في بحث مشترك بين كاتب مشرقي وكاتبة مغربية: البلاغة العربية القديمة في أطر الدراسات الحديثة

صفاء ذياب

Jan-07

في كتابهما المشترك «البلاغة العربية.. من التخييل إلى القراءة والتلقي» قدَّم الأستاذان العراقي الدكتور فاضل عبود التميمي، والمغربية الدكتورة بشرى عبد المجيد تاكفراست، جهداً مغايراً في فهم البلاغة العربية الجديدة من خلال قراءتهما لها قراءة معاصرة، وفق المصطلحات التي عرفت في القرن الماضي.
الكتاب الذي صدر عن دار مجدلاوي في الأردن، قدَّمه التميمي، في حين كتبت خاتمته تاكفراست. فالتميمي يشير في تقديمه إلى أن هذا الكتاب يمثل في مبناه، ومعناه وجهاً من التقارب العلمي الأكاديمي بين أستاذين تكاد عنايتهما المعرفية تتطابق في اشتغالها البلاغي والنقدي على الرغم من بعد المسافة الفاصلة بين وطنيهما: العراق والمغرب، وليس الحديث عن بعد المسافات، مهما بعدت قاب قوسين أو أدنى مما نتصور في ظل وجود صار يفرض سلطة السرعة على الجميع.
مضيفاً: وإذا كان عنوان الكتاب واضحاً، ومحدداً، ومعيناً، فلأنه استمد سماته من متن الفصول التي قرأت المنجز البلاغي القديم من خلال مصطلحات، والأسلوب، والتخيل، والقراءة والتلقي، فضلاً عن جماليات اللغة النقدية، والمرجعيات الفلسفية التي أسهمت في نمو ظاهرة المثاقفة في البلاغة العربية قبل أن يتحدّث عنها المعاصرون.
قراءة التراث البلاغي- كما يفهم المؤلفان- تبدأ من لحظة الكشف عن مضمونه المعاصر، وشكله، وما يثيران من أسئلة تتضمن نقد الماضي، وكسر أفق التقليد، وقطع سلسلة التبعية المقيتة، وفتح نافذة الحوار مع الحاضر دون انبهار، أو تسفيه لخطاب (الآخر) الذي يهيمن بمركزياته الثقافية على قسم كبير من وعينا الحديث.
هذا الكتاب اعتمد في فصوله الثمانية منهجاً وصفياً يميل إلى التحليل الذي يتكئ على عدد من المصادر والمراجع التي أضاءت افتراضات المباحث لتكون عوناً للإجراءات التي حفل المتن بها، وكان مستقرّها الهامش لا الظنون، وقد رأى المؤلفان أن من الواجب عليهما أن يشيرا إلى الآتي من التفصيل:
رتبت فصول الكتاب على وفق معيارية هجائية احتكمت إلى الحرف الأول من عنوان كل بحث بغض النظر عن مؤلّفه. كان القاسم المشترك بين البحوث كلها صوت البلاغة العربية، فهو الخيط الناظم لعقد الكتاب الذي يتلألأ بين ماضٍ صار بيننا وبينه حاجز قائم، وحاضر تتراءى في مشاهده القراءة والتأويل.
كتبت الدكتورة بشرى تاكفراست أربعة فصول في الكتاب، وهي: الاجتهادات النقدية المفضية إلى دراسة الأسلوب في كتاب دلائل الإعجاز، والتلقي في النقد العربي القديم حازم القرطاجني أنموذجاً، وجمالية التلقي في التراث النقدي البلاغي العربي مع عبد القاهر الجرجاني، والمرجع الفلسفي في نقد الغرب الإسلامي وبلاغة حازم القرطاجني أنموذجاً.
فيما كانت بحوث الدكتور فاضل التميمي الأربعة تحت عناوين: التخيل وأثره في إبداع التشبيهات الشعرية، رؤية الصفدي مثالاً، جماليات اللغة النقدية في دلائل الإعجاز للجرجاني، الشعر من (المدنّس) إلى اكتشاف (المقدس): الباقلاني وعبد القاهر الجرجاني أنموذجاً، والقارئ الضمني في كتاب (إعجاز القرآن) للباقلاني.

