ما الذي تبقّى من مدينة نينوى التي أنجبها التاريخ؟

صفاء ذياب

Dec-25

بغداد ـ «القدس العربي»: لا يمكن أن نبدأ الحديث عن تاريخ العراق ما لم تجتمع فيه مدن لها تاريخها الطويل في هذا البلد، بدءاً من أور مروراً ببابل وصولاً إلى نينوى، فهذه المدن لم تكن وليدة تاريخ حديث بدأ مع نشوء العراق كدولة معاصرة، أو حتى قديمة مثل بغداد التي بنيت على يد أبي جعفر المنصور، أو حتى البصرة والكوفة، هاتان المدينتان اللتان فتحتا مع الجيوش الإسلامية لتكونا مركزين سياسيين وعسكريين، بل إن أور وبابل ونينوى بنيت على أكتاف شعوب لم يبق منها سوى ذكرى هائمة، فلا معرفة حقيقية بتلك الأقوام التي أنشأتها، حتى وإن دارت التكهنات عن بعضها، غير أنها بقيت هائمة في ذاكرة الأثر.
نينوى مدينة أنجبها التاريخ، وحتى مركزها، الموصل، يعيش في بطون الكتب أكثر من التراب الذي نمشي عليه، فهذه المدينة التي نشأت في مهدها على الساحل الأيمن من دجلة، في المكان الذي يُعرف بمحلة القلعة، وحمل هذا الموقع قديما اسم «حصنا عبرايا» وهو اسم سرياني، ومعناه الحرفي «الحصن العبوري». تحوّل هذا الحصن في العصر الإسلامي إلى مدينة جامعة شكّلت معبراً يمرّ به كل قاصد، كما تشهد كتب الجغرافيين العرب التي تعود إلى هذه الحقبة.
بحث في الموصل الكثير من المؤرخين، فيشير ياقوت الحموي في كتابه (معجم البلدان): «قالوا وسُمّيت الموصل لأنها وصلت بين الجزيرة والعراق، وقيل وصلت بين دجلة والفرات». وأضاف في وصفها: «المدينة المشهورة العظيمة، إحدى قواعد بلاد الإسلام، قليلة النظير كِبراً وعِظَماً وكثرةَ خلق وسعة رُقعة، فهي محط رحال الركبان ومنها يقصد إلى جميع البلدان، فهي باب العراق ومفتاح خراسان ومنها يقصد إلى أذربيجان».
وكلام الحموي هذا يقصد به مدينة الموصل فحسب، فهي المدينة التي أنشئت على أنقاض حضارات توالت عليها، وربما لم يصلنا منها سوى الحضارة الآشورية التي بنت جدرانها من قلوب الساكنين فيها وليس من الحجر فحسب، ومن حبّه لمدينته، قرر آشور بانيبال أن تكون قبلةً للكتاب، فقام بنقل مكتبات بابل إلى عاصمته لينشئ فيها ثاني مكتبة في التاريخ، بعد مكتبة (نفّر- نيبور) التي كانت على شكل رفوف محفورة في الطين ترصف فيها الألواح كما ترصف كتبنا في المكتبات الآن.

