«سيجارغيت»… ليس على السيجار وحده

محبة رؤساء وزراء إسرائيل للسيجار شائعة وخصوصاً بين أثريائها

ناحوم برنياع

Jan-09

اعتراف: أنا أعرف أرنون ميلتشن. تعلمنا معاً في الصف ذاته في المدرسة الابتدائية، قبل أكثر من نصف قرن. وسكنا في الشارع ذاته. وقد أجاد لعب كرة القدم، كان محبوباً من البنات ومصاباً بقصر النظر. ومثلما هو متوقع في هذا العمر، كانت سيارة أبيه تثير إعجابي أكثر منه.
بعد عشرات السنين عاد وظهر في حياتي مجدداً. إيهود باراك كان رئيس وزراء وشمعون بيرس وزيراً في حكومته او العكس. باراك تنازع مع بيريز، وميلتشن قرر أنه ملزم بان يساعد. فقد كان يهاتف مرة كل بضعة ايام من لوس انجليس يسأل ماذا يجري. فقد كان قلقاً جدًا من الشقاق وكان مصمماً على التوسط فيه. لم أفهم ما الذي لملياردير من هوليوود، مخرج سينمائي، والخلافات الصغيرة بين سياسيين في اسرائيل.
بعد زمن ما علمت بان ميلتشن هو صديق قريب لرؤساء الوزراء: هذه هي روايته. هو صديق قريب للجميع ـ بيريز، باراك، نتنياهو، شارون، اولمرت، اولئك الذين كانوا واولئك الذين سيكونون. كانت أزمات دولة اسرائيل ذات مرة تربط بين رؤسائها؛ أما الان فيربط بينهم أرنون ميلتشن.
فرحت أنه وجد لنفسه هواية لطيفة، مجدية وفرحت أنه وجد من يحرص على المصالحة بين زعمائنا.
ومثلما يثبت فيلم ميلتشن الأكثر نجاعة «امرأة جميلة»، فكل أزمة يمكنها أن تنتهي بنهاية طيبة، وكل شقاق بعرس. كل ما نحتاجه هو الوصول بالليموزين في الوقت المناسب. أو الوصول مع علبة السيجار. لم أفهم أبدًا ماذا يجدون في السيجار. فالدخان المتصاعد منه خانق؛ والرائحة تبعث على القيء. قبل أن يشعل السيجار يكون لزاماً اغلاق الابواب والنوافذ، خوفاً من أن يوثقه أحد ما في لحظة الفعل. من بين كل الخطايا التي في العالم، هذه خطيئة فقط بررت عندهم التخفي والسرية.
ان الشائعة عن محبة رؤساء وزراء اسرائيل للسيجار ذائعة في العالم ـ ولا سيما في الدائرة العليا للأثرياء اليهود. وقد درج المطلعون منهم على الوصول إلى اللقاء مع رئيس الوزراء وهم مزودون بعلبة سيجار.
أحياناً كانوا يدخنون الهدية في المكان، مع المضيف؛ واحيانا كانوا يتركونها خلفهم، لاستخدام مستقبلي. ميلتشن، كما بلغت الصحف في نهاية الاسبوع، اصبح في عصر نتنياهو مورداً دائماً. وفي خط التوريد الذي اقامه كانت اضافة إلى علب السيجار أيضاً زجاجات الشمبانيا الوردية (!) وغيرها. والمبلغ المتراكم في 7 ـ 8 سنوات وصل، كما زعم، إلى مئات الاف الشواكل (هذه الارقام فاجأتني: لم اعرف ان ميلتشن سخي بهذا القدر).
انا واثق ان نتنياهو لم يتصور بان ثمة في ذلك أي شائبة، قانونية أو أخلاقية في الهدايا التي تلقاها. فالسيجار هو هدية بالية: يدخن، و«هوب»… راحت الهدية. مثلما كالورود التي تذبل، او الشوكولاته التي تذوم في الفم، او الشمبانيا (الوردية). الهدايا البالية لا يمكنها أن تشهد ضد متلقيها، لأنها تبلى. يخيل لي ان هذا هو موقف أغلبية الجمهور.
السيجار والخمر الغازي ينتميان إلى جناح الاستمتاع، وليس إلى الجناح الجنائي. نتنياهو وعائلته يحبون الهدايا، مدمنون على الهدايا. الكل يعرف هذا، ومعظم الناس سلموا به. المبلغ المتراكم ينبغي أن يثير القلق. وعلى الرغم من ذلك يخيل في هذه اللحظة أن مصير سيجارغيت سيكون كمصير بيبي تورز: ليس على هذه الامور ينحى رئيس وزراء.
ولكن بقدر ما تنكشف مواضيع التحقيقات يكون من الاصعب تناولها كأمر يستهان به. رفيف دروكر (القناة 10) نشر ليل السبت نبأ يقول ان نتنياهو توجه في 2014 ثلاث مرات إلى وزير الخارجية الأمريكي جون كيري بطلب لمنح ميلتشن تأشيرة عمل في أمريكا لعشر سنوات. وحتى لو لم يربط نتنياهو بين الامور ـ فهو يؤمن بعلاقات أعطوا فيأخذون فقط حين يدور الحديث عن الآخرين ـ نشأت هنا ظاهرا علاقة بين الهدية والمقابل.
وكانت أيضا امور اخرى، لا تزال تفحص.
يسير المستشار القانوني للحكومة، افيحاي مندلبليت في هذه القضية على حبل رفيع. فالبيان الذي أصدره بعد التحقيق الاولي كان، في اساسه، تغطية «قفى». ولم يكن هناك بيان ثانٍ. حتى اليوم لا يعرف الجمهور على ماذا يحقق مع رئيس الوزراء. ويعظم الفضول الصحافي أهمية ملف التحقيق الثاني، مجهول المضمون. والان، حين يعرف نتنياهو ومحاميه بمَ يشتبه به، لا سبب لإخفاء الشبهات عن الجمهور.
يسير مندلبليت على حبل رفيع لأنه وصل إلى منصبه من داخل مكتب نتنياهو. ثمة منطق لا بأس به في ما قاله أمس عوزي أراد، المقرب السابق. من جلس إلى جانب نتنياهو، قال، لا يمكنه أن يقرر بعد ذلك في مصيره. لا يوجد هنا موضوع رسمي فقط. من هذا المكتب خرج نوعان من الاشخاص ـ اولئك الذين يسجون لنتنياهو واولئك الذين لا يصدقون أي كلمة له. هؤلاء وأولئك مرفوضون للقرار. فتضارب المصالح يبدأ بالتالي، من مندلبليت.
اذا قرر اغلاق الملفات فانه سيحتاج لكل ذرة ثقة كي يقنع الجمهور الشكاك بانه يفعل ذلك لاعتبارات مهنية، دون اعتبارات غريبة؛ فما بالك إذا قرر التوجه إلى لوائح اتهام: ستكون هنا هزة أرضية سياسية، وسيتعين عليه أن يقنع الجمهور بانه لم يفعل ذلك فقط كي ينظف نفسه من الاشتباه. هذه الحملة الناقصة يبدأها وهو مدين.

يديعوت ـ 8/1/2017

«سيجارغيت»… ليس على السيجار وحده
محبة رؤساء وزراء إسرائيل للسيجار شائعة وخصوصاً بين أثريائها
ناحوم برنياع