أكثر من 20 حالة تحقيق وجندي واحد مُدان!

صحف عبرية

Jan-07

منذ بدء موجة الإرهاب في تشرين الاول 2015، فتح الجيش الإسرائيلي التحقيق في أكثر من 20 حالة إطلاق نار على الفلسطينيين. وفي اطار هذه التحقيقات سمعت شهادات من الجنود، جمعت افلام وتوثيقات اخرى، وفي بضع حالات ايضا توجه الجيش إلى منظمات حقوق الانسان، بما فيها «بتسيلم» كي يسلط الضوء على الحدث. لم يصل أي من هذه الملفات إلى لائحة اتهام صحيح حتى اليوم، باستثناء اليئور أزاريا. ولم يعتقل في أي من التحقيقات أي جندي مشبوه ولم تلتقط له الصور وهو يقتاد بالقيود إلى المحكمة.
فما الذي جعل ملف تحقيق اليئور أزاريا هاما بهذا القدر؟ أولا وقبل كل شيء توثيق الحدث. فالشريط من كاميرا عماد ابو شمسية، المتطوع في «بتسيلم» والذي يوثق ثانية بثانية سلوك القوات العسكرية، المستوطنين وبالطبع إطلاق النار من أزاريا، هو على ما يبدو الدليل الأفضل الذي يمكن أن يكون تحت تصرف المحققين أو القضاة. توثيق فيديو، غير محرر، حتى مع الصوت. وهو على نحو اذا ما استمع اليه جيدا يمكن أن تسمع فيه صرخة احد المستوطنين في المكان، «قد تكون عليه عبوة» ـ تلك الصرخة التي بزعم ازاريا أقامت لديه الاشتباه بالمخرب عبدالفتاح الشريف.
لدى أودي بن اليعيزر، العقيد احتياط في النيابة العسكرية العامة والذي شغل منصب المحامي العسكري الرئيس وبعد ذلك المدعي العام الرئيس حتى العام 2015، جواب آخر. «كل هذا السيرك، الذي قاده شارون غال ألحق به الضرر فقط وسيواصل إلحاق الضرر به ـ وفي هذا الجانب أحزن عليه وعلى العائلة. اذا ما ارسل إلى السجن لفترة حبس طويلة، فإن الأبوين البيولوجيين وحدهما سيزورانه في السجن وليس الآباء الافتراضيون لـ «ابننا جميعنا»، يقول. «الحقائق لا تعني أحد. فقد قررت المحكمة بأنه أطلق النار بدافع الانتقام.
ألا تفهموا بأن عليه أن يعاقب على أنه اطلق النار على مخرب بدافع الانتقام؟ لقد اعتبر الكثير ممن شاهدوا الشريط بأن هذا كان إعداما. هذا اشتباه قائم ويبرر التحقيق ـ والاعتقال».
قادة أزاريا بلغوا منذ تلك الحادثة الشاذة مندوبي النيابة العسكرية العامة الذين اتصلوا بالشرطة العسكرية المحققة. ويقول قرار الحكم ان التحقيق في قضية ازاريا فتح قبل نشر الشريط الذي يوثق الحدث. عمليا، في الساعة 13:30 تلقى محقق قديم من الشرطة العسكرية من قيادة المنطقة الجنوبية، الرائد ران كينان ـ تقريرا عن الحدث من قائده، بعد أن أُطلع هذا على فتح التحقيق. وبعد ذلك أُرسل اليه الشريط أيضا. وذات التوثيق بالفيديو ارسلته إلى وسائل الاعلام الناطقة بلسان «بتسيلم» في الساعة 13:50. وقرر القضاة في قرارهم ان هذا «دليل موضوعي ومستقل يسمح للمحكمة بالعودة إلى ساحة الحدث وفحص تسلسل الامور مثلما وثقت «في الزمن الحقيقي»».
