الطرق الصوفية بالجزائر… نفوذ “بلا سياسة” واتهامات بتحريف مهمتها

Jan-02

10

الجزائر ـ من أحمد عزيزـ تشتهر الجزائر بأنها إحدى البلدان العربية التي تعرف انتشاراً واسعاً للزوايا أو المدارس الدينية الصوفية.

ويزيد العدد عن 1600 زاوية، أشهرها زوايا “سيدي أحمد التيجاني”، الزاوية البلقايدية، الطريقة القادرية، وسط جدل عن تعاظم دورها السياسي في البلاد.

ويتجاوز تأثير الطرق الصوفية والزوايا في الجزائر الاعتماد عليها لتدريس القرآن، إلى اعتبارها “قوة سياسية”، لها دور كبير في رسم السياسة الداخلية للبلاد.

ويواصل عدد كبير من الجزائريين تمسكهم بالزوايا أو المدارس القرآنية، ذات التوجه الصوفي، لدرجة أن أشهر الأغاني في الجزائر، تتغنى بمشايخ الطرق الصوفية مثل أغنية “عبد القادر يا بوعلام “، التي قدمها الشاب خالد، إلى جانب أغنيتي “سيدي الهواري”، و”سيدي بومدين”، وغيرها.

1600 زاوية في الجزائر 

للزوايا تاريخ طويل في مجال الحفاظ على الهوية الإسلامية والعربية للشعب الجزائري، ولديها الآن دور سياسي فاعل في مجال التأثير على صانع القرار، حسب الباحث بن علي عبد البصير من جامعة وهران (غرب).

ويقول الباحث في تاريخ الحركات الدينية والمدارس الإسلامية في الجزائر إن “الزوايا تصنف في الجزائر إلى صنفين زوايا رئيسية وفروع للزوايا، ويبلغ مجموعها ككل نحو 1600 زاوية، حسب وزارة الشؤون الدينية والأوقاف في الجزائر.

ويضيف للأناضول: توجد عدة زوايا تمثل اتجاهات طرق صوفية مثل الطريقة القادرية، المنسوبة إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني، والطريقة التيجانية نسبة إلى سيدي أحمد التيجاني، وطرق أخرى يبلغ عددها 14 طريقة منها البلقايدية، المصطفاوية، الرحمانية، الهبرية، والشاذلية، ولكل طريقة مقر رئيسي ومجموعة كبيرة من الفروع.

ووفق الباحث فإن أغلب الزوايا تدرس القرآن الكريم للأطفال، وعدد منها تخصص في تدريس علوم الشريعة والفقه، والآن يمكننا القول إن أغلب الأئمة في المساجد الجزائرية درسوا في زوايا ومحاضر دينية.

ويتابع عبد البصير “الزوايا في الجزائر هي أكبر بكثير من مجرد مدارس دينية، إنها تيار سياسي قوي جداً، وقادر على التأثير في سير الأحداث داخلياً وخارجياً”.

ويشير في الوقت نفسه إلى أن الزوايا دائماً ترفض الانخراط بشكل مباشر في الحياة السياسية، “إلا أنهم ايضاً يقررون دائما موالاة الحكومة القائمة ويطلبون من الشعب دعمها والتصويت لمرشح حزب السلطة القائمة”.

ويتابع: ومن أجل هذا تتحالف الزوايا في الجزائر كقوة سياسية مع السلطة القائمة التي تعطي في كل مرة امتيازات جديدة لها”.

كما نوه الباحث الجزائري بأن أغلب وزراء الشؤون الدينية في الجزائر، جاءوا من الزوايا، ويجب أن لا ننسى هنا أن للزوايا في الجزائر اليوم ممتلكات وقفية تقدر بعدة مليارات دولارات، بل وبعض الزوايا تمتلك عقارات وأوقاف في دول عربية وإفريقية.

تاريخ يمتد إلى 10 قرون

ويعرف أستاذ الشريعة الإسلامية محمد حنيون الزاوية الدينية بأنها “مدرسة لتعليم القرآن تعتمد فكر التصوف، وتتبع مدرسة من مدارس التصوف المعروفة، ويرأسها المقدم وهو شيخ الزاوية، ويحظ بمكانة اجتماعية مرموقة”.

ويشير “حنيون” إلى أن الزوايا في الجزائر لها تاريخ طويل يمتد إلى 10 قرون كاملة حيث يعود تاريخ إنشاء أقدم الزوايا في الجزائر إلى القرن الـ11 الميلادي، وهي “رباط بونه” في مدينة عنابة، شرق العاصمة الجزائرية وأسسها مروان البوني، واسمه أبو عبد الملك الأندلسي.

ويقول “محمد حنيون”، للأناضول، إنه بالرغم من أن الزوايا تتهم في الجزائر بموالاة السلطة القائمة إلا أنها لعبت الدور الأهم في التاريخ الجزائري، فقد حافظت على الإسلام وعروبة جزء كبير من الشعب الجزائري، طيلة استعمار إسباني لأجزاء من الغرب الجزائري في القرنين السادس والسابع عشر، وطيلة استعمار فرنسي تواصل قرن و 32 سنة كاملة (1830/1962).

