المقارنة السياسية أصبحت لصالح الماضي… والدولة غير جادة في محاربة الفساد

حسام عبد البصير

Dec-23

القاهرة ـ «القدس العربي»: لا يلتفت السواد الأعظم من المصريين للأكاذيب التي يروج لها على نطاق واسع إعلام السلطة، الذي يفقد رصيده الذي بناه بسرعة لافتة، وبمرور الوقت يخفت تأثير الكتائب الإعلامية للنظام، ما يمثل خطراً فادحاً على شعبية الرئيس وشرعيته أيضاً، التي لعبت الآلة الإعلامية دور البطولة في تعضيدها، عبر تسويقه المنقذ «الحصري» للمصريين طيلة الفترة الماضية.
ولأن الأكاذيب أقصر الطرق لفقد الثقة فقد تردت شعبية الإعلام الموالي ولم يعد له من تأثير يذكر، وقوضت من ذلك التأثير مؤخراً حملات الهجوم التي يبدو أنها لن تنتهي قريباً ضد المملكة العربية السعودية، التي وصل بها الأمر أن وجدت نفسها خلال الأيام الماضية متهمة بالتآمرعلى المصريين، لحد السعي نحو تعطيشهم من خلال هرولة مسؤولين سعوديين كبار لأديس أبابا، من أجل عقد اتفاقات متعددة معها، نكاية في المحروسة وشعبها. وبين عشية وضحاها وجد كبار المسؤولين في المملكة أنفسهم وقد تحولوا إلى مسجلين خطر ومتهمين بالعمالة ضد «خير أجناد الأرض» والتآمر على أمنهم القومي، على الرغم من أن المملكة هي التي تتولى سداد أقساط بعض الأسلحة المتقدمة التي تعاقدت عليها القاهرة، وامتلكتها في الفترة الأخيرة.
وفي صحف مصر الصادرة أمس الخميس 22 ديسمبر/كانون الأول، ما زال الخلاف بين أكبر دولتين عربيتين يتفاقم، حيث واصلت القاهرة عبر إعلام لا يرى في الأفق سوى صورة السيسي، إطلاق قذائفها الصاروخية على الرياض. وتصدر الخلاف المتفاقم بين المسؤولين في كلا الدولتين اهتمامات معظم الكتاب بين مشعل للفتنة وراغب في إطفاء آثارها.

إعلاميون خطر على مصر

الحديث عن الخلافات المتزايدة بين مصر والسعودية وقطر يكشف عن فصيل من الإعلاميين الجهلاء، الأمر الذي أزعج أشرف البربري في «الشروق»: «كشف تعامل «الميليشيات» الإعلامية والسياسية الموالية للسلطة في مصر، مع توتر العلاقات المصرية السعودية أخيرا عن حجم الخطر الذي تمثله هذه الميليشيات على الأمن القومي لمصر ومصالحها العليا، لافتقادها الحد الأدنى من الرشد والكفاءة والقدرة على التعامل مع أي أزمة أو خلاف، فمن التضحية بجزيرتي تيران وصنافير والترويج لسعوديتهما بكل جد واجتهاد، إلى إعلان السعودية «الشقيقة الكبرى» على حساب مصر التي يخلع عليها هذا اللقب كل العرب «من الخليج الهادر حتى المحيط الثائر» يترخص هؤلاء في التودد إلى المملكة وتملقها، على حساب كرامة مصر وشعبها، مادامت العلاقات بين نظامي الحكم في مصر والسعودية دافئة. فإذا ما توترت العلاقات بين القاهرة والرياض لأي سبب، تندفع هذه الميليشيات فتنسف كل الجسور التي يحرص عليها الشعبان المصري والسعودي. وبعد الوقوف طوابير لمصافحة وزير سعودي والتحلق حول موائد السفير، يرتكب هؤلاء الإعلاميون والسياسيون الذين يتكسبون بولائهم للسلطة جريمة أخلاقية وسياسية ومهنية، لأنهم يفجرون في الخصومة. عندما يقول هؤلاء الجهلة إن السعودية أو حتى قطر، رغم رفض الكثير من سياسات ومواقف الدوحة، هي دول حديثة النشأة، أو بلا تاريخ أو عدد سكانها قليل، أو تعتمد على الحماية الأجنبية، أو حديثة الثراء، فإنهم يثيرون مشاعر السخط والاستياء لدى دول خليجية أخرى ليست في خصومة مع مصر.
المأساة أن هؤلاء المحسوبين على الإعلام والسياسة في مصر لا يتعلمون الدرس، فقبل 7 سنوات أشعلوا حربا إعلامية مشبوهة ضد الجزائر بعد مباراة في كرة القدم، وحولوا «أرض المليون شهيد» إلى «أرض المليون عاهرة» وأصابوا العلاقة بين الشعبين المصري والجزائر بشروخ لم تلتئم».