وبسبب الفتح السريع للتحقيق، جبا محققو الشرطة إفادات من أزاريا، من جنود آخرين، وحتى من قائد السرية، الرائد توم نعمان، في يوم الحدث أو في غداته. وهكذا توفر دليل آخر تلقى وزنا ثقيلا في إدانة أزاريا ـ قوله بعد إطلاق النار «طعنوا رفيقي، ارادوا قتله، وهو أيضا (المخرب) يستحق الموت».
في قسم لا بأس به من تحقيقات الشرطة العسكرية، كان السلوك مغايرا: القادة يطلبون من الشرطة العسكرية الانتظار في جمع الشهادات حتى انتهاء التحقيق العملياتي. ويؤدي الأمر غير مرة إلى إطالة التحقيقات، والنيابة العامة تطلب من محققي الشرطة العسكرية العودة لاستيضاح المزيد من المعطيات. توصية لجنة تشخنوفر، التي عنيت بهذه المواضيع بحصر مدة التحقيقات التي تعنى بامور انتهاك القانون الدولي بتسعة اشهر، لم تطبق بعد في الجيش الإسرائيلي، فالموضوع لا يزال قيد الدراسة.
في حالة أزاريا، تداخلت أوقات جمع الشهادات واجراء التحقيق الواحد بالآخر. فمحامو أزاريا يدعون حتى أكثر من ذلك: أن التحقيق الشرطي سبق التحقيق العسكري، ولما كان أزاريا لم يشارك فيه ـ فلم تسمع حجته بشـأن الخوف من العبوة. أما القضاة فاعتقدوا خلاف ذلك، لأن أزاريا نقل إلى مقر عصيون للمشاركة في التحقيق العسكري. ويقول بن اليعيزر: «دوما يوجد صراع بين القادة الذين يريدون استكمال التحقيق العسكري وبين الشرطة العسكرية التي تريد الدخول بسرعة أكبر. هذا توتر موجود منذ سنين.
اما هنا فكان تحقيق عسكري ونقل القادة نتائجه إلى الشرطة العسكرية، لفهمهم أن هذا لم يكن سليما. هناك حالات غير قليلة يتم فيها التحقيق مع الجنود فورا، ولكني اتفق في أن حقيقة أنه اعتقل هي أمر لا يتكرر كثيرا. ولكننا هنا في وضعية يعتبرها غير قليل من الناس بأنها عملية إعدام ـ وبالتالي كيف لا يمكن الاعتقال؟
أحيانا، رغم أشرطة الفيديو التي توثق الحالة، فإن ملفات التحقيق تطول لدرجة أن المشاركين يكونون خرجوا من نطاق قانون القضاء العسكري. هكذا حصل في حالة موت سمير عواد في قرية بدرس في كانون الثاني/يناير 2013. فشريط الفيديو الذي وثق الحالة ـ والذي مصدره كاميرات المراقبة العسكرية ـ وثق فقط جزءا مما حدث. وتحقيق الشرطة العسكرية ارسل لمزيد من استكمال التحقيق ومرة تلو الاخرى، إلى أن تسرح الجنديان المشاركان في إطلاق النار. بعد ثلاث سنوات من بدء التحقيق اتهما، في محكمة مدنية بأنهما عملا «بتهور واهمال». قضاة المحكمة العليا، في أعقاب التماس رفعه ابو سمير مع «بتسيلم» أمروا النيابة العسكرية العامة والنيابة العامة للدولة باتخاذ القرار في ملف التحقيق.
حسب لائحة الاتهام ضد الاثنين، في اثناء كمين وصل عواد إلى منطقة الجدار عبر ثغرة قائمة. طارده الجنود، أطلقوا النار في الهواء، وبعد ذلك اطلقوا النار نحو عواد بخلاف تعليمات فتح النار. ولم ينجح تحقيق الشرطة العسكرية عمليا في القول مَن المسؤول ـ من بين الجنديين -عن النار التي قتلت عواد.
