أزمة الجزيرتين تنذر بعصيان شعبي… والفقراء لن تشغلهم معركة الخبز عن التشبث بالسيادة الوطنية

حسام عبد البصير

Jan-06

القاهرة ـ «القدس العربي» : بينما كانت الشرطة تلاحق المتظاهرين المنددين بتسليم جزيرتين للسعودية، كان الرئيس السيسي ودودا للغاية وهو يتحدث عن أهمية مؤسسات المجتمع المدني وضرورة تقديم الدعم لها، ما أصاب العاملين في ذلك المجال بالدهشة، فهم حسب شهاداتهم، لم يواجهوا من قبل تكبيلا وقمعا وملاحقة في شؤون عملهم، الذي وصفه السيسي بالخيري والإنساني، كحالهم اليوم، حيث باتت السلطة وإعلامها الأمني ينظر للعاملين في هذا المجال باعتبارهم خونة ومتآمرين، يجب تصفيتهم أو رميهم داخل الزنازين المظلمة.
وأمس الخميس 5 يناير/كانون الثاني كان يوما استثنائيا بالنسبة للصحافة المصرية، إذ اتسعت الهوة بين تيار الموالين للسلطة والمناوئين لها. كما اشتدت الحروب ضد شباب الثورة الداعين للاستعداد لاحتفالات ذكرى ثورة يناير.
بالأمس طالب المذيع حاتم نعمان الداخلية باعتقال كل متظاهر يهتف بمصرية تيران وصنافير، وعلى هديه سار كتاب آخرون يرون أن ما قام به الأكاديمي البارز نادر فرجاني – الأستاذ في جامعة القاهــرة ـ من شن هجوم حاد على الإعلامي إبراهيم عيسى بعد تضامن البعض معه، على خلفية إيقاف برنامجه على قناة «القاهرة والناس»، ونشره فيديو قديما لعيسى يحرض على شباب الثورة ويصفهم بأنهم «كارهون للجيش، ومكروهون من الشعب، ويستحقون القتل» هو ما يجب أن يقوم به الجميع. وعلق فرجاني قائلا: «حتى تفهموا ولا تصنعوا منه بطلا بالزور». وتنوعت المعارك الصحافية والتقارير التي تحذر من مخاطر تواصل موجات الغلاء. وإلى التفاصيل:

أزمة ثقة تهدد السلطة

البداية مع القضية التي تشغل بال الرأي العام ويتعرض لها فهمي هويدي في «الشروق»: «حظر النشر في قضية انتحار مستشار مجلس الدولة لم يوقف سيل التعليقات التي حفلت بها مواقع التواصل الاجتماعي في بر مصر، البعض شكك في صحة الرواية مثيرا السؤال: نُحر أم انتحر؟ البعض الآخر سخر من القصة منطلقا من عدم تصديق وقائعها التي ذكرت وشكك في الهدف من إطلاقها. فمن قائل إن المراد تشويه مجلس الدولة لتمرير التعديل المريب المقترح على قانون السلطة القضائية، وقائل بأن المستهدف صرف الانتباه عن التطورات المثيرة الحاصلة في قضية جزيرتي تيران وصنافير. ملاحظة الكاتب الأساسية تتمثل في اتساع نطاق الشك في التصريحات والبيانات الرسمية، ذلك أن صوت الشك كان عاليا فيما أعلن، وفيما سوف يعلنه الطب الشرعي، الذي يفترض أن يحسم الأمر ويجيب عن السؤال: نُحر أم انتحر؟ وهذه الشكوك ليست من فراغ، لأن ثمة اقتناعا شائعا خلاصته أن الحسابات والملاءمات السياسية هي التي ستحسم المسألة. وليس تحقيقات النيابة أو تحريات الأمن أو تقارير الطب الشرعي، ذلك أن خبرات أهلنا في مصر أقنعتهم بأن السلطة مهيمنة وممسكة بمفاتيح وخيوط كل تلك الجهات. والتوصيف الرائج في هذا الصدد ينبه إلى أن السلطة تملك الأوراق والشهادات وبيدها الأحراز، كما أنها تملك أختام التصديق على كل شيء. إذا دققنا في خلفيات المشهد جيدا فسنجد أن عنصر الثقة فيما يصدر عن السلطة تراجع إلى حد كبير، ولئن تواترت الشهادات التي أيدت تراجع شعبية السلطة، وتحدث في ذلك كثيرون، فلا نستطيع أن نتجاهل أن تراجع الثقة يعد أحد العوامل التي أسهمت في تراجع الشعبية، فنحن نعيش هذه الأيام أصداء الزلزال الذي ضرب المجتمع المصري، بعد رفع الأسعار وتعويم الجنيه، الذي قيل لنا أنه لن يؤثر على محدودي الدخل، في حين ثبت أنهم على رأس الضحايا الذين قصمت الإجراءات الأخيرة ظهورهم. كما أن كثيرين لم يفهموا حكاية المشروعات العملاقة التي تنفق عليها المليارات، في حين أن سكان القبور في مصر يتراوح عددهم بين مليون ومليونى مواطن».