مخطوطات وأديرة

أما في العصر الإسلامي الذهبي، فقد اشتهرت الموصل بأديرتها، ومنها دير مار ميخائيل الذي ما زال قائماً على نهر دجلة، شمال غربي المدينة، والدير الأعلى الذي بقي منه كنيسة بديعة تُعرف اليوم بـ«الطهرة التحتانية». تتميز هذه الكنيسة بحلّتها التي تماثل حلل المساجد المعاصرة لها، ونجد في الموصل ومحيطها كنائس أخرى تشهد لهذه الشراكة الفنية. من الموصل، خرجت مخطوطات سريانية مزوّقة على الطريقة العباسية، كما خرجت نحاسيات مطعّمة بالذهب والفضّة تحمل صوراً مسيحية. كانت الموصل عاصمة للسريان قبل أن تحمل كنيستهم اسم الآشوريين والكلدان، وهي في الأصل الكنيسة السريانية الشرقية، والاسم الشائع لها في التاريخ هو الكنيسة النسطورية. منها، انشقّ فريق واتحّد بكنيسة روما في منتصف القرن الخامس عشر، وأطلق البابا أوجينس الرابع على هذا الفريق اسم «الكلدان». يربط هذا الاسم حامليه بـ«كلدو القديمة» إذ تأسّست دعائم الكنيسة السريانية الشرقية في مطلع القرن الميلادي الثاني حسب الروايات. في مرحلة لاحقة، عُرف أتباع الكنيسة الذين رفضوا هذا الاتحاد بـ«الآشوريين»، وكانوا يُعرفون في لغتهم بـ«الأثوريين». يشير اسم «الآشوريين» إلى قوم من الساميين استوطنوا شمال العراق منذ خمسة آلاف سنة، وشاعوا في نهاية القرن التاسع عشر بعدما أسس رئيس أساقفة كانتربري في هذه المنطقة «إرسالية رئيس الأساقفة في آشور». في المقابل، تشير تسمية «الآثوريين» حسب معجم الحسن بن بهلول إلى «أهل الموصل» وهذه التسمية شبه منسية في زمننا الحاضر. حسب الكاتب محمود الزيباوي.
ويضيف أن الموصل تميّزت بتعدّديتها على مرّ العصور، وأدهشت هذه التعددية الرحالة الذين زاروها في الحقبة العثمانية، إذ زار كارستن نيبور المنطقة في عام 1766 وكتب في حوليّاته: «حالة النصارى في الموصل أحسن بكثير من حالة النصارى في بقية بلدان الإمبراطورية العثمانية فهم يعيشون سعداء على وئام تام مع المسلمين، ولهم الحق في أن يلبسوا كما يلبس المسلمون، وكثيرون منهم يعملون في خدمة الباشا». وفي أواخر القرن التاسع عشر، قصد إيلي بانستر سون بلاد ما بين النهرين، ورأى أن نصارى الموصل يتمتعون بالحرية، «وهم بمنجاة من الاضطهاد»، و«إنهم يردّون هذه المزية والحال المستحبة إلى أنّ المسلمين والنصارى عرب في الإحساس واللغة، وفوق كل شيء هم مرتبطون برابطة التساكن في المدينة، وهي رابطة قوية في الغالب وملمح تراص في مدن الشرق المنعزلة».

