حنين الجنوب إلى الشمال

Dec-31

غزة – ميسرة أبو القنبز: أقف بعيدا عن وطني، عن الأرض، وكأننا صديقان افترقا للتو، يحاول كلاهما نسيان الآخر كيفما اتفق. ما تعرفه هذه البقعة عنّا ليس كافيًا لأن يدفعها لترثينا، عندما يثور حقل الألغام فيها، علينا. أو أين تكمن تجاعيد الأم الحزينة فيها حين يغلق نفقٌ أبوابه ويحتضن أرواح من فيه، بفؤوسهم وما كانوا سيعطونه لأطفالهم إن عادوا، وصورةً يرونها مع كل ضربة فأس للأرض التي نحلم جميعًا، بأن يحبو أطفالنا عليها، في زمن ما بعيد.
يضيق المكان، ونحتمي بالمجاز هاربين من شتاء لا دفء فيه إلى صيفٍ ينكر ظله. نخرج النكات من صدورنا ويختلط دخان السجائر مع أنفاسنا. يشتعل الحلم بالوطن، وأسطورة العنقاء لا تصلح في سماء الحالمين. الدم المسفوك يكاد يغرق الأرض ولا يدفعها ذلك أن تقاتل بقاماتها العالية. بل تستبدل المأساة الوطن والأرض بحضورها، وتكثر من رقصها في أرجائه، فيتمزق هنا وهناك. ليس ما يفصل بين هنا وهناك واو المجاز، بل الأرض ذاتها، بثقلها وحواجزها وكيلومترات من البيوت وسقوفها الحمراء، يقفون في وجه الأرض والريح والله.
هل ما زال الوطن يعرف أطرافه ويعرفنا؟ هل لو همست فتاة من القدس، شيئًا له، سيضحك مثل كهل ستيني ويسعل؟ وهل يمكن للجليل ونابلس ورفح أن تتفق معًا، على الخريطة نفسها ؟ كل ما في الأمر أنها عاجزة مثلنا ولا تملك أن تغزل ثوبًا يزينها من رأس الناقورة حتى غزة، عند خاصرة الوطن تماما.
لم يعد الوطن عجوزًا نعرفه، ولا المكان شيئًا نراه في كل خطوة. نحتاج إلى من يبعثه من موته ويجعلنا نراه في زيتونة أو طائر حجل، أو يعيده إلى زاوية صغيرة كان يفترشها في أحلامنا. انكسر هذا المكان في مخيلتنا، لكنه لم يسقط كما الغصن من شجرة ذاكرتنا خشبًا جافًا يبحث عن صوته الأخير في الرماد، بل «كسنبلة تموت لتملأ الأرض سنابل.»
وبفأس الفلاح الهزيلة التي كشطتْ ورسمتْ لنا الأرض، بُذرَ فينا، نحن الذين وُلدنا هنا ومن تصطفيه الآلهة، أننا لسنا كغيرنا مغرمين بالوطن فقط، بل نتشارك فيه الفتاة التي نُحب، وإن تطرّفنا، كانت حبيباتنا أوطانًا خالصة لنا.
ما يجعلنا قادرين على العيش، فوق هذا التراب الذي يقتلنا ويرحب بأعدائنا، هو الحب، وعشق فتاة حِنطيةُ الوطن. عيناها رايتان خضراوان، تأسران قلبي كمُعْتَقَلٍ سياسيٍ بها، كنور شمعةٍ يجذبُ إليه الفراشات، جميعنا يبحثُ عن وطن، ولا نجدُ إلّا الموت في النهاية. تتّضحُ شفتاها عندما تبتسمْ، تتّفقان مع غمّازتين _أغلب الظّن أنّهما مغارتان، يحتمي بهما ثوار الجبل_ لينتجوا لوحةً تكسر بؤس العالم. خصلات شعرها سهلة كوصول صاروخ إلى تلّ الرّبيعِ المحتل، كستنائية كتربةٍ طينيةٍ من جبال بلادي، مهملة كما هي دماؤنا. فارعة الطول كـشَقَائقِ النُّعْمَان، تبحثُ عن الحرّية في الأرض والسّماء، هي لم ترضع حليبًا عاديًا، بل رَضَعَتْ من أمَ كلّ شهيد، من دمع كلّ ثكلى وأرملةٍ ويتيم. ترتدي وشاحًا أبيض، يبتدئ من الكتف الأيسر، من رأس النّاقورة شمالًا، يغطّي كلّ شبرٍ منها، حتى رفح وما بعدها، لا يصدّه شيء، لا حدود 48 ولا 67 ولا أوسلو ولا أيّ جدارٍ حقيرٍ!

حنين الجنوب إلى الشمال