لا تراهنوا على حياتنا

ولأنها قضية الساعة فقد اهتم بها مكرم محمد أحمد في «الوطن» ايضاً: «لا أصدق أن السعودية مهما يكن حجم خلافها السياسي مع مصر حول المشكلة السورية أو الحرب الأهلية اليمنية، يمكن أن تذهب في غضبها إلى حد معاداة الشعب المصري، والمقامرة بتمويل مشروع سد النهضة في إثيوبيا، نكاية في مصر، رغم معرفة السعودية أن قضية المياه بالنسبة إلى مصر هي قضية حياة ووجود، لأن مصر تعتمد في أكثر من 95٪ من احتياجاتها المائية على ماء النيل. ولا أصدق أيضاً أن السعودية يمكن أن تُعزز استثماراتها في إثيوبيا، بما يوفر للخزانة الإثيوبية تمويلاً إضافياً يمكنها من مجابهة مشكلة رفض المؤسسات المالية الدولية دعم مشروع سد النهضة، لتعارضه مع مصالح أساسية وحياتية لمصر، واحدة من أهم دول حوض النيل وأكثرها اكتراثاً بمستقبل النهر وحسن توظيف موارده المائية، أخذاً في الاعتبار أن نصيب مصر من الأمطار جد قليل، ما يلزمها الاعتماد بالكامل على مياه نهر النيل. ورغم أن الأخبار المقبلة من الرياض تؤكد على أن وفداً من السعودية على مستوى عالٍ، يرأسه أحد معاوني الملك سلمان، زار إثيوبيا وتفقد سد النهضة، واستمع إلى مطالب رئيس الوزراء الإثيوبي حول رغبة إثيوبيا في زيادة حجم الاستثمارات السعودية في مشروعات الزراعة والري الإثيوبية، فإنني ما أزال أستبعد إمكانية أن توافق الرياض على أي مشروعات استثمارية زراعية يكون من شأنها الإضرار بمصالح مصر المائية، وزيادة قدرة إثيوبيا على إنجاز مشروع سد النهضة، دون اعتبار لشروط المؤسسات المالية الدولية التي تأخذ في حسابها مصالح كل أطراف دول حوض النيل، خصوصاً أن ما يعرضه المصريون يكاد يفي باحتياجات الحد الأدنى لمصر».