عنوان على الفشل

الحديث عن قرار الحكومة المصرية تسليم جزيرتي تيران وصنافير للسعودية ما زال محل اهتمام الكثيرين، من بينهم حسن نافعة في «المصريون»: «إقدام الحكومة المصرية على إحالة «اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع السعودية» بعد ثمانية أشهر من توقيعها، ورغم وجود حكم قضائي بات ببطلانها، لا يعكس فقط حجم ما تعانيه هذه الحكومة من تخبط وارتباك، وإنما يعد دليلا جديدا على تلاعبها بالمؤسسات الدستورية وإصرارها على اعتماد أسلوب الغموض والمناورات، بديلا لمتطلبات الشفافية والمصارحة في إدارة شؤون الدولة والمجتمع. لن يضيف نقل جزيرتي تيران وصنافير من السيادة المصرية إلى السيادة السعودية عنصر قوة أو فخر يضاف للمملكة، أو يخصم من رصيد مصر، ولن يستفيد منه الأمن القومي العربي بأي صورة من الصور، وستكون إسرائيل هي المستفيد الوحيد من هذه الخطوة. بوسع السعودية أن تقدم خدمة جليلة لأمنها الوطني أولا، وللأمن القومي العربي ثانيا، إن هي قررت إصدار بيان تعيد فيه تمسكها بالسيادة على الجزيرتين. وتؤكد فيه، في الوقت نفسه، أن حرصها على دعم الجهود الرامية لإنقاذ النظام العربي المنهار، وإحساسها بالمسؤولية الوطنية والقومية يدفعانها لتأجيل المطالبة بحقوقها على الجزيرتين. ويا حبذا لو أعلنت كذلك تجديد التزامها بتنفيذ كل ما جاء في الاتفاقيات التي سبق توقيعها مع مصر، خاصة الاتفاقية الخاصة بإنشاء جسر يربط بريا بين البلدين. أظن أن إقدامها على خطوة من هذا النوع يمكن أن يحرك المياه في الأنهار العربية الراكدة، ويعيد إحياء الأمل في إنقاذ النظام العربي المنهار».

