاد من اجل خنق النضال الشعبي. ومع أو بدون حدوث العمليات هي تقوم بتوسيع المستوطنات. وتخنق الاقتصاد. وتخطط لاقتلاع الفلسطينيين من القرى والبيوت في القدس.
انتفاضة الافراد غير المنظمة لا يمكنها «التحليق» والتحول إلى انتفاضة شاملة. ولا يجدر البحث عن سبب ذلك في قدرة اسرائيل على الردع والايلام أكثر فأكثر. وبقدر ما تحاول حماس تصوير العملية كبرهان على أن «انتفاضة القدس» لم تمت، من الواضح أن الجمهور بغالبيته لا يريد ذلك. في ظل الانقسام الجغرافي والاجتماعي. وفي ظل وجود قيادات ضعيفة ومتصارعة فيما بينها، فان الجمهور الفلسطيني يدرك أن الانتفاضة هي شيء لا بد منه، لكن يجب انتظار الوقت المناسب.

هآرتس ـ 9/1/2017

 الردع الذي لم ينجح
في ظل وجود قيادات متصارعة يدرك الجمهور الفلسطيني أن الانتفاضة لا بد منها
عميره هاس