وفي السياق ذاته يضيف أن الزوايا تعرضت لحرب من السلطات الاستعمارية وصودرت أملاكها ومساجدها، وحولت إلى كنائس، لكن واصلت الزوايا تدريس القرآن الكريم واللغة العربية ما أدى إلى إبقاء الشعب الجزائري على إسلامه وعروبته.

تأثير سياسي يفوق قوة الأحزاب 

ويقول “مصوان العيد”، أستاذ علم الاجتماع بجامعة مستغانم، غربي الجزائر، إن “الزوايا هي إحدى أهم القوى السياسية والاجتماعية في الجزائر ولها تأثير يفوق تأثير الأحزاب السياسية، لأنها قادرة على تغيير نتائج الانتخابات خاصة في المناطق الريفية “.

ويضيف للأناضول أنه من المعروف أن الرئيس الحالي للجزائر عبد العزيز بوتفليقة اعتمد منذ توليه السلطة العام 1999 على “دعم المؤسسة الدينية التقليدية ممثلة في الزوايا”.

ولا يفوت بوتفليقة، منذ وصوله الحكم، أي جولة ميدانية أو زيارة للمحافظات، من دون زيارة الزوايا والحديث إلى القائمين عليها.

ونهاية نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي قال أحمد أويحي، مدير ديوان الرئيس الجزائري، إن “الزوايا لها دور ريادي كمؤسسات دينية في الحفاظ على الوحدة الوطنية”.

من جهته، أثار عبد القادر ياسين أمين عام اتحاد الزوايا (أكبر تجمع للطرق الصوفية في الجزائر)، قبل أسابيع، جدلاً بعد دعوته بوتفليقة إلى الترشح لولاية رابعة العام 2019.

ووصف معارضون تصريحاته بـ”غير المعقولة” كون الموعد بعيد والرئيس يعاني من متاعب صحية، فضلاً عن أنها توظيف لتيار ديني في الصراع السياسي.

وهذه المدارس الدينية التقليدية في الجزائر، كما يقول “مصوان العيد”، “لعبت دوراً بارزاً أيضاً في مواجهة التطرف والإرهاب أثناء المعارك بين الجيش الجزائري والإسلاميين في تسعينات القرن الماضي، وقد زاد نفوذها أكثر في هذه المرحلة”.

والزوايا في الجزائر تسمى أيضا المحاضر وهو جمع محضرة، و في العادة تتكون الزاوية من 3 أجزاء مدرسة قرآنية صغيرة ومسجد للصلاة، ومكان إقامة تخصص لإيواء التلاميذ القادمين من مناطق بعيدة.

انحرافات عقائدية وأداة في يد النظام الحاكم

ويقول قويسم زبير، أستاذ الشريعة في جامعة وهران، وأحد معارضي الدور السياسي للزوايا والتوجه العقائدي للطرق الصوفية، إن الزوايا “مارست الكثير من الانحرافات العقائدية خلال تاريخها”.

ويوضح، للأناضول، أن “الزوايا لا تعلم الإسلام السني الصحيح للطلبة، وهي تقدم لهم العقيدة الأشعرية وهي محل خلاف بين جمهور علماء السنة على أنها العقيدة الصحيحة”.

وأشار إلى أنها “رغم الدور الكبير الذي لعبته في الحفاظ على الهوية الإسلامية للشعب الجزائري، لم تساند ثورة التحرير بين عامي 1954 و1962 كما يجب، حيث لم تصدر بيانات تأييد من الزوايا”.

ويتهم نور الدين فليان، أستاذ علم الاجتماع بجامعة السوربون، الأنظمة الحاكمة في الجزائر منذ الاستقلال بـ”استغلال” الزوايا سياسيا كوسيلة تعبئة جماهيرية، ويقول إن اعتماد السلطة على الزوايا مباشرة تزايد بعد تصاعد نفوذ التيار الاسلامي ثمانينات وتسعينات القرن الماضي.

ويضيف للأناضول “اليوم تغض الزوايا الطرف عن الكثير من أوجه النقص في السلطة القائمة، ولا تمارس أي دور إصلاحي حقيقي، إنها تقدم لطلبة علوم الدين إسلاماً جافاً لا علاقة له بالعصر”.

الزوايا عنوان للإسلام المعتدل

وفي المقابل، يرى بن عزو عبد القادر، إمام مسجد في مدينة أدرار (1400 كلم جنوب العاصمة الجزائرية) وشيخ زاوية ومدرسة قرآنية، أن أعداء الزوايا “هم مجموعات من أنصار الإسلام السياسي أو الإسلام البعيد عن الاعتدال”.

ويضيف، للأناضول، “نحن نرفض تحويل الدين الإسلامي إلى دين إقصاء وتكفير وبلا تسامح”.

ويؤكد أن الزوايا لعبت طيلة تاريخها “دوراً محورياً في الحفاظ على السلم بين أفراد المجتمع الجزائري، وهي لا تتدخل في السياسة انطلاقا من مبدأ طاعة ولي الأمر”. (الأناضول)