عار على السلطة

«كيف لم يتوقف من اتخذ قرار سحل واعتقال الشباب الذين خرجوا في مظاهرة محدودة دفاعا عن مصرية جزيرتي تيران وصنافير، عن الجريمة الكبرى التي يرتكبها في حق هذا الوطن؟ يتساءل أشرف البربري في «الشروق» إن كانت الدولة تسحل وتسجن شبابا خرجوا يدافعون عن مصرية قطعة أرض يرونها جزءا من الوطن، فكيف لها وللقائمين عليها أن يقنعوا هؤلاء الشباب ــ وغيرهم ملايين ــ بضرورة التضحية بالروح والدم من أجل الدفاع عن أرض الوطن في أي وقت آخر؟
شاهدنا ونشاهد النزاعات الحدودية بين دول العالم، لكننا لم نر أبدا حكومة تعتقل أبناء وطنها لأنهم يتظاهرون دفاعا عما يعتقدون أنه أرض بلادهم. وحدها حكومة مصر هي التي تعاقب الشباب الذي يريد الدفاع عن أرض بلاده، وتستميت في إثبات أن جزرا تحت السيطرة المصرية منذ أكثر من 60 عاما على الأقل، سعودية رغم أن العالم ومعه الأمم المتحدة يعترفان بالسيادة المصرية عليها، منذ أن سحبت المنظمة الدولية جنودها من تيران وصنافير لمجرد أن حكومة جمال عبدالناصر طلبت ذلك، ولم ترد المنظمة الدولية بالقول إن الجزيرتين ليستا مصريتين، وبالتالي ليس من حق مصر مطالبتها بخروج القوات الدولية منها. ووحدها حكومة مصر، هي التي تملأ الدنيا ضجيجا حول احترام القضاء في الصباح، وفي المساء «تعمل نفسها من بنها» وتعتمد «اتفاقية تيران وصنافير» التي صدر حكم قضائي ببطلانها، وتحيلها إلى البرلمان الذي تذكّر أعضاؤه هذه الاتفاقية فجأة فقدموا طلبات إحاطة لعدم إحالتها إليه رغم مرور 8 أشهر على توقيعها. الحكومة التي تتجاهل حكما قضائيا واضحا، وتبدي كل هذا القدر من الاستهانة في التعامل مع قضية تنطوى على تسليم أرض خاضعة للسيطرة المصرية منذ سنين، إلى دولة أخرى بمنتهى البساطة، وتعتقل وتسحل شبابا يتمسكون بهذه الأرض، هي حكومة تهدد بإسقاط الدولة المصرية».

لا وقت للحرية

بمزيد من الدهشة التي تقترب للصدمة استقبل عدد من الحقوقيين تأكيدات الرئيس عبد الفتاح السيسي على أهمية الدور الذي يلعبه المجتمع المدني بالتعاون مع الحكومة في خدمة المواطنين، في ظل الهجمة الشرسة على العمل الأهلي خلال الفترة الماضية والراهنة. ووصف عدد من الحقوقيين تصريحات السيسي خلال لقاء عقد مع ممثلي كبرى الجمعيات الأهلية والمنظمات غير الحكومية العاملة في عدد من المجالات، بالمتناقضة من حيث الملاحقة والإغلاق واتهامات بالعمالة للقائمين.
وقال صفوت جرجس، مدير المركز المصري لحقوق الإنسان في تصريح له لـ«البديل»: إن لقاء الرئيس بعدد من ممثلي المجتمع المدني وتصريحاته عن أهمية التعاون بين الحكومة والمنظمات محاولة لتجميل الصورة التي لطخها المسؤولون خلال السنوات الماضية بعدما حملت الاتهامات بالعمالة والخيانة للعاملين بالمجتمع المدني، موضحا أن السيسي يريد إيصال رسالة طمأنة للخارج، بأن الحكومة تتعاون مع المجتمع المدني، في ظل التقارير الحقوقية والخارجية التي أعلنت عن مخاوفها من القيود التي تواجهها الجمعيات الأهلية في مصر، خاصة بعد موافقة مجلس النواب على قانون الجمعيات الأهلية الجديد، الذي يقضي على العمل الأهلي في مصر. وأضاف أن تصريحات الرئيس عن أهمية دور المجتمع المدني تتعارض تماما مع الواقع. وعن تصريحات السيسي بضرورة تعزيز شراكة الحكومة مع المجتمع المدني، أوضح جرجس أن قانون الجمعيات الأهلية الجديد ينسف ما يقوله؛ خاصة أنه يضع عراقيل عدة أمام حرية تأسيس وعمل المنظمات. وأكد أسامة خليل، مدير مركز هشام مبارك للقانون لـ«البديل»، أن تصريحات الرئيس لا تمت للواقع بصلة؛ لأن ما يحدث فعليا هو ملاحقات وغلق وتجميد حسابات لمنظمات المجتمع المدني، خاصة التي تعمل في قضايا حقوق الإنسان متسائلا: أي دعم يتحدث عنه السيسي للمجتمع المدني، في ظل تقييد الحركة الحقوقية، التي يمارسها نظام 30 يونيو/حزيران تحت شعار «لا وقت لحقوق الإنسان في ظل مكافحة الإرهاب».