إلى خادم الحرمين

على طريقته الخاصة اختار محمد أمين في المصري اليوم أن يتدخل في الخلاف بين القطرين الشقيقين بطريقته الخاصة، مقرراً إرسال برقية للعاهل السعودي: «جلالة الملك سلمان: أخاطب فيك الحكيم الذي يعرف قدر مصر في الماضي والحاضر والمستقبل، والذي يعلم أنها قلب العروبة، والذي يعلم أنها مخزون القوى الاستراتيجية للأمة العربية، والذي يعلم أيضاً وصية أبيه لأبنائه عن خصوصية وأهمية وحتمية العلاقة بين مصر والسعودية للبلدين، فسار أبناؤه عليها.. وليس ببعيد الموقف التاريخي للفيصل العظيم.. فقد تجلى موقفه كأروع ما يكون في حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، فقاد مع حبيب المصريين المرحوم الشيخ زايد معركة البترول، وها هو الراحل العظيم حكيم العرب جلالة الملك عبدالله، وقد حفر في قلوب وعقول المصريين مكانة لا تمحوها السنون بموقفه الشجاع من ثورة الشعب المصري في 30/6، ولا شك أن تأييده ودعمه لها كان لهما أبلغ الأثر في نجاحها، ونحن نكن له وللشعب السعودي حباً وتقديراً لا تعبر عنهما الكلمات.
جلالة الملك سلمان: بدأنا نسمع كشعب عن بعض الاختلافات في الرأي بين البلدين، وذلك أمر طبيعي لا يقلق، فالخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، بل يحدث داخل البيت الواحد بين الأخ وأخيه، ثم يحدث التفاهم وتنقية الأجواء بينهما، لكننا فوجئنا بتفاقم الأمور، ولا يعنيني كمواطن مصري أو كمواطن سعودي، أن أبحث عن المخطئ، فذلك أمر لا يهم الشعوب، بل يهم الحكام، إنما الذي يعنينا فقط هو التلاحم والتماسك بين جناحي الأمة العربية، صيانة لها من كل مكروه وقد تمنيت كمواطن مصري عليك وعلى الرئيس السيسي أن تبحثا معاً عن نقاط الاتفاق، وتنبذا مؤقتاً نقاط الخلاف».

إسرائيل تتسلل من الفيسبوك

«الاختراقات الإسرائيلية لعالمنا العربي أكبر كثيرا مما نظن، ذلك أن الأمر، بحسب فهمي هويدي في «الشروق» لم يعد مقصورا على تطبيع معلن أو غير معلن مع بعض العواصم العربية، ولا شركات تتخفى وراء عناوين مختلفة، لكنها تجاوزت إلى محاولة التطبيع مع الأجيال الجديدة في المجتمعات العربية، من خلال «الفيسبوك» و«تويتر». وهو ما يمكن وصفه بأنه غزوة سرية تتم وراء ظهرانينا، وهو ما لم تنتبه إليه الأغلبية، بما فيها أجهزة التنصت والتتبع، التي احتلت الفضاء العربي وانشغلت بمراقبة الناشطين والمعارضين الوطنيين، وتجاهلت تخريب الأعداء لوعي وعقول الأجيال الجديدة من الشباب العربي. ما يثير الانتباه أن صفحات الفيسبوك الخاصة بالخارجية الإسرائيلية ومكاتبها تسمح لممثلي وزارة الخارجية بالتوجه مباشرة إلى القراء، الأمر الذي يسمح لإسرائيل بتجاوز الحكومات والتفاعل مع العرب من خلال الدبلوماسية الرقمية، التي تنقل إليهم مختلف الرسائل التي تتناول الموضوعات الحساسة والجادة، إلى جانب مقاطع فيديو وأغان لمطربين إسرائيليين. وتشكل ممارسات الديمقراطية الإسرائيلية المقصورة على الإسرائيليين نقطة جذب للقراء العرب، إذ أعرب كثيرون من الشبان المتابعين، عن احترامهم لها وإعجابهم بها حين علموا بمحاكمة الرئيس الإسرائيلي السابق موشيه كتساف وسجنه بتهمة الاغتصاب وسجن رئيس الوزراء إيهود أولمرت بتهمة تلقي رشوة. وإلى جانب مخاطبة العرب من خلال الإنترنت، فإن إسرائيل عمدت إلى دعوة وفود صحافية عربية لزيارتها، الأمر الذي يشكل مساحة أخرى للتفاعل الذي يخاطب القراء العرب ويحاول تجميل صورة دولة الاحتلال. وحتى الآن زارت إسرائيل وفود من العراق ومصر والمغرب والأردن وتونس، إضافة إلى صحافيين من أكراد سوريا. السؤال الذي يثيره كل ذلك هو: هل يعقل أن تقف حكوماتنا ومؤسساتنا الأمنية متفرجة على كل ذلك؟».

