قرار 2334 هدية أوباما لخلفه ترامب

نزار بدران

Jan-04

نفاجأ في بعض الأحيان، بقرارات لمجلس الأمن، لم تكن متوقعة، وذلك لكثرة ما نرى من تناقضات تتخلل السياسة الأمريكية خاصة، والغربية عامة؛ بين المواقف المبدئية لقيم القانون الدولي وحقوق الإنسان، وبين القرارات الأممية، الموثقة والمُتفق عليها، وما النموذج السوري منذ خمس سنوات، إلا دليل على ذلك، فقتل مئات الآلاف، وتدمير مدن بأكملها، وتهجير شعب من وطنه، لم تكن كافية حتى تتخذ الأمم المتحدة، قرارات لصالح هذا الشعب.
هل حقاً أن هذا القرار لمجلس الأمن الأخير، بشأن المستوطنات، أتى فقط بسبب انتهاء ولاية أوباما، ورغبته بالانتقام من نتنياهو، لإفشاله مشروعاته، أو تقييد قرارات مستقبلية لخصمه المنتصر في الانتخابات، دونالد ترامب؟.
المراقب منذ بضعة أشهر لتطور الأحداث في أمريكا ودول الغرب، يرى تراجعاً واضحاً للأحزاب السياسية التقليدية، لصالح أحزاب وحركات أو حتى أشخاص، لا يُمثلون اتجاهات سياسية تقليدية، هذا صحيح بكل الاتجاهات، كالخروج من الاتحاد الأوروبي لبريطانيا، أو تطور الحركات البديلة في إسبانيا وإيطاليا، ووصول ترامب للسلطة.
في هذا الإطار رأينا أن اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، لم يستطع لأول مرة، فرض مرشحه الرئاسي، أي هيلاري كلينتون، لصالح مُرشح يعتبر خارج الأُطر الحزبية الرسمية. فالسيد ترامب، ليس صديقاً للعرب والمسلمين، ولا عدواً لإسرائيل، ولكن وصوله للبيت الأبيض دليل عدم رغبة الشعب الأمريكي أن تصل السيدة هيلاري كلينتون إلى السلطة، لما تمثله من مصالح اقتصادية أو سياسية ولوبيات، وهي التي أثبتت ولاءها للوبي الصهيوني منذ سنين طويلة.
هذا التحليل للوضع الأمريكي، سمح برأيي، بوجود نافذة ممكنة لطرح قرار مجلس الأمن الأخير، والذي صُنف على أنه القرار الأول الدولي ضد الاستيطان بشكل واضح وعلى كافة الأراضي المحتلة لعام 1967، رغم ضغط اللوبي الصهيوني في الاتجاه المعاكس. ولم تحدث عاصفة تنديد ضده بالصحافة الامريكية أو الأوروبية، كما جرت العادة لمواقف أقل أهمية.
هو إذن من وجهة نظري، التراجع الثاني للوبي الصهيوني بأمريكا، بعد فشل كلينتون بالوصول إلى السلطة، وسيكون مقدمة لتراجعات قادمة، قد تكون قريبة.
الربع ساعة الأخيرة للرئيس أوباما، ليست هي إذن السبب الوحيد لتغير الموقف الأمريكي، ولا رغبته بتعقيد مهمة خلفه للرئاسة. أظن على العكس، أن هذا الموقف الذي سمح بتمرير قرار إدانة الاستيطان، هو هدية للرئيس الجديد، حتى ولو لم يقبله السيد ترامب.
التراجع المُستمر للأحزاب التقليدية، وما ارتبط بها من لوبيات عالمية، بالإضافة لتوافق دول العالم أجمع مُمِثلة بمجلس الأمن، من خلال هذا القرار التاريخي، سيُعطي بالعكس، الرئيس الامريكي أو من يتبعه في المستقبل، حيث أن الرئيس الجديد سيبقى لمدة أربع سنوات، وليس «العمر كله» كما في بلادنا، سيعطيه إمكانية التراجع يوماً، عن دعم إسرائيل الدائم والثابت في السياسة الأمريكية، على شرط أن تجد أمريكا، في السنوات المقبلة، دولاً أو أوضاعاً عربية، ذات سياسات تعمل لصالح الأمة ولصالح فلسطين.
التراجع المصري عن تبني تقديم القرار الدولي، باعتبار عضوية مصر مؤقتة في مجلس الأمن، أظهر مدى اختفاء أي أثر عربي في اتخاذ هذه الخطوة، بل على العكس كما أظهر هذا الموقف، كانت هناك محاولات لعرقلته، بطلب من إسرائيل، والتي أدركت تغير الموقف الأمريكي.
في انتظار ظهور مواقف عربية وفلسطينية جديدة، في المستقبل القريب أو البعيد، على المجتمع المدني العربي، والفلسطيني بشكل خاص، عبر منظماته وحراكه، اتخاذ الإجراءات اللازمة لاستعمال هذا القرار الدولي، ببُعده القانوني خصوصاً، وفي إطار إجماع أعضاء المجلس، للانتقال إلى الساحة القضائية الدولية، لمحاسبة إسرائيل على أفعالها وجرائمها بحق الشعب الفلسطيني، وخصوصاً طرده من وطنه، وإقامة المستوطنات والجدار الفاصل ومحاصرة قطاع غزة.
القرار 2334، يُعطينا أيضاً وسائل شرعية لمتابعة تطوير حملة المُقاطعة العالمية لإسرائيل، والتي أصابت هذا الكيان بضربات موجعة، رغم الحملة المُكثفة ضدها، وتجريمها من قبل دول أوروبية مثل فرنسا وبريطانيا.
بدون هذا التطور بالأوضاع العربية الرسمية والمجتمع المدني، سيبقى هذا القرار، حتى ولو كان تاريخياً، في أدراج خزائن الأمم المتحدة، وسيُغطيه الغبار، كما سبقه من قرارات ملزمة وغير ملزمة. فليس بالقرارات وحدها تحيى القضايا العادلة.

طبيب فلسطيني يقيم في فرنسا

قرار 2334 هدية أوباما لخلفه ترامب

نزار بدران