في حالة اخرى، لقتل مصطفى التميمي في العام 2011، في قرية النبي صالح، كان توثيق للحدث: باب الجيب يفتح، ومن خلفه فلسطينيان مع حجارة في الأيدي. قنبلة غاز تطلق إلى الخارج ـ وتصيب التميمي. بداية ادعى الجنود بأنهم تعرضوا للحجارة في الوقت الذي كان فيه ذات الجيب مفتوحا، ولهذا فقد فتحوا النار. غير أن توثيق الفيديو اظهر صورة مختلفة. فالتعليمات العسكرية تمنع إطلاق قنابل الغاز بالتصويب المباشر، ولكن فقط بعد أن اظهر توثيق الحدث، غير الجندي المطلق، أبيرام، روايته، واعترف بأنه أطلقها هكذا ـ ولكنه اشار إلى أنه لم يرَ احدا في المنطقة.
ورغم التوثيق، في العام 2013 اغلق الملف. واستأنفت منظمة «بتسيلم» على ذلك ولكن استئنافها رد. وكانت الحجة هي أنه نشأ «شك معقول» حول ما اذا كان الجندي مطلق القنبلة قد رأى التميمي. وفي رد الناطق العسكري على تقرير في «هآرتس» عني بهذا الملف في تموز/يوليو، جاء انه «حسب مادة الادلة تم إطلاق النار وفقا للقواعد والتعليمات وملف التحقيق اغلق دون اتخاذ اجراءات تجاه الجندي».
شريط آخر صورته منظمة «بتسيلم» أدى إلى فتح تحقيق لدى الشرطة العسكرية في 2008. في حينه، وثق الجندي، ليوناردو كوريا، مطلق الرصاصة المطاطية على أشرف أبو رحمة، معتقل فلسطيني كان مكبلا ومعصوب العينين. وقد تم إطلاق الرصاصة عندما كان قائد كتيبة المدرعات، المقدم عُمري بوربرغ يمسك بذراع ابو رحمة. وفقط بعد نشر الشريط، فتح التحقيق، في حينه ايضا، مثلما في حالة أزاريا، اعتقل الجندي مطلق النار.
قائد الكتيبة بوربرغ هو الاخر خضع للتحقيق في الشرطة العسكرية، والاثنان قدما روايتين متضاربتين: كوريا ادعى بأن قائده أمره بإطلاق النار على ابو رحمة ثلاث مرات. بينما قائد الكتيبة شرح بأنه قال للجندي فقط ان يخيف الفلسطيني. ورفع ضد الاثنين لائحة اتهام على تصرف غير مناسب. ولكن التماس من العليا أدى إلى أن تغير النيابة العامة التهمة.
بداية، اعتقد النائب العسكري الرئيس في حينه افيحاي مندلبليت الا مكان لتغيير لائحة الاتهام ولكن في أعقاب قرار العليا، التي ادعت انعدام متطرف للمعقولية، تغيرت البنود. في العام 2009 اتهم المقدم بوربرغ بمخالفات التهديد والسلوك غير المناسب، وكوريا باستخدام غير قانوني للسلاح، وبالسلوك غير المناسب وادينا في 2010.
بن اليعيزر يشدد على أنه يوجد اختلاف بين حدث وحدث. وبالفعل، فإن الحالات غير متشابهة، وفي كل ملف توجد قاعدة ادلة مختلفة، مادة اتهام مختلفة وشبهات مختلفة.
شيء واحد يبرز أزاريا: التأييد الجماهيري. «في قضية نعلين كان ايضا شريط «بتسيلم» والكثير من الضجيج الإعلامي، ولكن لم يكن تجند للجمهور في صالح أي منهما (الجندي او قائد الكتيبة)»، قال. «اشك أن يكون أحد يتذكر اليوم اسم قائد الكتيبة. أما أزاريا فسيذكر دوما كمن أطلق النار على مخرب».

غيلي كوهين
هآرتس 6/1/2017

أكثر من 20 حالة تحقيق وجندي واحد مُدان!

صحف عبرية