الحضر أول مدينة عربية في المنطقة

لكن بعد سنوات من سعي الحكومات التي توالت على العراق للمحافظة على شكل المدينة، وعلى الرغم من التحولات التي مرّت على البلاد، سياسياً واجتماعياً، فقد شكّلت الموصل بؤرةً للانفتاح على الأثر والمحافظة عليه، غير أن دخول ما يعرف بـ(داعش) نينوى والأنبار وصلاح الدين وغيرها من المدن العراقية غيَّر من تاريخ تلك المدن، وبالأخص مدينة الموصل وضواحيها، ففجر تنظيم «الدولة» أقدم جامع فيها، وهو جامع النبي يونس، ومن ثمَّ جامع النبي شيت، وصولاً إلى الثامن من شهر آذار/مارس من العام 2015 إذ جرَّف مدينة (الحضر) التي تعدّ أول مدينة عربية في المنطقة.
من جانب آخر قال الآثاري الدكتور إحسان فتحي إن تنظيم «الدولة» دمّر عشرات الجوامع والمراقد والأضرحة في مدينة الموصل، داعياً أهالي ومنظمات العالم، وعلى رأسها يونسكو، إلى التدخل من أجل إنقاذ التراث العراقي. موضحاً أن «هذا التنظيم دمّر وفجّر ونسف عشرات الجوامع والمراقد والأضرحة الدينية منذ أن بسط  سيطرته على هذه المدينة الغنية». فضلاً عن أن هذا التنظيم «دمّر معظم الجوامع والمراقد والأضرحة في الموصل كجامع وضريح الشيخ فتحي الذي يعود تاريخه إلى عام 1050 ميلادية، وجامع ومرقد الشيخ قضيب البان، الذي يعود تاريخه إلى عام 1150 ميلادية، ومرقد الإمام الباهر، الذي يعود تاريخه إلى عام 1240 ميلادية، وضريح الإمام يحيى أبو القاسم، الذي يعود تاريخه إلى 1240 ميلادية، وضريح الإمام عون الدين، الذي يعود تاريخه إلى 1248».
هذه المراقد والجوامع والمواقع الأثرية، كانت جزءاً من حملة التدمير الكبرى التي طالت جامع النبي يونس المشيد على تلة آشورية، ويعود تاريخه إلى العام 1365 ميلادية، وجامع النبي جرجيس، الذي يعود تاريخه إلى العام 1400 ميلادية، وجامع النبي شيت الذي يعود تاريخه إلى العام 1647 ميلادية، إضافة إلى مواقع مهمة أخرى مثل قبر المؤرخ ابن الأثير الجزري الموصلي (1160- 1232) وتمثال الشاعر أبي تمام (803- 845) وتمثال عثمان الموصلي (1854- 1923) الشاعر والعالم بفنون الموسيقى. فضلاً عن العديد من الآثار الأخرى التي لم يتم تدوينها وتوثيقها حتى هذه اللحظة كمرقد الإمام إبراهيم، الذي يعود إلى القرن الثالث عشر الميلادي، ومرقد الإمام عبد الرحمن، ومرقد عبد الله بن عاصم حفيد عمر ابن الخطاب ومرقد أحمد الرفاعي، وعشرات الأضرحة والمراقد الأخرى.
وفي حديث لـ «القدس العربي» أجاب وكيل وزير الثقافة والآثار، قيس حسين رشيد، على سؤالنا عن كيفية إعادة تلك المواقع والآثار إلى ما كانت عليه بعد تحرير الموصل، خصوصاً وأن المعركة مع تنظيم «الدولة» وصلت إلى مراحل متقدمة ومن المحتمل أنها ستحسم قريباً، أكّد أنه إذا كان النسف بالكامل في بعض المواقع، فالمعايير الدولية لا تسمح لنا بإعادة التأهيل والإعمار، ولكن هناك مواقع تضررت ولم تمح من الأرض، وهو ما ستعمل الحكومة العراقية على إعادتها أو ترميمها. فما تسمح به المعايير سوف نعيده، وما لا تسمح به سنبحث عن طريقة لإعادة بنائه حتى نعيد ارتباط الذاكرة المكانية للناس.. أما المعايير الدولية فتعيق عمل المتخصصين في الآثار، لأن هناك مواثيق عدّة مثل ميثاق بورو وميثاق البندقية وميثاق البيكوموس، وكلها لا تعطي الحرية الكاملة لكي ترمم الدول كيفما تشاء، لهذا سنتعامل مع المواقع حسب ما سنراه بعد انتهاء الأعمال العسكرية، وستكون هناك فرق متخصصة بالتعاون مع أجانب لمعرفة ماذا نرمم وماذا لا نرمم.
وجاء حديث رشيد هذا بعد عدّة مؤتمرات دعماً لتراث العراق عموماً وما دمّر من آثار الموصل على وجه الخصوص، مبيناً أن كل هذه التحركات جاءت بعد نداءات من وزارة الثقافة، وقبلها وزارة السياحة والآثار قبل دمج الوزارتين، كان أول نداء بعد سبعة أيام من احتلال تنظيم «الدولة» للموصل في السابع من حزيران/يونيو من العام 2014 فبدأ العراق بالتحرك على يونسكو وعقد أول مؤتمر لإنقاذ آثار العراق في باريس، كل يحدث بناءً على خطة الطوارئ التي جرى الإعداد لها من قبل وزارة الثقافة في تموز/يوليو من العام 2014 وبالتالي فإن الوزارة هي المعنية بهذا الموضوع وهي التي دقت أجراس الخطر، ثم جاءت مبادرات الأصدقاء لتصب في هذه الخطة، فحصلنا على أول تمويل من اليابان بقيمة مليون ونصف المليون دولار، فضلاً عن أجهزة تصوير ومسح حديثة، ومن ثمَّ دربنا كوادر فنية في بريطانيا وألمانيا، وبهذا فإن مهندسينا وآثاريينا جاهزون الآن للعمل، وينتظرون تحرير الأراضي من سلطة تنظيم «الدولة» للبدء بعمليات البحث والتنقيب وترميم وصيانة الآثار.

نفذ فريق من يونسكو مهمة تقييمية سريعة لآثار منطقة «النمرود» جنوب مدينة الموصل، هي الأولى من نوعها منذ أكثر من عامين. وأشارت المديرة العامة لـ«يونسكو» إيرينا بوكوفا إلى وجود أضرار كبيرة في «الزقورة» (معابد مدرجة)، والهياكل المبنية، والنقوش المنحوتة، نتيجة للانفجارات والتجريف الذي طالها.
وأعلنت الحكومة العراقية أن تنظيم «الدولة» جرف مدينة النمرود الأثرية، ومن أهم التماثيل التي دمرها التنظيم «الثيران المجنحة» الشهيرة التي لها وجوه آدمية، ويطلق عليها اسم «لاماسو» وتقف عند مداخل قصر آشور ناصر بال الثاني ملك الإمبراطورية الآشورية في القرن التاسع قبل الميلاد، ومعابد قريبة من الموقع.

ما الذي تبقّى من مدينة نينوى التي أنجبها التاريخ؟

صفاء ذياب