لا تصنعوا منه بطلا

«قلق النخبة الإعلامية الموالية لإبراهيم عيسى يتوالى، غير أن جمال سلطان في «المصريون» يرى أنه لا يتصل بحرية الرأي والتعبير، بقدر ما يتصل بأكل العيش أو الحفاظ على فرصة عمل سخية تضخ عدة ملايين من الجنيهات سنويا في رصيد الإعلامي المحظوظ، مع دعم شبكة نفوذه المعنوي وعلاقاته العامة مع رجال أعمال ووزراء وجهات نافذة في الدولة تملك القرار، وكل هذا يتبخر بمجرد أن يتم إبعاده من وظيفته. ولم يعرف الرأي العام لأي من هؤلاء الإعلاميين المتباكين على إبعاد إبراهيم عيسى من «وظيفته» أي جهد أو نضال من أجل حرية التعبير، أو حرية الرأي، بل كان معظمهم حربا عليها وشاركوا في قمع الحريات رضوا بذلك، وشاركوا في ذلك، وقبضوا الثمن. وأذكر أن أحد هؤلاء الذين بكوا على الهواء حزنا على إبراهيم وحرية الرأي، وهو في برنامجه التلفزيوني على الهواء مباشرة ـ قبل عدة أشهر ـ لم يجد حرجا أن يحرض وزير الداخلية على غلق صحيفة «المصريون» وقال للوزير على الملأ: إغلقها وسندافع عنك. في حالة إبراهيم ، فإنه لو كان الأمر متعلقا بالحق في التعبير وأن لإبراهيم دورا (رسولياً) في دعم الحريات والنضال من أجل الديمقراطية، ففي إمكان هؤلاء «المناضلين» أن يستضيف كل منهم في برنامجه إبراهيم مرة واحدة فقط في الأسبوع ، لكي «يناضل» من منابرهم، ولو فعلوا فسيكون «المناضل» حاضرا بشكل يومي أمام الشاشة ولكنهم لم يفعلوا، ولن يفعلوا، لأنهم يعرفون ـ كما نعرف ـ أن المسألة متعلقة بالخوف على «أكل العيش» وعلى «المصالح» الواسعة والسخية التي يحققونها بالتزامهم بالدور المرسوم لهم مسبقا».

الحرية ليس فقط لعيسى

ونبقى مع أزمة إبراهيم عيسى التي تعتبرها مي عزام في «المصري اليوم» عنوانا لأزمة عامة، رافضة في الوقت نفسه اختزال الإعلامية لميس الحديدي وآخرين الأزمة في شخص إعلامي بعينه: «لم يعد هناك من يختلف على أن هناك أزمة حقيقية في الإعلام المصري، ليست وليدة اللحظة ولكنها تراكم سنوات طويلة، ومن الطبيعي جدا أن تكون النتيجة هذا «التورلي» الذي تختلط فيه الأوراق وتغيب فيه المفاهيم والمعايير، وسط ركام من الكلام واللغو. لميس قبل الثورة كانت من الداعمين لمبارك وجمال، وبعد الثورة كانت من أكثر المناهضين لحكم الإخوان، وكانت دائما تردد عبارة «أنا مابخفش» ردا على تهديدات حازم أبو إسماعيل وأتباعه للإعلاميين المعارضين لمرسي، والآن تذكرنا لميس بما قدمته هي وزملاؤها: إبراهيم عيسى ويوسف الحسيني، مجموعة داعمي 30 يونيو/حزيران، والحقيقة كان من المفروض أن تضيف إليهم باسم يوسف، وكان زميلا لها في «سي بي سي»، وتوفيق عكاشة وريم ماجد ويسري فودة وليليان داوود ومحمود سعد، فجميعهم كانوا معارضين لحكم الإخوان ومؤيدين لـ 30 يونيو، وجميعهم تم استبعادهم من المشهد الإعلامي وتم التعامل مع بعضهم بخشونة، فلماذا لم تدافع لميس حينذاك عنهم وعن حرية التعبير وحق المواطن في أن يستمع للرأي والرأي الآخر؟ لماذا لم تفكر في أمثولة «الثور الأبيض» إلا مع إبراهيم عيسى؟، وأنا ضد كل محاولة لإخراس صوت المعارضة وتبطيط البلد، ليكون صوتا واحدا يمجد إنجازات الرئيس وأمجاده، ويسبح بحمده وتوجيهاته الرشيدة، هذا موقفي الذي لا أستثني منه أحدا، ولا أميز فيه أحدا، المصريون جميعا يستحقون أن يعبروا عن رأيهم بحرية وكرامة، لا فضل لأحد على الآخر، سواء كان مقربا للنظام مثل إبراهيم عيسى أو بعيدا عنه مثل ليليان داوود».

