محمد القيسي: الشاعر التّْرُوبَادُورْ وصَنَّاجَةُ الشعر الفلسطيني

محمد بودويك

Jan-07

«آه قامرتُ ببيتي/ ليس بالفضة قامرت/ وقامرت بخمسين سنة/ ثم قامرت بقبر/ وحده في الليل/ لا جار له، أو سَوْسَنة/ هكذا آويت وحدي/ آخر الأمر إلى/ عتمة روحي المثخنة». يكون هذا النص هو آخر ما كتب ـ ربما ـ الشاعر الفلسطيني محمد القيسي، قبل أن يسلم الروح، ويحط إلى الأبد عصا الترحال، ويضع حقيبته الجلدية المتعبة جانبا لتستريح. وفي النص أعلاه ما فيه من حرقة وجودية، وغربة روحية، ولوعة نفسية، وارتهان خاسر إلى قدر معلق، ووعد بالعودة لم يحن ولمَّا يجيء، وانتظار مُمِضّ لِلَّذي يأتي ولا يأتي.
عرفت القيسي، وجالسته ليالي بأماسيها ونهاراتها في فاس أواخر العقد التسعيني من القرن العشرين. وكانت المناسبة تنظيم أول لقاء للشعراء العرب بحاضرة الأدارسة حيث التأم جَمْعُ بَهِيُّ، وتلاقت كوكبة رفيعة من المبدعات والمبدعين صائغي الجمال، وصانعي الوطن الاستعاري البديع بديلا من الوطن الواقعي الكئيب، الجارح والمحبط إلى مَدَيَاتٍ بعيدة.
حين قدَّمْت القيسي شاعرا من طراز خاص، وكعب عال في الغنائية الشعرية العذبة، ومؤسطرا لامرأة استثنائية تُدْعَى حَمْدة والتي لم تكن سوى أمه التي رفعها إلى سدة الرمز ومَاهَهَا بفلسطين على أكثر من مستوى، وفي أكثر من مفصل من تجربته الغنية الثرية والمديدة، حين قدمته بمعية ثلة من شاعرات وشعراء عرب بقاعة المؤتمرات بفاس، كنت أنْسُج معه ـ من دون قصد ـ بُرْدَة المحبة الشعرية التي خلعتها عليه كما خلعها علي، وكنت أمد اليد إلى يد رجل دَمِث، خلوق، كبير، صامت مُفْتَرٍّ عن ابتسامة لا تفارقه، وجاذبية تُسامِتُه أكثر الوقت فيها إشراق الفضة والسوسن، والجرح الفلسطيني المكابر.
لتلك الأيام الشعرية والجنونية رائحتها، وأصحابها الأُلَى رصَّعُوا بالبهجة مقاهي وحارات وحواري فاس القديمة، وبالحماقات اللذيذة، لياليها التي غاصت عميقا في الدم الفلسطيني المسفوح، وفي الأماكن، والبلدات الكنعانية المقتلعة، وفي الأرض السماوية المستباحة، وفي أصحاب الحق المشردين والمشتتين في الجهات، وفي البلدان ذات الأنظمة العربية المتفرجة والمتواطئة.
صادقت نقادا وشعراء معدودين، إذ احتفلنا بالصداقة إياها بما تتطلب من تجسير للعلاقة، وتعضيد للآصرة الأدبية والشعرية، واقتسام الوجدان العام، الوجدان العربي الواحد المتصدع، والمثلوم في جملة من جوارحه وأعضائه فأنا أذكر من بين ما أذكر الشاعرين المتميزين الأردني والفلسطيني أمجد ناصر وغسان زقطان، فضلا عن العزيز الراحل القيسي.
انفض القوم، وارتحل الركب، وعاد كل واحد منا إلى مضاربه، وقومه وجِيرَتِه، وهمومه وانهماماته ويومياته الكابية. غير أنني آليت على نفسي كما وعدت القيسي، أن أقرأه، وأغوص إلى بواطن وأعماق متنه الشعري، أيْ ما شَكَّلَ منه شاعرا متميزا وسط شعراء كبار يتقدمهم محمود درويش، وسميح القاسم وعز الدين المناصرة ومريد البرغوثي، إذْ طرحت السؤال المؤرق على نفسي: ماذا يمكن أن يضيف القيسي إلى حصيلة الشعرية الفلسطينية وقد استوت على سُوقها، وصار لها رواد نافذون، وأصوات هم الشعر عينه مؤتلقا متوهجا محتضنا الجدة والجديد، والاجتراحات التصويرية البديعة المبتدعة، ما رفع قدر الشعرية إياها، وَصَيَّرَها أنموذجا يحتذى، ومثالا في الصوغ اللغوي، والتركيب، والمخيال، والبناء الاستعاري، والأبعاد الغنائية والدرامية، بعد أن كانت تتقفى شعرية الشوام والعراقيين، والمصريين؟