مبارك زعيم الملايين

صفّقت جماهير مهرجان دبي السينمائي مرتين للمخلوع مبارك الأولى في فيلم «يوم للستات» الذي يتناول زمن ما قبل وما بعد 25 يناير/كانون الثاني 2011، والظهور الثاني لمبارك كان في فيلم «نسور صغيرة»، وهو الأمر الذي سبق وحدث أيضاً في افتتاح مهرجان القاهرة السينمائي وفق ما يشير إليه عبد الناصر سلامة في «المصري اليوم»: «ما أثار انتباهي في ذلك التصريح هو أنه تساءل: هل هو استحسان، أم وحشة، أم استغراب، أم هو الدولار الذي تضاعف سعره ثلاث مرات عن زمن مبارك، أم أن الشعب يشعر بالحنين والتعاطف مع الماضي؟ هي أسئلة تتزايد يوماً بعد يوم، وتبدو إجاباتها واضحة أيضاً، فيما أشرنا إليه سابقاً من ذلك الاستقبال الجماهيري اللافت للأنظار، لأي من أركان النظام السابق، سواء كان نجلي الرئيس علاء وجمال، أم رئيس الوزراء الدكتور أحمد نظيف، أو رئيس مجلس الشعب الدكتور أحمد فتحي سرور، أو أمين تنظيم الحزب الوطني أحمد عز، وغيرهم الكثير. يجب أن نعترف ودون خجل بأن السبب المباشر هو أن المقارنة أصبحت لصالح الماضي من كل الوجوه، سياسياً، اقتصادياً، اجتماعياً، أمنياً ورياضياً، حتى في ما يتعلق بالحريات وحقوق الإنسان بصفة عامة، لم يعد هناك مجال للمقارنة، أيضاً في مجال السياسة الخارجية، كما السياسات الداخلية، في الماضي كنا نعي أن هذه هي الحكومة، ليست هناك حكومة أخرى من وراء الستار، في الماضي كنا نعي أن هناك خططاً لمستقبل الدولة، تجعل المواطن يضع خططاً لمستقبل الأسرة، في الماضي كانت هناك ثقة في قدرات المسؤولين، كانت هناك كفاءات حقيقية على رأس كل المؤسسات».

لن يتغير شيء

ونقترب من سوريا التي يبكيها سامح عبد الله في «الأهرام»: «تقول التقارير الصحافية أن ضابط الشرطة التركي الذي قتل السفير الروسي صرخ مبررا جريمته بأنها بسبب ما يحدث في حلب، موضحا أن ما قام به هو رد على دور روسيا في ما يحدث في المدينة السورية المنكوبة، وإذا كنا نتفق مع الرأي القائل بأن المتسببين في مأساة حلب يجب أن ينالوا أقصى عقاب، فإننا نرى أن طلقات الضابط التركي ذهبت للأسف في الاتجاه الخطأ. الرصاص كان يجب أن يوجه لمن شجع الجماعات المسلحة على الدخول في مواجهات شرسة مع الجيش السوري وأوهموهم بأنهم يقاتلون في سبيل الله، بينما هم في الحقيقة (وقود) في معركة لتحقيق مكاسب سياسية لقوى إقليمية ودولية. الرصاص كان يجب أن يوجه لمن نصح المسلحين بالتمترس خلف المدنيين البسطاء ظنا منهم أن ذلك سيمنع القوات السورية من استعادة السيطرة على المناطق التي يسيطرون عليها. الرصاص كان يجب أن يوجه للمراهقين السياسيين الذين توهموا أنهم اللاعبون الوحيدون في الميدان، ناسين أن الموضوع يتجاوز قدراتهم، وأن القوى الكبرى ومنها روسيا والغرب أطراف في نزاع أكبر تعد سوريا أحد أركانه. الرصاص كان يجب أن يوجه لمن كان يدرك أبعاد التدخل الروسي في المنطقة وأهدافه الاستراتيجية ولم ينبه المسلحين وتركهم يواجهون مصيرهم المحتوم ومعهم أهالي حلب الذين ذاقوا الويلات بسبب وجود المقاتلين داخل المدينة. الحادث أدى لمقتل السفير والضابط المنفذ للجريمة ولكن الحال سيبقى على ما هو عليه في سوريا دون تغيير».