وداعا يا «سفير»

ما دمنا بصدد الحديث عن المتاعب المهنية للإعلاميين ينبغي أن ننظر لتلك المرثية لجريدة «السفير» اللبنانية التي نعاها سليمان جودة في «المصري اليوم» بعد إغلاقها: «نجح لبنان في تجاوز عقبتين كبيرتين، مع نهايات عام انقضى، ثم لم ينجح في تجاوز الثالثة، وقد كانت هي في ظني الأهم بين العقبات الثلاث. نجح في انتخاب رئيس كان قد طال انتظاره، ونجح في تشكيل حكومة جديدة، لكنه فشل في إنقاذ الجريدة المرموقة. غابت الصحيفة مع بدء العام الذي أطل على العالم قبل أيام، وما عاد في مقدور متابعيها على مدى عقود من الزمان أن يتابعوها الآن، وكيف يتابعونها وقد انضمت إلى ذكريات عام مضى؟ لا يتصور الإنسان أن يخلو لبنان من «السفير» إلا إذا تخيلنا بلدا يخلو من أهم معالمه، ومن أشد ملامحه تميزا. كانت قد أوشكت على المغيب في مارس/آذار الماضي، لولا أنها ظلت تقاوم، لعلها تستطيع أن تصمد، فلما بدت المقاومة منها مستحيلة، سلّمت بما قضت به المقادير، وصدر آخر عدد منها في 31 ديسمبر/كانون الأول، على الغلاف كانت هناك حمامة بيضاء دامعة، وكان إلى جوارها قلم مكسور، ومن أسفلهما معا وقفت شخصية «حنظلة» الشهيرة، التي أبدعها ذات يوم، فنان فلسطين ناجي العلي، تنعى الصحيفة. كانت الفترة من مارس إلى ديسمبر كافية لأن يتدخل أي من أصحاب الأعمال الكبار في لبنان، أو خارج لبنان، ليتكفل بألا تغلق السفير أبوابها. كيف ينام أصحاب الأعمال العرب، هانئين في مخادعهم، بينما صحيفة كهذه تغيب لأنها لا تجد ثمن أوراقها وأحبارها؟».

منذ مولدها تعشق السلطة

«السلطة منذ عهد محمد علي متزوجة من الإعلام زواجا كاثوليكيا لا طلاق فيه، ولعلك تعلم أن الصحافة في مصر، كما يشير محمود خليل في «الوطن» نشأت – في الأصل- في أحضان السلطة، ولأن العلاقة بين الطرفين علاقة زواج، فمن الوارد أن ينطبق عليها المثل المصري الذي يقول: «جوزك على ما تعوّديه». وقد عود الإعلام السلطة ما بعد 30 يونيو/حزيران على التغريد باسمها، ومحاولة إرضائها، ونفى أي مضامين تعاكسها أو تتسبب في إغضابها، ولكن مع تعقد أوضاع المشهد في مصر خلال عام 2016، على المستويات السياسية والاقتصادية، وكذا على مستوى علاقة مصر بمحيطيها العربي والدولي، بدأ بعض الإعلاميين يمارسون دورهم المعتاد في تقييم الأداء العام، وكشفوا العديد من ثغراته، وبدأ بعضهم ينكر توجهات ويعترض على قرارات، بصورة لم تتعود عليها السلطة الحالية، وكانت النتيجة انتهاء شهر العسل والطلاق. السلطة في مصر تتبنى تصورا واضحا لأدوار الإعلام، وترى في إعلام الستينيات نموذجا فذا للأداء. مؤكد أنني لست بصدد تحليل تجربة الإعلام المصري خلال هذه الحقبة، لكن يبقى أن الغرام بها، يعكس صورة صارخة من صور إهدار الظروف والتحولات التي شهدتها مصر – ما بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني- التي فرضت حقائق مختلفة على الأرض، وأوجدت معادلات جديدة، لم يلتفت إليها الكثير من الإعلاميين والسياسيين، حتى بدا مشهد العلاقة بين الطرفين، قديما أشد القدم في واقع جديد كل الجدة. ثمة ملاحظة أساسية ينبغي إبرازها في هذا السياق، وهي أن السلطة أحيانا تسمح في الصحف، بما لا يمكن أن تسمح به في التلفزيون، قناعة منها بأن تأثير الصحف محدود، قياسا إلى تأثير القنوات التلفزيونية على الجمهور المتلقي. وربما فسر لك ذلك إقصاء بعض الإعلاميين في التلفزيون، ومنحهم المساحة في الصحف. في كل الأحوال يبقى سؤال «الدور على مين؟» مطروحا، وقلق الإعلاميين مشروعا».