عشق الحياة

وقد سهل مأمورية الانكباب على شعر القيسي، وجود أعماله الشعرية بين يدي، وهكذا رُحْت أقرأ كتابه الشعري بنهم، وأمسح بشغف ما تطالعه عيناي من أول أعماله الشعرية: «راية في الريح» مرورا بـ«الحداد يليق بحيفا»، و«إناء لأزهار سارة، زعتر لأيامها»، و«اشتعالات عبد الله وأيامه»، و«الوقوف في جرش» الخ، وصولاً إلى عمله الشعري الأخير «مُنْمنمات أليسا».
ولعل ما استوقفني في هذه التجربة الشعرية الثرة المجنحة ذات الجرس الغنائي العذب، والبعد التطريبي الساحر، نجاح الشاعر الباهر في تركيبه المزجي العميق بين جرح الأنا وجرح الوطن، علما أن هذا الجرح النازف يتحول على يديه إلى عشق لا مُتَنَاهٍ للحياة، إلى إقبال جنوني على العَبِّ من لذائذها على رغم الطرد والفقد، وسقوط أفراد عائلته المنكوبة كما عوائل فلسطين جميعها، في اليتم، والمذلة المفروضة، والموت.
صحيح أن الاحتفال بالحياة في عز النكبة والطرد الممنهج والموت المتربص، ينطوي على مرارة غائرة لا ننفذ إليها إلا بعد تأمل وتقليب، وإصاخة لدبيب الجرح المتواري، كما ينطوي من جهة أخرى، على قلق وجودي، وخوف من غد مغبش موحل، لا طريق بَيِّنة تُفْضِي إليه. لكن القيسي حذق اللعبة الفنية، وتحايل على مكر التاريخ الصهيوني المصطنع بمكر اللغة أولا إذْ وَشَّحها زخرفا وأملا مفتوح العينين، وغناء، وبمكر التاريخ ثانيا حيث جَابَهَ، مؤيدا بالوثائق، والحجج والميراث، الخرافةَ الصهيونيةَ المصنوعةَ والمنتسجة في الدوائر الإمبريالية، بالحقيقة الكنعانية، وفي ذلك ما فيه من حجية مكتوبة ومروية في الأقل، ومن حق الإقامة في التاريخ ضدا على المحو، ومواصلة الحضور في فلسطين المسروقة على رغم الغياب الجسدي.
لقد قال القيسي ذلك وغيره بالشعر وبالنثر، وبالكَرْع من حياض الماضي، والنهل من كتاب الشَّعْب، مستلهما أغانيه وأمثاله ورقصه، ولباسه، وأعراسه، وبياراته، وحاكوراته، وهندسة حدائقه، وطلاء دوره ومنازله، وغدائه وشرابه، وطقوسه أيضا. أي أنه اتكأ على الأنثروبولوجيا في كتابة تغريبه الفلسطينيين، وكتابة سِيَرهم كما سيرته: سيرة الطرد من المكان، وسيرة المكان. ونعلم أن فعل الكتابة ـ بحسبان اشتراطات تاريخية معينة ـ هو فعل مقاومة يتصدى للمحو، والتشطيب، والتجريف، وينخرط في تجذير التاريخ، والتذكير بمراحله وأطواره. كما هو فعل انشداد وارتباط بالأرض وعناصرها، وبالإنسان في ضعفه وقوته، وسموه الخارق على عذاباته، وجراحه.
وفي هذا ما يجعلنا نقول إن تجربة القيسي الشعرية، إضافة حقيقية لغوية وجمالية، ونفسية، واجتماعية وتاريخية، إلى مدونة الشعر الفلسطيني، وبالتداعي: إلى مدونة شعر المقاومة في العالم.
ومن ثَمَّ، يمكن القول إن محمد القيسي نجح في أن يجعل من شعره شعرا مقاوما بالمعنى الذي يفيد أنه حقق له وفيه، اللغة العليا المطلوبة، وصور به تاريخا مشهودا في التمزيق والتزييف، والتشريد، والنياحة السوداء، والاقتلاع الظالم. وهو ما أضفى على التجربة الشعرية، بإجمال، مَسْحَة من الحزن الشفيف، بل منسوبا معتبرا من الندب والسيولة السردية التي تُبَنَيِنُ الحال الفلسطينية فيما هي تُشَعْرِنُ مفاصلها، وتُرَوْنِقُ مطاويها، وتُطَوِّبُ بالاستعارة الماتعة المحبوكة، أمكنةً وأفضية تتجاذبها الحقيقة والمجاز، والواقع والخيال في آن.
ثم كانت وسيلة الشاعر وأداته الفنية إلى توصيل رؤيته ورؤياه، وذوب روحه، ونبض مسيره ومساره، السهولةَ الساحرةَ، والتصوير البارع لجراح الذات والوطن، ووفاءه، في جُلِّ ما كتب من شعر، إلى اختياره الشكل التفعيلي نمطا كتابيا إيقاعيا وسط جوقة واسعة من كتاب وشعراء قصيدة النثر. ولربما أن الحفاظ على هذا الشكل الشعري هو ما أكسب شعر القيسي، وثلة من شعراء فلسطين وباقي الأقطار العربية، صفو اللغة، والإيقاعية التي أشاعت الغنائية في أعطاف النصوص، الغنائية في مفهومها البلاغي والأسلوبي الواسع، لا في مفهومها التطريبي والترقيصي.

