اللاجئ الافريقي في الجزائر بين أمل الاندماج وكابوس التهجير

Jan-07

الجزائر – سلمى قويدر: لا يعرف وقع صفة اللاجئ على النفس سوى من خبرها، وهذا العالم المجنون بالحروب والتقتيل والطائفية، صار يزرع الملايين منهم عبر العالم، مشتتين ومنهكين من الهروب ومن التخلي، هم المعذبون فوق الأرض بحق.
الطفل عبد الرحمن، حالة متفرّدة تستحق التوقف عندها، قدِم من النيجر إلى الجزائر برفقة عائلته وعوائل أخرى عديدة، لاجئين هرباً من شبح الموت الذي تربص بهم لسنوات. انتبهتُ مؤخراً إلى ارتياده المستمر لمقهى في حي القصبة العتيق حيث مقر عملي، كنت أهم باحتساء كوب من الشاي، حين تسمّر أمامي وطلب مني مئة دينار بكل ثقة، ابتسمت ومنحته نصفها، رحتُ أراقبه طيلة الظهيرة، فقد كان حيويا بشكل مفرط، يأخذ صور السيلفي مع الجميع.
ذلك الولد ذو الثماني سنوات، على غير عادة بقية اللاجئين القادمين من مالي والنيجر، الغارقين في القلق والخوف والكآبة، بدا مبتسماً، لم يعرف وجهه الحزن لوهلة، ورغم حذره الشديد وحرصه على الكتمان، إلا أنّه انسجم تماما مع هذه البيئة منذ أول يوم. هو يقصد المقهى كل ظهيرة، ويبدأ بالطواف حول الطاولات الخارجية واحدة واحدة، متسلحاً بابتسامته المشرقة، ثم يلج قاعة الأكل الداخلية، يحتضن أي رجل يصادفه، يعلّق ذراعه الصغيرة بعنق أحدهم ليطالبه بكلمة عربية مكسورة.. «.. هات عشر آلاف».
عبد الرحمن، لا يتسول، ولا يردد كلمة «صدقة» كالبقية، يبدو واثقاً كمن يطلب حقه، مضت سنة منذ دخل الجزائر، مع الوقت صار شخصية قابلة للتماهي، انغمس في المجتمع القسنطيني بسهولة، وصار يتحدث لغة الشارع التي اكتسبها من أطفال الحي وتجار شارع فرنسا العتيق. أخذ يعشق أكل المطاعم السريعة، وصار يفضل سندويشة الشاورمة من محل اللاجئ السوري المقتدر.
أصبح الطفل يلتقط الأحاديث والجمل السهلة ليكوِّن أجوبته الذكية على تساؤلات المحيطين به، يشارك في النقاشات العسيرة بين مرتادي المقاهي بكلمة أو كلمتين وبنظرات مهتمة جدا، ثم يهم بالرقص واللعب وسط تلك الساحة الواسعة، يشاكس المارة بكل عفوية، ثم يغادر ليلتحق بعائلته لقضاء ليلة أخرى في العراء .
عبد الرحمن، هو واحد من آلاف اللاجئين الأفارقة الذين جارت عليهم ظروف بلدانهم القاسية، من حروب وفقر واقتتال طائفي وجوع، تخلوا عن أرضهم بحثاً عن الأمان، وواجهوا مخاطر جمَّة لولوج الجزائر عبر الحدود الجنوبية من مالي والنيجر. لا يمكثون كثيرا في مناطق العبور الحدودية خاصة بعد احتراق مخيم لهم منذ سنة في مدينة ورقلة ومصرع ثمانية عشر منهم بسبب شرارة كهربائية وممارستهم للطبخ دون وقاية، يغادرون ويتفرقون في جماعات صغيرة تجنبا للترحيل نحو المدن الشمالية الكبرى كوهران غربا والجزائر العاصمة وقسنطينة وعنابة شرقا لممارسة التسول وجمع المال رغبة في تحقيق حلم العبور نحو أوروبا.
في قسنطينة وحدها، سَجَّلت إحصائية بصعوبة بالغة منذ أشهر، حوالي ثلاثمئة لاجئ، بين شباب وأطفال وشيوخ، غادروا مراكز الإيواء بعد فترات وجيزة، واتخذوا من تحت جسر صالح باي المشيّد حديثا، مأوى لتجمعهم ونومهم ومأكلهم وصلاتهم. يحصلون من السكان على الملبس والطعام وحليب لأطفالهم الرضع الذين يولدون في تزايد رهيب. ورغم أن السكان كانوا في البداية متعاطفين مع اللاجئين السوريين أكثر، ويخافون الأفارقة بعدما انتشرت شائعة عن تفشي فيروس الإيبولا والملاريا بينهم، إلا أنهم اعتادوهم مع مرور الوقت ونقصت حدة نفورهم وخوفهم منهم بعدما لمسوا مسالمتهم وقلة حيلتهم.
تحاول السلطات الجزائرية منذ أشهر مفاوضة نظيرتها في النيجر لترتيب ترحيل اللاجئين في ظروف سالمة مرة أخرى، لكن لا يبدو في الأفق إلى حد الساعة أمل في منح هؤلاء قبسا من الأمن والسلام والمعيشة الكريمة التي هربوا بحثا عنها، ليبقى مصيرهم مجهولا ومبهما.

اللاجئ الافريقي في الجزائر بين أمل الاندماج وكابوس التهجير