أطباء وقتلة

نتحول بالمعارك الصحافية نحو مهنة أصحاب القلوب الرحيمة، حيث يحذر كرم جبر في «اليوم السابع» من البرامج الطبية المباعة التي تذاع في الفضائيات، أحدث طرق النصب على الناس، وبمقتضاها يستطيع أي طبيب فاشل أن يشتري وقتا بفلوسه في أي قناة فضائية، ويأتى بمذيعة جميلة لتقديم برنامجه، تسبل عينيها وتصقل مكياجها وتخفض صوتها، إعجابا بغزواته الطبية التي لا يعلمها أحد سواه، ووراءه على الشاشة يافطة كبيرة بالنيون «تولع وتطفي»، مكتوب عليها اسمه وعنوان عيادته وأرقام تليفوناته، ويتحول بين يوم وليلة إلى نجم تلفزيوني، يشير إليه الناس في الشوارع وإشارات المرور، ويتهافت المرضى على عيادته، لأن الباشا دكتور بيظهر في التلفزيون. أطباء لم يحققوا نجاحا في غرف العمليات ولا في شفاء المرضى، ولم تنتشر سمعتهم الطيبة بالتداول بين الناس، وإنما الإعجاز الطبي أمام الكاميرات، ولا تكاد قناة تخلو بصورة أو أخرى من هذا الهوس، المتغطي ببالطو أبيض، فيختلط الحابل بالنابل، ويضيع في الزحمة الأطباء المحترمون، أصحاب العلم والخبرة والمهارة والأخلاق، الذين لا يهرولون وراء الشهرة الكاذبة، ولا تجري وراءهم مذيعات ولا كاميرات، ويقتصر ظهورهم ليتحدثوا عن نشر الوعي الطبي وليس الدعاية الشخصية، أو اكتشاف علاج جديد يفتح أبواب الشفاء، وزمان كان الناس يذهبون للطبيب صاحب السمعة الطيبة، ولا يستغل ظروفهم وأوجاعهم، ولا تكون شهرته مجرد وسيلة للكسب، وكانوا نماذج مشرفة في الرحمة والشفقة والرفق بالإنسان. أين نقابة الأطباء من كل هذا العبث؟ ولماذا لا تهتم إلا بالدفاع عن أخطاء الأطباء، وانصر أخاك ظالما أو مظلوما، وأين قانونها الذي يحظر ظاهرة الدعاية الإعلانية للأطباء؟».