مرحباً بالقاتل

لبشار الأسد معجبون في القاهرة قد لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة. أحمد رفعت في «الوطن» واحد منهم: «هو رئيس دولة عربية عضو في الجامعة العربية، حتى لو تم تجميد عضويتها بضغوط تكشفت كلها الآن، وهي عضو في الأمم المتحدة، والأهم من هذا وذاك هو: بشار الأسد رئيس الجمهورية العربية السورية التي هي النصف الآخر للجمهورية العربية المتحدة، أول دولة للوحدة في العصر الحديث، وكانت تضم سوريا ومصر.. والأهم أيضاً: أنه نجح طوال خمس سنوات في التصدى للإرهاب وللمؤامرة على سوريا، وصمد حتى معركة حلب صموداً أسطورياً، وبعد معركة حلب بدت الآن بشاير النصر ليكون مع السيسى جناحي إفشال المؤامرة على الأمة العربية وإفساد مخطط تقسيمها وإن شاء الله إلى الأبد. السؤال الآن: ما الذي يقف مانعاً لعودة العلاقات مع سوريا مثلها مثل العراق؟ وما الذي يمنع زيارة الرئيس الأسد إلى مصر حتى لو بقيت العلاقات الدبلوماسية في حدودها الحالية، وكثيرة هي الزيارات التي يقوم بها مسؤولون كثيرون لبلدان أخرى، وعلاقاتهم الدبلوماسية البينية في حدها الأدنى. الرئيس السيسي نفسه قال قبل فترة رؤيته للوضع في سوريا، وقبل أي بوادر لانتصار سوري على الإرهاب وحددها في ثلاث نقاط أساسية، هي أن الحل للأزمة سلمي وليس عسكرياً، وأن الشعب السوري وحده الذي من حقه اختيار حكامه، وآخرها ضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة السورية وبالطبع يأتي الجيش السوري في مقدمة مؤسسات الدولة السورية. تطورت الأمور في سوريا في ما بعد وزادت تدهوراً، ومع ذلك كان موقف مصر الذي عبر عنه الرئيس السيسي مرات ومرات يزداد قوة وليس تراجعاً».

الله يرحمك يا صدام

«وما في شبر في جسدي، إلا وفيه ضربة سيف أو طعنة رمح، وها أنا أموت على فراشي كما تموت البعير، فلا نامت أعين الحبناء».. مقولة خالد بن الوليد الشهيرة، تذكر كرم جبر في «اليوم السابع» بالجسد العربي الآن، المثخن بالجراح والطعنات، ولكن خالدا حقق انتصارات حاسمة لنصرة الإسلام والمسلمين، فكانت جراحه نياشين للفخر، رغم أحزانه للموت في فراشه وليس في ساحات القتال. أما الجسد العربث الموجوع فجراحه تنزف، بلا نصر ولا بطولة ولا منازلة.. جراح بعضها من تآمر الغير، وبعضها من صنع العرب أنفسهم. هلل العرب وكبروا لسقوط صدام حسين، وشربوا النخب كؤوسا من دمه، ولم يستوعبوا أنه بديكتاتوريته ودمويته وعدوانيته، كان حارسا أمينا للبوابة الشرقية، فسقطت بسقوطه وداستها أقدام الإيرانيين، بأطماعهم التوسعية وأحلامهم الفارسية، وأصبح الخليج كله تحت التهديد، باحثا عن مظلة تحميه من الوحش المفترس، فأنفقوا المليارات على الأسلحة والعتاد أضعاف أضعاف ما كانوا يعطونه لصدام، وعجزت أمريكا بقوتها الساحقة عن توفير الأمن الذي كان يوفره صدام، الذي ذبح نفسه ودمر بلده بغزو الكويت، وكان جانيا ومجنيا عليه ووضع رأسه والمنطقة كلها بين أنياب الشيطان. العرب لا يستوعبون، وإذا استوعبوا لا يتعلمون، وإذا تعلموا لا يتعظون، وتخيل بعضهم أن صعودهم لا يكون إلا بدهس الدور المصري، وأن جلوسهم على عربة قيادة المنطقة، لا يتحقق إلا بإزاحة القيادة المصرية، دون إدراك أن الدور والقيادة لا تُشترى بالأموال، ولا تتحقق بتحريك خيوط التآمر، مع أن دروس التاريخ تؤكد أن قوة مصر بالعرب وصلابة العرب بمصر، وأن القومية العربية ليست رجسا من عمل الشيطان، كما يحسبها الجيل الجديد من الحكام، فصاروا كارهين لها ومتمردين على مسيرتها».