ورطة الاستسهال

ولئن سقطت بعض نصوص شاعرنا في ورطة الاستسهال، والميوعة اللغوية أحيانا، فما ذلك إلا لأن القيسي كان مكثارا، حتى لكأنه كان في سباق مع الموت، ما جعله يُقْبلُ على الكتابة والحياة بنهم لا ضفاف له هو الذي عاش الجوع والفقر واليتم، والحرمان.
وَعَوْد على بَدْء، أستذكر ما قلته في فاس، من أن كتابات القيسي عن أمه الخالدة «حمدة» تعتبر آية في الإبداع، والوفاء، وآية في القص والحكي، واستعادة زمنية طفولية لاهثاً خلف أمه العظيمة التي عاركت الزمن والمحن والعذاب، وتعالت رائعة رقيقة وجبارة في آن، من أجل ابنها الوحيد محمد، وبناتها اللواتي عرفن الموت مبكرا من إملاق وقلة ذات اليد، ومرض.
وهكذا يكون كتاب «الابن» وكتاب «حمدة» كما يؤسطرها الراحل الكبير أعذب وأقسى وأمضى على النفس، وألسع كتابة كتبها شاعر، بَلْهَ كاتب ومبدع في عصرنا في حدود علمي، وهي مكرمة أدبية عالية القدر، رفيعة المقام، تحسب للقيسي الذي جعل من أدبه، شعره ونثره، أدبا سِيَريا، سائرا، باقيا على الأيام، يعزف في سمعها شتات الجموع، وملحمة النساء والأطفال، والرجال، واصلا حَفْرَهُ في الوجدان، وإقامته التي لا تبرح شغاف القلب، والعقل والإدراك.

محمد القيسي: الشاعر التّْرُوبَادُورْ وصَنَّاجَةُ الشعر الفلسطيني

محمد بودويك