ما زال الحلم ممكنا

«هناك فرق كبير بين محاربة الفساد والقضاء عليه، وعلى ما يبدو فإن عام 2017 سيكون عاما لمحاربة الفساد، ولكن دون القضاء عليه، لأن القضاء على الفساد أمر شاق، كما يشير إبراهيم البهي في «الأهرام» ويتطلب وقتا طويلا وجهدا لا حدود له، كما يتطلب من المسؤولين في الدولة نفسا طويلا. الفساد لم يكن بالحجم الذي كشفت عنه أجهزة الرقابة الإدارية أخيرا، سواء في قضية الرشوة الكبرى في مجلس الدولة، التي انتحر فيها المستشار وائل شلبي، أو بعض القضايا التي سبقتها، بل أنه أكثر من ذلك بكثير، ولا نبالغ إذا قلنا إن الفساد في المجتمع انتشر في معظم الوزارات والمؤسسات والمصالح الحكومية، انتشار النار في الهشيم، الذي اصبح كالسرطان في الجسد، ومن هنا تكمن خطورة محاربة الفساد والقضاء عليه، نعم النية من المسؤولين الكبار في الدولة باتت واضحة وبدأت الأجهزة الرقابية بالفعل إعلان الحرب للقضاء على الفساد، فلمن ستكون الغلبة؟ للشرفاء من المصريين أم للفاسدين؟ المسألة ليست سهلة كما يتصورها البعض، فهناك شبكة عنكبوتية تربط بين الفاسدين وبعضهم بعضا، ولا تفرق بينهم المناصب، فمن الممكن أن يكون أحدهم على رأس الجهة التي يعمل فيها وباقي أفراد الشبكة، في أقل مستويات سلم العمل الوظيفي في هذه الجهة، الجديد في الموضوع أن هناك إرادة سياسية جادة من جانب الرئيس عبد الفتاح السيسي للقضاء على الفساد، وهذا هو الأمر الذي يستحق الإشادة. كان في الماضي الرئيس يغمض عينيه إذا ظهرت حاله فساد في وزارة أو مؤسسة كبرى، أما الآن فإن الرئيس بنفسه هو الذي يقوم بالإعلان عن كشف حالات الفساد، حتى إن كانت في مؤسسة الرئاسة التي يعمل فيها، دون تستر أو خجل، هذه هي البداية الحقيقية لمحاربة الفساد».

المحروسة بخير

الوحدة الوطنية التي تتعرض للخطر من وقت لآخر، يرى البعض أنها اهم ما يمتلكه أهالي مصر، ومن هؤلاء كريم عبد السلام في «اليوم السابع»: «دون أن أشعر، نزلت الدموع من عيني وأنا أقرأ تصريحا تلقائيا لوزيرة الهجرة، ضمن كلمتها في مؤتمر «يد واحدة.. وطن واحد» في جامعة عين شمس، وشعرت بأن بلدنا فعلا محمي ومصان من كل ما يراد لها من شرور، وأن المصريين قادرون بالفطرة على احتضان بلدهم وحمايته في الأزمات والمحن، حتى لو ظن واهم أو حاقد أن البلد انهار أو في طريقه للسقوط. وزيرة الهجرة نادية مكرم حكت كيف وجدت سيدة مسلمة ومحجبة تحمي الكنيسة في نص الليل أثناء الصلاة، تقول: «أنا بحرص أصلي مع أسرتى في الكنيسة ولما بقيت وزيرة بقيت أتخفى عشان محدش يعرفني، وفي رأس السنة سمعت واحدة بتزعق وبتحذر إنى متفتش زي بقية المترددين على الكنيسة، ولما رحت لها لقيتها ست محجبة وواقفة بتحمى الكنيسة في نص الليل عشان نصلي بأمان. هل يمكن أن نشعر بعد ذلك بالخطر من دعاة الفتنة الطائفية؟».