تشويه الثورة بفعل فاعل

«قالوا في ثورة يناير/كانون الثاني ما لم يقله مالك في الخمر، ونعتوها بكل الصفات المسيئة، وعملوا منذ الساعة الأولى لانطلاقتها على وصم كل من شارك فيها بالعمالة والخيانة، ومن اليوم الأول كما يشير محمد حماد في «البديل» عملت القوى المضادة للثورة على تشويه الإعلاميين المحسوبين عليها، أو المنحازين إلى قيمها وأهدافها، حتى جرت من بعد عملية إزاحتهم جميعاً من على الشاشة، لتنفرد كل الوجوه الكارهة للثورة بالمشاهدين، وتم تمكين كل الأصوات التي وقفت ضد الثورة منذ يومها الأول، من الميكروفونات والشاشات واحتلوا مساحة البرامج الحوارية، وابتدعت نوعية جديدة من برامج الإعلام المعادي للثورة والمناقض لكل قيم الإعلام والضارب عرض الحائط بكل قواعد المهنية، وظهرت على السطح ما تحويه الصناديق السوداء من سخافات وسخامات، تستهدف كل من لا يروق لهم أو يخالف سياستهم أو يعترض على قراراتهم وإجراءاتهم. ألصقوا بالثورة كل نقيصة، وشوهوا الثوار بشتى أنواع الاتهامات المنحطة، وسموها 25 خساير، وحملوها مسؤولية الفوضى واختلال الأمن، وصارت هي السبب وراء مضاعفة الديون الداخلية وتفاقم الديون الخارجية واختلال الميزان التجاري وزيادة عجز الموازنة، وتصاعد نسب التضخم وتدهور قيمة الجنيه، وتناقص أموال الاحتياطي من النقد الأجنبي وارتفاع نسب البطالة وتجريف الأراضي الزراعية، وربما لم يبخل عليها البعض بالمسؤولية عن اتساع ثقب الأوزون، لا يوجد في الحكومة وزير واحد من ريحة ثورة يناير، والبرلمان تمت هندسته بطريقة جعلته برلماناً معادياً لكل ما مثلته الثورة وما نادت به وما قامت من أجله، حتى أن أحدهم رفض تلاوة نص القسم لما يحتويه من احترام لدستورٍ نص في ديباجته على احترام ثورة «25 خساير» كما يقول عنها، والإعلام تم تجريفه من كل ما يمت إلى الثورة بصلة، وشباب كثيرون محسوبون على الثورة تم الزج بهم في السجون لمدد تصل إلى 15 سنة، وبعضهم متهم بالمشاركة في مظاهرة».

