ثقب في الشبكة

آيزنكوت قرر عدم إقامة ذراع للسايبر في الجيش بسبب ضغط الاستخبارات العسكرية

يوسي ملمان

Jan-07

بعد نقاشات استمرت بضعة اشهر، تقرر في هذا الاسبوع في الجيش الإسرائيلي عدم اقامة ذراع أو قيادة للسايبر. وبشكل أدق تم تأجيل القرار النهائي حتى العام 2020. وبهذا يكون رئيس الأركان غادي آيزنكوت بعد عامين على وجوده في منصبه قد قرر عدم اتخاذ قرار. وفي الوقت الحالي سيستمر في متابعة هذا الموضوع طاقم خاص في قسم التخطيط برئاسة الجنرال عميكام نوركين. مصدر عسكري رفيع قال إنه حتى نهاية منصبه سيضطر آيزنكوت إلى اتخاذ قرار.
على مدى عقد تحدثوا في الجيش الإسرائيلي وفي جيوش اخرى في العالم عن «البُعد الرابع» في الحرب الحديثة. وحتى القرن العشرين كانت للجيوش ذراعان، في اليابسة وفي البحر. والقرن الماضي جلب معه الذراع الثالث ـ سلاح الجو. ومنذ أواخر الخمسينيات دخل الفضاء ايضا. المجال التكنولوجي المعلوماتي هو ساحة الحرب الأخرى لـ «البعد الرابع».
في العقد الماضي، اثناء وجود عاموس يادلين كرئيس قسم الاستخبارات في الجيش الإسرائيلي، ومئير دغان كرئيس للموساد، صعدت إسرائيل درجة في تحسين قدراتها في المجال التكنولوجي المعلوماتي. وإلى جانبهم عمل ايضا العقيد نداف تسفرير كقائد لوحدة 8200 التي كانت وما زالت العمود الفقري في جهود جمع المعلومات والتجسس التكنولوجي من قبل إسرائيل تجاه أعدائها ومنهم سوريا وإيران وحزب الله وحماس.
وقد تم ذلك بواسطة التنصت والتشويش على البث وتحليل الشيفرات. وحسب مصادر اجنبية، اختراق الحواسيب ايضا. وفي الموساد وفي جهاز الامن العام توجد وحدات تعنى بذلك، لكن قدرتها أقل من قدرة الوحدة 8200. وفي الاستخبارات ومحيطها تم انشاء وحدات من اجل حرب السايبر. هناك ثلاثة استخدامات اساسية لحرب السايبر. الاول استخدام دفاعي والآخران هجوميان. الدفاعي يختص في مجال أمن المعلومات ـ منع العدو من اختراق الحواسيب في إسرائيل بشكل عام، وحواسيب المؤسسات الحكومية بشكل خاص سواء كانت عسكرية، أمنية أو مدنية. دفاع السايبر موجه لحماية الحواسيب والاتصالات بين الاجهزة الاستخبارية في الجيش والمواقع الاستراتيجية والحساسة: محطات الطاقة، المفاعلات النووية، المطارات، المستشفيات، خزانات المياه، حقول النفط والغاز، المؤسسات المالية وما أشبه. إن اختراق هذه الحواسيب قد يؤدي إلى كوارث كبيرة وموت اشخاص كثيرين.