الإنقاذ ممكن

رغم دعاوى اليأس التي تنتشر من وقت لآخر، غير أن البعض يرى أن إصلاح الاقتصاد وارد، من هؤلاء سامح عبد الله في «الأهرام»: «أظهر تقرير صادر عن المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات، أن حجم الديون الخارجية لـ20 دولة عربية سجل قفزة كبيرة عام 2016، ليرتفع من 426.4 مليار دولار عام 2000، إلى نحو 923.4 مليار دولار في العام الماضي. ولكن المفاجأة جاءت حين تمت مقارنة ديون كل دولة عربية بحجم الناتج المحلي الإجمالي لها، وهو ما أظهر أن مصر أفضل حالا من 17 دولة عربية أخرى، لأن ديونها الخارجية تعادل 15٪ تقريبا من ناتجها المحلي، ولا تتفوق عليها في هذا الإطار سوى الجزائر وفلسطين.
أما الدول الأسوأ حالا فكانت البحرين ولبنان، حيث تبلغ ديونهما ما يقرب من 180٪ من الناتج المحلي الإجمالي، ثم قطر 125٪ ثم موريتانيا 105٪ ثم تونس والأردن والإمارات 60٪ تقريبا. وجاءت السعودية في المكان التالي لمصر ضمن الدول الأفضل حالا حيث تبلغ ديونها 17٪ تقريبا من ناتجها المحلي وكذلك اليمن. ووفقا لما يراه الخبراء، فإن مقارنة مؤشرات الدين الخارجي لمصر بنظيراتها لمجموعات دول الأقاليم الاقتصادية، وفقا لتصنيف صندوق النقد الدولي، يتضح أنها في الحدود الاّمنة، حيث يأتي مؤشر الدين الخارجي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي ضمن أفضل المستويات العالمية، التي تراوحت ما بين 16.3٪ لمجموعة الدول الآسيوية النامية، و68.9٪ لمجموعة دول شرق ووسط أوروبا. البيانات السابقة لا تنفى أن مصر تمر بمشكلة اقتصادية نشعر بها جميعا ولكنها تظهر أننا لسنا الدولة الوحيدة عربيا التي تمر بمثل هذه الظروف، وعلينا مواجهة الأمر بالصبر والجلد والعمل الدؤوب وصولا لما نحلم به من دولة عصرية تنعم باقتصاد قوي».

القضية في خطر

نتحول للشأن الفلسطيني وجيهان فوزي تطلق قذائفها في وجه حركة حماس وأحد رموزها عبر «الوطن»: «خرج القيادي في حركة حماس موسى أبومرزوق في أحد لقاءاته التلفزيونية، ليقذف حجرا في المياه الراكدة ليشعل حربا إعلامية على مواقع السوشيال ميديا وداخل الفصائل الفلسطينية، التي عجزت طوال سنوات الانقسام أن تلعب دورا مؤثرا لإنهاء مهزلة الانقسام، الذي عصف بكل مكونات القضية ومقدرات الشعب الفلسطيني، فعندما طرح السيد موسى أبومزروق مشروع الفدرالية الفلسطينية كحل واقعي لمواجهة حالة الجمود التي تعاني منها المصالحة الفلسطينية بعد استنزاف دام أكثر من تسع سنوات، لم يكن طرحه مجرد جس للنبض أو من باب السخرية، كما قال أحد المقربين من حماس، بل جاء من واقع تفكير جدي داخل حركة حماس، وإن أنكرت قيادتها أو استخفت بتصريحات أبومرزوق، هذا الحل يبدو الأنسب والأكثر اتساقا مع حماس، وفي ضوء الوضع الضبابي الذي يعاني منه المشهد السياسي الفلسطيني في الأراضي المحتلة، بعد أن عجزت كل المحاولات والتدخلات الخارجية لرأب الصدع بين قطبي الصراع الفلسطيني، فتح وحماس، وبعد أن بدا جليا أن كل طرف يتشبث بموقفه ويحاول الحفاظ على مكتسباته. ما طرحه أبومرزوق ينم عن نوايا مبيتة لتكريس واقع الانقسام بعد أن فشلت أطرافه في الوصول إلى صيغة تعجل بانتهائه وتزيح كابوسه عن أكتاف المواطنين، ويبدو أن كليهما قد استراح للصيغة المفروضة على أرض الواقع، فلا فتح جدية لإنهائه، بل تتهرب من تحقيق المصالحة، ولا حماس تريد للانقسام أن يزول لتجد نفسها في لحظة قد تخلت عن كل شيء حققته خلال فترة الانقسام، وأهمها سيطرتها على قطاع غزة ومقدراته، وحينما يطرح أحد قيادات حماس هذا الحل فهو بذلك يكرس لتعميق الأزمة الفلسطينية وحالة الانقسام».

أزمة الجزيرتين تنذر بعصيان شعبي… والفقراء لن تشغلهم معركة الخبز عن التشبث بالسيادة الوطنية

حسام عبد البصير