2106: ما قبل الإيديولوجيا وما بعد ترامب

صبحي حديدي

Dec-25

رغم انحطاط الدلالات ما بعد السياسية ـ الأخلاقية، على سبيل المثال، لمَنْ يشاء ـ وراء استقرار أسبوعية «تايم» الأمريكية على اختيار دونالد ترامب، الرئيس الأمريكي المنتخب، رجل العام 2016؛ فإنّ القرار يتجاوز حدَّيْ الصواب أو الخطل. ذلك لأنه، ببساطة، يقبع في الحدّ المنطقي الوحيد المتبقي: واقع الحال، في هذه الـ«أمريكا»، ولا عزاء لعشاق نظامها الديمقراطي، ودستورها، وحرّياتها، ومجتمعاتها المدنية؛ رُفعت الأقلام، وجفّت الصحف!
وذات يوم كانت أمريكا قد طالبت العالم، بأسره في الواقع، أن يعيش حقبة ما بعد 11 أيلول (سبتمبر)؛ تماماً على النحو الذي طولبنا أن نعيش تحت اشتراطاته في مرحلة الـ«ما بعد»، بكامل أنساقها: ما بعد الحرب الباردة، ما بعد الحداثة، ما بعد المجتمع الصناعي، ما بعد الإيديولوجيا، ما بعد الشيوعية، ما بعد التاريخ، ما بعد السياسة… الحال الآن، وكأنها تلك التي ترسخت عشية سقوط جدار برلين: شبيهة بعالم أحادي تماثل وتشابه وتعاقب على ذاته ومن أجل ذاته، حتى بات من المحال ــ وربما من المحرج، أو العويص المربك! ــ الحديث عمّا هو سابق، عن الـ«ما قبل» أياً كانت الظواهر التي سبقته.
كأنّ كل شيء حدث لتوّه، كما يستغرب الباحث الأمريكي دافيد غريس في كتابه المثير «دراما الهوية الغربية»: العالم يخلع أرديته واحدة تلو الأخرى، من العقلانية والرومانتيكية والثورية، إلى تلك الرجعية والوثنية والمحافظة، مروراً بالليبرالية والرأسمالية والاشتراكية والشيوعية. العالم اليوم هو أمريكا ما بعد ترامب، لأنّ «معجزة» صعود الأخير، من قاع الابتذال والعنصرية والشعبوية الأرخص، إلى أزرار الترسانة النووية الأعتى في تاريخ البشرية؛ هي معجزة أمريكية فقط، لا أقلّ ولا أكثر، وبلا علامات اقتباس هذه المرّة!
ولكن إذا توجّب، بالفعل، أن نعيش في حقبة ما بعد 11 أيلول، ثمّ ما بعد ترامب لاحقاً وراهناً؛ فلماذا يتوجّب أن تكون تصنيفات الحقبتين ثنائية، مانوية، اختزالية، غائمة، عائمة على سطوح الظواهر والمظاهر: خير ضدّ شرّ، وتمدّن ضدّ بربرية، وتسامح ضدّ أصولية، وغرب (ديمقراطي بالضرورة المطلقة) ضدّ شرق (استبدادي، بالضرورة الأشدّ إطلاقاً)؟ ثمّ لماذا ينبغي أن نعيش هذه الحقبة الثانية، تحديداً، وكأنّ شيئاً لم يطرأ على ملفّات العصر الأخرى (وهي، بدورها كبرى… كبرى!)؛ مثل زحف العولمة، وانتصار اقتصاد السوق ثمّ انكساره، وانكماش العالم إلى قرية صغيرة مقابل صحوة القوميات والإثنيات والعنصريات؟ ولماذا لا تكون الحصيلة، بين هذه الحقبة وتلك، نذيراً باقتراب مراحل الـ«ما بعد» في إيديولوجيات السرديات الغربية ذاتها، أي العولمة، واقتصاد السوق، والعالم/ القرية الصغيرة؟
لسنا ــ نحن أبناء الشرق، الذين يسهل اتهامنا بالشطط العاطفي وانفلات المخيّلة وضعف العقلانية… ــ وحدنا مَن ارتاب بالأمس، ويتعاظم ارتيابه اليوم؛ في أنّ مستويات الـ«ما بعد» كانت نذيراً ببدء العدّ العكسي في باطن ظواهر ومظاهر لاح، ساعة سقوط جدار برلين مثلاً، أنها لم تطرأ إلا لكي تبقى إلى الأبد، سرمدية وكونية ولا مفرّ منها في كلّ تاريخ وجغرافية وثقافة، وفي كلّ اجتماع وسياسة واقتصاد.
ذلك لأنّ اليقين الذي ساد خلال العقد الماضي (حول صعود الليبرالية التجارية، في سياق مدّ لا تقاومه أمّة أو سوق أو ثقافة أو فلسفة)، اهتزّ من جذوره، وبات طبيعياً أن يهتزّ إيمان الأسواق بحصانة العولمة. أكثر من ذلك، وعلى الطرف الآخر من المعادلة، كان صعود ترامب، وانقياد هذا السواد الأمريكي العريض خلفه، في ما يشبه غريزة قطيع جَمْعية، بمثابة نقلة كبرى نحو ما بعد إيديولوجيات اليقين الغربي؛ حيث انحصرت فلسفات الأنوار في قبضة ترامب، رجل نهايات التاريخ ـ الطبعة الأمريكية!

2106: ما قبل الإيديولوجيا وما بعد ترامب

صبحي حديدي

مقالات سابقة