هل يترشح السيسي مجددا؟ً

«هل الظروف مواتية للحديث عن رئيس مصر في 2018، وسط هذا الهوس بالقتل والعنف وتقاسم النفوذ الذي يجتاح عالمنا القديم؟ نعم، مي عزام في «المصري اليوم» تعتقد أنه الوقت المثالي، فهو بمثابة الحديث عن الأمل، وسط ركام اليأس والشعور بالإحباط والتشظي، حتى الآن لم يحسم الرئيس السيسي أمره بالنسبة لانتخابات 2018، لم يتحدث عن خوض الانتخابات المقبلة سوى الدكتور عصام حجي ومشروع الفريق الرئاسي، وطارق العوضي، المحامي، وكلاهما حظه معدوم. في حالة ترشح السيسي لفترة ثانية فالمنافسة ستكون صعبة جدا على أي مرشح، رغم تراجع شعبية الرئيس، أما في حالة عدم ترشحه فسيكون هناك مرشح يحوز دعم المؤسسة العسكرية، وهي أهم رقم في معادلة الحكم في مصر. عام 2017 سيكون عاما انتخابيا، لو أراد السيسي الترشح لفترة ثانية، فربما يحاول أن يعوض خلاله ما فقده من شعبية بإجراءات يستعيد بها بعض رضا الشارع، أسباب عديدة وراء انخفاض شعبيته ورضا الناس عنه، أهمها بالنسبة للغالبية موجة الغلاء غير المسبوقة، ربما تكون هذه الإجراءات مراجعة حقيقية لأسلوب حكمه، وربما تكون حِيَلا انتخابية. وتريد مي من الرئيس القادم: أن يحترم الدستور والقانون، يؤمن بكرامة المواطن، قادر على أن يوفر له الأمن والحرية ولقمة عيش كريمة، يحكم بالعدل، أن يكون ذا تفكير علمي يحترم العلم والعلماء، قارئا جيدا لتاريخ مصر، مدركا لقيمتها، لديه قيم ومعايير حكم لا يمكن التنازل عنها، رؤية واضحة للنهوض بمصر ومكانتها الإقليمية والدولية، رئيس نكبر معه، لا يسد أمامنا أفق النماء بانحيازات أو تمييز فئة دون أخرى من الشعب، يحقق أحلام الشعب لا حلمه بالسيطرة والزهو، يسد ذرائع الخوف والشك بين أبناء الشعب المصري، ولا يوسع الفجوة بينهم، يحقق العدالة الاجتماعية ويقتلع الفساد».

لعله يتحلى بالرحمة

ونتحول نحو أمنيات العام الجديد وأبرزها على يد مجدي حلمي مدير تحرير «الوفد»: «نتطلع إلى عام تكون أيامه أرحم وأحن علينا، وأن يكون من يحكمون هذه الأمة في العلن أو في السر قادرين على إدارة الدفة، حتى يشعر المواطن بتحسن حتى على المستوى الاقتصادي، طالما أن مؤسسات الدولة تكره الكلام عن الحريات وعن حقوق الإنسان، وتكره المجتمع المدني وترفض النقد، وتعتبر من يعارضها يهدد الأمن القومي، وتحقد على الإعلام والإعلاميين والصحافيين، وظهر حقدهم في التشريعات التي صدرت مؤخراً من برلمان معادٍ للدستور، الذي آتى به وبأعضائه ويرفض احترامه رغم أن نوابه أقسموا على ذلك. نريد منهم طالما فرضوا علينا التصدى للفساد الذي يغرق البلاد، وأصبح الفاسدون يمارسون فسادهم في العلن ودون خوف، بل هم وجهاء المجتمع، وهم من يتحدثون في وسائل الإعلام ليل نهار عن الطهارة والشفافية والنزاهة، فهؤلاء هم القدوة الآن للشباب، وهم المثال لصغار الموظفين الذين أصبحوا يطلبون الرشاوى دون «كسوف» أو خجل: أو خوف من أي جهاز رقابي مهما كان، وأصبح مصير من يكشف الفساد هو السجن لأنه تجرؤ على أسياده وفضحهم. ولأن الموظف يعلم أن الدولة ومؤسساتها غير جادة في محاربة الفساد، ويرى أن من يتصدر المشهد العام أغلبهم يمارس الفساد أو تابع لفاسد، وأن الأجهزة الرقابية عاجزة عن متابعة هذا الكم من الفساد في مجتمع يعيش في ظروف اقتصادية صعبة. ولأن محاربة الفساد تحتاج إلى شفافية وحرية وقضاء مستقل وحرية تداول المعلومات، وإلى مشاركة حقيقية من المجتمع المدني، وإلى دعم سياسي وتشريعي من برلمان مستقل، وإلى مساندة دولية حقيقية وهي أمور ترفضها السلطة الحالية».

