إسرائيل وأمريكا: حتى في أحضان «الحبايب»!

صبحي حديدي

Jan-01

ليس أمراً مستغرباً أن تثير إسرائيل كلّ هذا الضجيج والعجيج لأنّ الولايات المتحدة امتنعت عن التصويت على مشروع قرار في مجلس الأمن الدولي، لا ينتهي في واقع الأمر إلا إلى التشديد على ما انتهى إليه «المجتمع الدولي» بخصوص شرعية الاستيطان في المناطق المحتلة. ذلك لأنّ إسرائيل تعودت من أمريكا على استخدام حقّ النقض، دائماً وأبداً، لتعطيل أيّ مشروع يمكن أن يرمي إسرائيل بوردة، فكيف بقرار تفوح منه رائحة الإدانة؛ خاصة وأنّ الأصل في هذه العادة هو الدلال الفائق الذي حظيت به إسرائيل من أمريكا في مؤسسات الأمم المتحدة جمعاء، وبلا استثناء.
هو تطوّر فارق، بل فادح من وجهة نظر إسرائيل، أن يختتم الرئيس الأمريكي باراك أوباما ولايته الثانية بهذا الامتناع عن التصويت؛ هو الذي صرف سبع سنوات ونيف يضرب صفحاً عن تعقيدات ما يُسمّى «السلام» بين إسرائيل والسلطة الوطنية الفلسطينية (وليس بين إسرائيل والفلسطينيين، عملياً، إذا توخى المرء الدقة)؛ كما تفادى أي مسّ بإسرائيل عندما واصلت، في عهدَيه، شنّ حروبها الهمجية ضدّ قطاع غزّة. وعلى هذا المنوال، في وسع إسرائيل أن تقتبس أمثلة كثيرة على سلوك أمريكي في مجلس الأمن الدولي، ينافي، ويناقض، ما فعلته المندوبة الأمريكية مؤخراً، بصدد قرار الاستيطان.
على سبيل المثال، في أواخر 2009 صوتت الولايات المتحدة ضدّ تقرير القاضي ريشارد غولدستون، حول انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب في غزّة؛ على نحو ذكّر إسرائيل، ثمّ العالم بأسره، أنّ أي عهد رئاسي أمريكي لن يختلف عن سواه في ما يخصّ حبال الرحم الأمريكية ـ الإسرائيلية تلك. كذلك زوّدتنا سوزان رايس، مندوبة الولايات المتحدة في مجلس الأمن الدولي يومذاك؛ ببرهان جديد على أنّ ما سعى أوباما إلى بنائه في تركيا ومصر، أخذ يتداعى ويتهدّم حتى قبل أن ترتفع أعمدته، وليس بأي معول آخر سوى ذاك الذي يحمله البنّاء نفسه!
وبالطبع، الأرجح أنّ ساذجاً واحداً على هذه البسيطة لم ينتظر من مندوب الولايات المتحدة إلى المجلس الدولي لحقوق الإنسان الامتناع عن التصويت؛ أو حتى الفرار منه، كما فعل فرسان بريطانيا (أحفاد الـ Magna Carta أو «الميثاق الأعظم» لضمان الحقوق الأساسية)، وفرنسا (بلد «إعلان حقوق الإنسان والمواطن»، ومهد فلسفة الأنوار). بيد أنّ البيت الأبيض كان قادراً على «إدارة» الملفّ على نحو يُبلغ رسالة من نوع ما إلى حكومة بنيامين نتنياهو، لطيفة مهذبة ودّية صداقية؛ لإنقاذ ماء وجه الإدارة إزاء الامتناع الإسرائيلي عن تجميد المستوطنات، والإقبال على تجميد أشغال المبعوث الأمريكي جورج ميتشل.
حتى في أحضان «الحبايب»، تشعر إسرائيل أنها ليست مدللة بما يكفي! كان الخطاب الأمريكي الرسمي يقتفي مفردات الخطاب الإسرائيلي الرسمي، وغير الرسمي، في تأثيم القاضي غولدستون؛ وكأنه ليس المشرّع الدولي المعروف الذي يحظى باحترام بالغ في أوساط حقوق الإنسان العالمية، والعضو المستقلّ النزيه في لجنة بول فولكر للتحقيق في برنامج «النفط من أجل الغذاء»، والقاضي المخضرم في محكمة الجنايات الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة. أو كأنه، وهنا المغزى الخاصّ، ليس الشخصية اليهودية البارزة، رئيس جمعية «أصدقاء الجامعة العبرية»، والرئيس الفخري لجمعية الـORT، التي يعود تأسيسها إلى سنة 1880، في قطاع أنظمة التعليم اليهودية!
ومع ذلك لم تكن إسرائيل راضية، وأرادت المزيد، بل هي تسعى دائماً إلى اللامحدود من أمريكا. ولعلّ الغضب الإسرائيلي الراهن لا ينبثق من التناقض الذي خلّفه امتناع واشنطن عن التصويت، فحسب؛ بل من نزوع أوباما إلى دخول التاريخ من هذه الكوّة الضيّقة، الوحيدة الفريدة، على حساب الكيان المدلل!

إسرائيل وأمريكا: حتى في أحضان «الحبايب»!

صبحي حديدي

مقالات سابقة