الترتيب الجديد

سعت إسرائيل بشكل دائم إلى أن تكون في مقدمة العلوم التكنولوجية في العالم. ومنذ بداية الخمسينيات كان يوجد لديها حاسوب أقيم في معهد وايزمن. وبشكل سريع دخلت الحواسيب ايضا إلى الجيش والاستخبارات، وقامت بوضع خطة نووية حسب المصادر الاجنبية، تشمل السلاح النووي. وايضا في مجال حماية المعلومات كانت إسرائيل في المقدمة حيث بدأت تعمل على ذلك منذ التسعينيات.
إلى ما قبل سنوات قليلة كانت المسؤولية عن الدفاع عن شبكات الاتصال والحواسيب ملقاة على «الشباك». وفي العام 2002 أقيمت «السلطة الحكومية لحماية المعلومات»، التي عملت في اطار الشباك. وبعد أكثر من عقد، في كانون الثاني 2012، بدأت تعمل في مكتب رئيس الحكومة «هيئة السايبر القومية»، التي يترأسها د. افيتار متانيا. ومهمة هذه الهيئة الخاضعة لرئيس الحكومة هي تطوير مجال التكنولوجيا المعلوماتية والتنسيق بين الجهات المختلفة وتوسيع الدفاع عن الشبكات القومية في وجه هجمات السايبر وتشجيع تقدم الموضوع في الصناعة. وبالتوازي، أقيمت قبل 8 اشهر «السلطة الوطنية لدفاع السايبر» التي تعمل في مكتب رئيس الحكومة ايضا، ويقوم بإدارتها باروخ كرميلي وهو خريج الوحدة 8200، الذي كان مسؤولا عن السايبر في وزارة الدفاع وأدار في السابق شركة للسايبر. لقد رافقت اقامة السلطة صعوبات كثيرة وصدامات مع الشباك والجيش. ولأن الاسماء قد تُحدث البلبلة فقد تقرر أن المسؤولية الشاملة ستكون للدكتور متانيا الذي سيكون «رئيس جهاز السايبر القومي».
حسب الترتيب الجديد ستكون السلطة والهيئة مسؤولتين فقط عن المجال المدني، بما في ذلك الشبكات الحساسة مثل شركة الكهرباء والبنوك أو حواسيب الخدمات الحكومية وغيرها. وستكون مهمتها توجيه وتقديم التوجيهات المهنية للجهات المدنية حول كيفية الدفاع عن الأجهزة فيها ومنحها التقديرات والمعلومات ومساعدتها في وقت الحاجة. وستستمر وزارة الدفاع في كونها مسؤولة عن نفسها، ولن تكون خاضعة للسلطة الجديدة، مع الرغبة في أن يكون هناك تعاون.
«السلطة أقيمت كجسم مدني، وهي لا تقوم بجمع المعلومات عن الأعداء»، قال لي مصدر رفيع المستوى يعنى بالأمر. أي أن مهمتها هي العمل في القطاع المدني في مجال حرب السايبر الدفاعية.
في مجال الهجوم يرتبط السايبر عادة بالتجسس ـ من خلاله يتم الدخول بشكل سري إلى حواسيب الأعداء وجمع المعلومات. هذا هو عمل تجسسي أصبح اليوم أمرا روتينيا يتم بواسطة وسائل تكنولوجية. فبدل تجنيد عميل في اوساط العدو وتشغيله من اجل الحصول على المعلومات، يمكن فعل ذلك من خلال اختراق الحواسيب، حيث يتم ادخال «حصان طروادة» إلى الحواسيب وجمع المعلومات عن بعد. ويمكن تسمية هذه العملية تجسس ضد البرامج.
الاستخدام الثاني الاكثر دقة واكثر خطرا والذي لا يعرف الجمهور عنه هو الدخول إلى الحواسيب وزرع فيروس فيها لاعطاء أوامر تلحق الضرر بها وبالأدوات التي تشغلها هذه الحواسيب. ويمكن أن يتم ذلك لشل اجهزة العدو مثل الرادارات كي لا تكشف عن نشاط الطائرات، كما هو منسوب لإسرائيل التي عملت ضد اجهزة الدفاع السورية قبل تدمير المفاعل النووي في دير الزور في أيلول 2007. ويمكن أن يكون الهدف هو التسبب بالضرر أو تدمير اجهزة العدو. وهذا العمل يُنسب إلى المؤامرة الإسرائيلية الأمريكية في النصف الثاني من العقد الماضي ضد موقع تخصيب اليورانيوم في إيران في نتناز.
حسب المصادر الاجنبية، وحدة 8200 التي كان يرأسها في حينه نداف تسفرير، تعاونت مع الوكالة القومية للأمن التابعة للولايات المتحدة برئاسة الجنرال كيت الكسندر، على تطوير عدد من الفيروسات التي ألحقت الضرر بثلث اجهزة الطرد المركزي لتخصيب اليورانيوم. في العملية شاركت وكالة الاستخبارات الأمريكية والموساد بشكل ناجع، وسميت هذه العملية في الاستخبارات الأمريكية بـ «الالعاب الاولمبية»، وكانت جزءً من خطة أوسع في اطار اتفاق التعاون بين وحدة 8200 ووكالة الامن القومي، الذي كشف عنه ادوارد سنودان.
كانت للولايات المتحدة خطة سايبر أوسع تسمى «نيتروز اوس»، أقيمت من اجل الحرب بين الدولتين وهدفها شل كل الشبكات العسكرية والمدنية الإيرانية. في العام 2016 تم الكشف عن الخطة وعن اسمها من خلال فيلم وثائقي للمخرج الأمريكي اليكس غفني. حتى الآن يوجد جدل في الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية حول نجاح العملية أو فشلها في كبح المشروع النووي الإيراني، أو أن ذلك حسن من قدرتها في حرب السايبر، سواء في مجال الدفاع أو الهجوم.