المرايا المتقابلة

ومن خلال رؤية الدكتور تاكفراست، فإن المرايا المتقابلة عملت عملها في كثير من القراءات المقدمة سواءً أكانت مع تراث الباقلاني الذي يشحنك بالحماس والاسترشاد به، أم تراث عبد القاهر الجرجاني الذي يعد أبرز متن معرفي يصلح منطلقاً لمحاورة النقد الحديث والمعاصر ولا سيما في شأن علوم اللغة، وقضايا النقد، وإشكالات البلاغة، أو تراث حازم القرطاجني الذي أثبت قدرته على العطاء، والتجدد ومسايرة أحدث النظريات اللغوية الحديثة، أو ما قاله (صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي) عن التخيّل والتشبيه الذي ينم عن مقدرة نقدية تجاوزت الخطابات التي قال بها النقاد السابقون له، وهم يكررون القول في التشبيه ويصرفون النظر لأسباب عن التخيّل.
وبهذا، فإن فصول الكتاب سعت وهي تحقق قراءة استرجاعية واعية لمكوناتها إلى محاولة فهم آليات التماسك النصي بتحليل نقدي يميل بوعي، أو بدونه، إلى الاختيار والتأكيد، والنفي، والإثبات، والموازنة، وينحو صوب عملية إعادة التشكيل والقراءة والإنتاج، مكرّساً مبدأ القراءة التفاعلية في معالجة النص، وفهمه بعيون معاصرة، مستعينة بمناهج غربية حديثة قصد استكناه أسرارها.
كما سعت إلى مساءلة النص البلاغي العربي في وجوهه المختلفة للوقوف على قدرة النقد الحديث في قراءة النص التراثي ومقاربته من زوايا مختلفة، ومن ثم الكشف عن مديات استجابته لهذه المساءلة، بهدف الكشف عن أسئلته الكبرى وبعثه حياً نامياً.
وتؤكد تاكفراست أن قراءة نصوص الباقلاني وعبد القاهر الجرجاني وحازم القرطاجني والصفدي بأدوات معاصرة ليس اكتشافاً لها فحسب، بل تعميقا للوعي بها في علاقتها بالحاضر، واكتشافا للحضور المعرفي الحديث، وتطلعاته إلى المستقبل وتقصي تنوعه واختلافه… ومن ثمّ جاءت الدراسات لخلق حوار بين زمنين: زمن القارئ وزمن المقروء، وهذا يؤكد أن التراث موجود بنا، وفينا، وعلى الرغم من البعد التاريخي فإنه يؤثر فينا بالقدر نفسه الذي نؤثر فيه، فيشكّل رؤانا بقدر ما نشكل مفاهيمه.
ولتبيان أن هذه النصوص متغلغلة فينا، وأن ما اكتسبناه من جديد هو رد فعل للقديم، وصادر عنه حتى عندما يخالفه، أو يناقضه، فليس الهدف التغني بها وإحياء منهجيتها، أو حكاية تجربة عاشها المؤلفان وهما يقلبان أوراق كتبهم الصفراء.
ومن أجل الوقوف على أسلوبية المؤلفين، نقف على فصلين، أولهما للدكتور التميمي، وهو (الشعر: من المدنس إلى اكتشاف المقدس- الباقلاني وعبد القاهر الجرجاني أنموذجاً)، الذي يخلص فيه إلى أن الباقلاني كان يريد أن يجعل من الشعر مهما بلغت مرتبته من القبول الأدبي خطاباً أدنى من القرآن الكريم، لا لأنه خطاب قولي فحسب، بل لأنه خطاب والقول له ضرب الشيطان فيه بسهمه، وأخذ منه بحظه، فهو مدنّس لا يمكن أن تتقارب لغته مع لغة القرآن الكريم، وقد توصّل إلى هذا التوصيف بسبب تأثير الفكر الأشعري في أهم مقولاته النقدية، وهذا يعني أن سر الفهم النقدي للباقلاني كان يرتبط بدرجة اندماجه بأفكار الأشاعرة، ومحدداتهم النقدية الخاصة باللغة والأدب.
أما عبد القاهر الجرجاني، فقد أدرك أن للشعر وظيفة أدبية، وأخرى جمالية، وثالثة تعليمية. ولعل هذا الإدراك ما كان إلا بسبب سعة أفقه النقدي، واطلاعه على عدّة تجارب نقدية وبلاغية، وإيمانه التام بضرورة الفصل بين الرأي النقدي والعقائدي انطلاقاً من حقيقة جوهرية تتمثل في أن الشعر إبداع له القدرة على التشكيل المغاير الذي يبتعد عن حقائق الوجود، لأنه بنية أدبية مخيلة قائمة على الإغراب، وقد جهّل من ذمّ وظيفة الشعر الدينية والدنيوية: الإصلاحية، وجعله منطلقاً للاحتجاج لتفسير القرآن الكريم وصولاً إلى الكشف عن إعجازه، أي أن الجرجاني أدرك أهمية الشعر في الحياة.
والفصل الأخير من الكتاب (المرجع الفلسفي في نقد الغرب الإسلامي وبلاغته) الذي كتبته الدكتورة بشرى عبد المجيد تاكفراست، إذ تتحدث عن نموذج حازم القرطاجني، ملخصة دراستها أن داخل مناخ الثقافة العربية يمكن الوقوف على مرجعيات متعددة، قديماً وحديثاً، فهي تقدم نفسها بسهولة لكل دارس يبحث عن نفحات التواصل والمثاقفة بين العرب وغيرهم. وقد كان ابن رشد فطناً لعملية المثاقفة والتواصل بين العرب المسلمين وغيرهم، فالتفاعل العربي الإسلامي مع اليونان، هو نقطة لتحول الرؤى واختبار الذات العربية في محك البحث والتطور، في بعد عن الارتجالية والانطباعية، والأحكام الساذجة. فحضور الفلسفة لم يعمق مسيرة الإبداع البلاغي والنقدي فحسب، بل هو لحظة مشرقة تمكن من خلالها أئمة البلاغة وفطاحلة النقد من معالجة أهم القضايا بمناهج ونظريات ذات طابع علمي، تقعيدي، نظري، شمولي، ينتج وجهاً فريداً في النقد الأدبي المقارن يطرح عمق التفاعل بين الحاصل بين العرب واليونان، وعليه، نؤكد أخيراً أن طموح الإنسان العربي رهين بما قدمه من معارف، سواءً في تفاعله مع الثقافات الأجنبية عن طريق المثاقفة التي أخذت مكانها في تكون الإنسان، وأصبحت من ضرورات وجوده المعاصر، أو في بلورة موروثه العربي، وإخراجه من القوة إلى الفعل، ليجيب عن أسئلة الأمة وطموحاتها بعدما تحوّل من حيوان اجتماعي إلى حيوان متثاقف.

د. فاضل عبود التميمي، ود. بشرى عبد المجيد تاكفراست:
«البلاغة العربية.. من التخييل إلى القراءة والتلقي»
دار مجدلاوي للنشر والتوزيع، عمّان، 2016
248 صفحة.

في بحث مشترك بين كاتب مشرقي وكاتبة مغربية: البلاغة العربية القديمة في أطر الدراسات الحديثة

صفاء ذياب