قدس الدم والدموع

الاحتلال الذي حول إسرائيل إلى دولة سيئة السمعة في أرجاء العالم بينما دم أبنائها يُسفك على مذبح المستوطنات

عودة بشارات

Jan-10

العنوان كان على الحائط، وزير الدفاع السابق موشيه آرينز، رجل اليمين المعروف، كتب عن الوضع غير المحتمل في شعفاط شرق القدس. وقد وصف آرينز وضعاً كان واضحاً أن كل من له عقل لا يقترب منه. في شعفاط وأحياء المدينة الاخرى مثل جبل المكبر يعيش آلاف الفلسطينيين بدون حقوق اساسية ويتعرضون للاساءة من السلطات، وكذلك «المسيحانيون» اليهود الذين يعيشون في ساحات بيوتهم ويتقاسمون معهم الغرف. ولم يسبق أن كانت القدس موحدة: العرب هناك مكروهون ومعزولون.
هذا الوضع ليس جديداً. في اليوم الدموي أنا أتذكر الشاعرة نعومي شيمر التي كتبت قبل «تحرير» القدس الشرقية بقليل قصيدة «قدس الذهب». وقد وصفت شيمر شرقي القدس كمكان فارغ بدون سكان، «آبار المياه جفت/ ميدان السوق فارغ». وكان العرب بالنسبة لها شخصيات شفافة. وبالنسبة لها فان اليهود هم فقط البشر. بهذا القول الحاسم ردت شيمر على منتقديها. «العالم الذي ليس فيه يهود هو بالنسبة لي كوكب ميت. وأرض اسرائيل الفارغة من اليهود هي بالنسبة لي ارض قفراء فارغة».
لقد تحولت قصيدة شيمر منذ ذلك الحين إلى نشيد وطني تقريباً، خصوصاً بعد احتلال القدس، المدينة المسماة «قدس الذهب». ومنذئذ والمدينة تنزف وتأخذ ثمناً باهظاً من أبنائها اليهود والعرب معاً. القدس الآن هي مدينة الدم والدموع.
حدثت أمس عملية قاسية نفذها أحد سكان شرقي القدس. أربعة تلاميذ عسكريين يهود فقدوا حياتهم. ودُمرت حياة أربع عائلات يهودية. وهذه العائلات ستنضم إلى آلاف العائلات الاسرائيلية والفلسطينية. دفورا النبية كانت تقصد الأم في كل عائلة من هذه العائلات: «خلف النافذة تقف الأم وتبكي، لماذا لم تأت سيارته، لماذا تأخرت صافرة السيارة». دفورا النبية التي تغلب جنودها على جيش يفين، الملك الكنعاني، تضامنت مع أم سيسرا الذي كان خصمها المر. الأم هي أم في كل مكان وكل زمان.
يصعب الحديث عندما يموت الناس. ولكن في هذه الايام بالذات نسمع تصريحات المنفعلين في كل مكان. وبدل الاعتراف بالسياسة الخاطئة التي تخلد دائرة العداء والدم والدموع، يبثون المزيد والمزيد من الكراهية.
الآن بالذات يجب على جميع قوى السلام الخروج وتوجيه إصبع الاتهام إلى اولئك الذين يستمرون، خلافاً لما يطلبه العالم، في الاحتلال منذ خمسين سنة. الاحتلال الذي حول اسرائيل إلى دولة سيئة السمعة في أرجاء العالم، ودم أبناءها يُسفك على مذبح المستوطنات ويعزز قوة الحركات المتطرفة والاصولية في الشارع الفلسطيني. هذه الحركات التي تعمل ايضا ضد مصالح الشعب الفلسطيني.
كان عمري تسع سنوات عندما تم احتلال القدس. والصورة التي نقشت في ذاكرتي كانت صورة مدينة بائسة، سكانها منغلقون داخل البيوت والنوافذ كانت مغلقة، وفي الخلفية كلمات فيروز: «مريت في الشوارع/ شوارع القدس العتيقة/ قدام الدكاكين التي بقيت من فلسطين/ حكينا سوى الخبرية/ أعطوني مزهرية/ من الناس الباقين»….
قريباً سيكون مر خمسون عاماً، وما يزال سكان القدس العرب منغلقين في بيوتهم، لا سيما اثناء الاوقات الحرجة وهم ينتظرون زوال الغضب. ألا توجد نهاية لليل القدس؟ فلتكن سلة قمامة من صفيح وليست من ذهب. ولكن ليتحرر أبناؤها العرب واليهود.

هآرتس ـ 9/1/2017

قدس الدم والدموع
الاحتلال الذي حول إسرائيل إلى دولة سيئة السمعة في أرجاء العالم بينما دم أبنائها يُسفك على مذبح المستوطنات
عودة بشارات