يمكن القول الآن ايضا إن قدرة إيران العسكرية والنووية (رغم الاتفاق الذي تم توقيعه بينها وبين القوى العظمى لتقليص المشروع النووي)، اضافة إلى حزب الله، هي ضمن الاولويات الاستخبارية في إسرائيل.
على هذه الخلفية يمكن رؤية قرار رئيس الأركان عدم اقامة هيئة للسايبر كتصوير للوضع أو الحفاظ عليه. مسؤولية الدفاع عن الحواسيب وشركات الاتصال في الجيش ستبقى في أيدي قسم المتابعة، أما السايبر الهجومي فسيبقى في أيدي وحدة 8200 التابعة للاستخبارات العسكرية.
لقد سبق هذا القرار نقاشات شديدة خرج في اطارها ممثلو الجيش للالتقاء مع رؤساء أجهزة السايبر في دول صديقة مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وغيرها. وفي اللقاءات تم القيام بألعاب الحرب. في الولايات المتحدة توجد هيئة للسايبر، أما في بريطانيا فالاستخبارات هي المسؤولة عن السايبر، وهي توازي الوحدة 8200. وعندما سألت في هذا الأسبوع ضابط رفيع المستوى عن النموذج الذي رآه الجيش عند اتخاذ القرار أجاب «النموذج الإسرائيلي». وحسب اقواله «هذا شيء لا نريد الاضرار به لأنه يوجد لنا تفوق في مجال السايبر الهجومي الذي يخدمنا ويعود بالفائدة على دولة إسرائيل».
إن قرار عدم اقامة هيئة للسايبر تنظيمي في جوهره، لكنه هام لأن الانطباع الذي كان سائدا في السنة والنصف الماضيين ومنذ بدء النقاش في هذا الموضوع في الجيش، هو أن رئيس الأركان آيزنكوت يؤيد اقامتها. يحتمل أنه اقتنع بضرورة عدم توحيد اجهزة السايبر، الهجومية والدفاعية، تحت سقف واحد من اجل عدم الحاق الضرر بالقدرة الممتازة للسايبر الهجومي الذي قامت بتطويره الاستخبارات العسكرية. ولكن من الواضح أن معارضة رئيس الاستخبارات العسكرية، الجنرال هرتسي ليفي، وقائد الوحدة 8200 اللذان وجدا صعوبة في التنازل عما يوجد لديهما، كان لها وزن في القرار.
هذا ايضا تقدير د. هرئيل منشاري، رئيس مجال السايبر في معهد التكنولوجيا في حولون. «إن قرار عدم اقامة هيئة السايبر هو خطأ ينبع من مشكلات «الأنا» وصراع الأيدي بين الاستخبارات العسكرية وقسم المتابعة».
منشاري قبل أن يصبح اكاديميا عمل في هذا الموضوع لسنوات طويلة اثناء عمله في الشباك. وقد أجرى مؤخرا بحث حول حرب السايبر بين روسيا والولايات المتحدة التي كانت ذروتها في الشهر الماضي. وزارة الدفاع عن الوطن، الـ اف.بي.آي والـ سي.آي.ايه توصلتا إلى استنتاج بأن روسيا قد استخدمت حرب السايبر الهجومية اثناء الحملة الانتخابية في الولايات المتحدة، التي وجهت ضد المرشحة هيلاري كلينتون من الحزب الديمقراطي. والمستفيد الرئيس من ذلك هو دونالد ترامب، حيث هناك استغراب في وسائل الاعلام العالمية والاجهزة الاستخبارية الدولية حول سر العلاقة بينه وبين بوتين. على هذه الخلفية اتخذ الرئيس براك أوباما قرار طرد 35 دبلوماسيا روسيا واغلاق مؤسستين في واشنطن استخدمتهما السفارة الروسية من اجل تجسس السايبر. د. منشاري استعرض في بحثه بنية وحدات السايبر في روسيا واستخدامها في الحرب في جورجيا في العام 2008 وعند الدخول إلى اوكرانيا في العام 2014، وبين الفينة والاخرى ضد دول البلطيق.
ويؤكد البحث على أن الولايات المتحدة لم تضع يدها في الصحن. في تموز 2016 نشرت الاستخبارات الروسية أن حواسيب 20 منظمة روسية، بما في ذلك الحواسيب الحكومية والامنية، تم اقتحامها من قبل حكومة اجنبية، والتلميح هو إلى الاستخبارات الأمريكية.
في خلاصة البحث يقول منشاري: «من تجارب الماضي فإن عملية السايبر تخلق المقلدين. سواء كان هدف روسيا هو المساعدة على انتخاب ترامب أو الحاق الضرر بمصداقية كلينتون أو اذا كان الهجوم موجه مباشرة من قبل بوتين أم لا ـ يجب علينا الاخذ في الحسبأن أن هذه الجهات أو تلك ستحاول التأثير بواسطة السايبر على الانتخابات الديمقراطية وعلى الرأي العام في دول اخرى، ومن ضمنها إسرائيل».
ويوصي منشاري بوضع «خطة شاملة من اجل الدفاع عن المعلومات والتصويت في الانتخابات القادمة». والبحث عن طرق تُمكن الديمقراطية في إسرائيل من مواجهة محاولة ضعضعتها عن طريق الاعمال التي تهدف إلى التأثير في الرأي العام أو الحرب النفسية.

معاريف 6/1/2017

ثقب في الشبكة
آيزنكوت قرر عدم إقامة ذراع للسايبر في الجيش بسبب ضغط الاستخبارات العسكرية
يوسي ملمان