أخطاؤه لا تحصى

«أخطاء نظام السيسي التي جعلت من عادل حبارة وليا وصاحب بشارة من كثرة الكذب الرسمي في الروايات المتعلقة بأي حدث في مصر الآن، فقد أصبح المواطنون كما يرى محمد الصباغ في «مصر العربية» في شغل عن هذه الروايات الرسمية؛ ولا يقابلونها إلا بالرفض والتكذيب، حتى لو كان فيها شيء من الصدق. والحاصل أن النظام يغطي على الأكاذيب بمزيد من الأكاذيب، ولن يتغير هذا النهج الرسمي المُتمسك به؛ ولن تأتي الثقة في النظام وإعلام النظام؛ إلا إذا أصبح النظام السياسي ديمقراطيا. لن ينصلح حال النظام والأوضاع السياسية التي أصبح مسؤولا عنها؛ إلا إذا تمت مساءلة أفراده عن الخطأ في الأداء، وعن الكذب في الحديث الرسمي وعن الادعاء بغير الحقيقية. ورغم أن الحال على ما هو عليه من جو عام من الأكاذيب ومخاصمة الحقيقة واختلاق الروايات والوقائع وعدم الصدق والتضييق الشديد على الحريات؛ فإن رئيس الجمهورية يقول منكرًا الواقع: «إن لدينا حرية رأي وتعبير غير مسبوقة». والشاهد أنه في حوادث كثيرة فإن النظام نفسه، هو من يبادر بضخ الروايات الكاذبة على ألسنة المتعاونيين معه. وفي وقائع كثيرة فإن الأمر يبدو جليا أن الزمام قد أفلت من يد الرئيس عبد الفتاح السيسي وأصبح العابثون في السلطة وفي الإعلام المسيطر عليه من رجال في السلطة؛ أصبح هؤلاء يتحركون وفق ما يرون؛ على أساس أنهم «رجال النظام» ويعملون على خدمته والحفاظ عليه؛ أو أنهم قد تلقوا في تحركهم توجيهًا ما من أحد المقربين من الرئيس. وقد تجلى هذا العبث أخيرًا في الكيفية التي تم بها «إخراج» حادث تفجير الكنيسة البطرسية في العباسية وكذلك في الطريقة التي تم فيها أيضا «إخراج عملية إعدام عادل حبارة».

عيسى يريد رضا ربه

الإعلامي إبراهيم عيسى الذي يواجه حربا شرسة من قبل البرلمان، بسبب نقده اللاذع للرئيس والحكومة والنواب، قرر على ما يبدو أن يمضي في طريقه، وحسب «التحرير» نشر عيسى، قبيل بدء حلقتة في برنامج «مع إبراهيم عيسى» على قناة «القاهرة والناس» يوم الأربعاء الماضي، فيديو ظهر فيه حاملا رسالة لجمهوره بعد إذاعة حلقتين من برنامجه مسجلتين وليس على الهواء مباشرة. وقال إبراهيم عيسى: «إن حلقة اليوم ستكون مناظرة تمس كل بيت مصري، تتضمن الحديث عن فكرة تعويم الجنيه وأثره على الاقتصاد المصري والأسعار والأجور والتضخم». وعبر عيسى خلال الفيديو عن امتنانه لجمهور هذا البرنامج، الذين اعتبرهم أصحاب البرنامج الحقيقيين، قائلا: «أنا في هذا البرنامج مسؤول وحدي عن كل كلمة وكل حرف. لا القناة ولا زملائي في البرنامج، بل أنا المسؤول وحدي. وأنا أتصور أن هذا البرنامج ملك لجمهوره وملك للحقيقة، وما أظن إنه الحقيقه وأنا طول الوقت بلتمس رضا ربنا وإرضاء ضميري». وكانت قناة «القاهرة والناس»، قد أذاعت حلقتين مسجلتين من برنامج الإعلامي إبراهيم عيسى بعد هجوم رئيس مجلس النواب الدكتور علي عبد العال، وعدد من النواب عليه منذ عدة أيام».

المقارنة السياسية أصبحت لصالح الماضي… والدولة غير جادة في محاربة الفساد

حسام عبد البصير