إرهاب مصر: زراعة السيسي وحصاد داعش

صبحي حديدي

Dec-17

منذ أن أعلنت منظمة «أنصار بيت المقدس» البيعة لتنظيم «الدولة الإسلامية»، قبل سنتين، لم يعد منطقياً التفكير في أنّ نطاق الإرهاب الذي كانت تلك المنظمة تمارسه في سيناء، سوف يبقى منحصراً في شبه الجزيرة تلك؛ أو أن عملياتها سوف تقتصر على أفراد الجيش المصري، وأجهزة الدولة. كما تفعل المنظمة/ الأمّ، «داعش»، توجّب أن تفعل المنظمة/ الفرع: الترهيب العشوائي، بصرف النظر عن هوية الدين أو الإقليم أو الانتماء العقائدي؛ وتحريك الأهداف من محيط جغرافي إلى آخر، من العراق وسوريا إلى مصر وفلسطين مثلاً، لتخفيف الضغط هنا عن طريق تصعيد الضغط المضاد هناك؛ واستغلال مختلف المآزق الاجتماعية، والشقوق الطائفية، والنزاعات المحلية… على النحو الأكثر إرباكاً للسلطات المركزية، وأكثر توظيفاً للسخط الشعبي، واجتذاباً للمتطوعين والأنصار الجدد.
فإذا كانت هذه محض خلاصة منطقية، منتظَرة من هذه المنظمة الإرهابية، خاصة في نزوعها إلى إثارة النعرة الطائفية ضدّ أقباط مصر تحديداً؛ فإنّ ما بدا خلاصة لا تقلّ منطقاً، كما أنها لم تكن منتظَرة بنسبة أقلّ أيضاً، هي سلسلة ردود أفعال السلطات المصرية، ابتداء من رأس الهرم المتمثل في شخص عبد الفتاح السيسي، ومروراً بوسائل الإعلام الدائرة في فلك النظام، وليس انتهاء بحملات الأجهزة الأمنية التي امتطت واقعة الإرهاب في الكنيسة البطرسية لتقتنص الفرصة وتمارس المزيد من أعمال التنكيل والقمع.
وهذه، على وجه التحديد، هي ردود الأفعال التي تتغذى عليها المنظمات الإرهابية إجمالاً، و«داعش» وأفلاكها الفرعية بصفة خاصة؛ من خلال تكتيك بسيط وخبيث وعتيق: أن يشعل تنظيم «الدولة» اللهيب من شرارة أولى، ثمّ يترك للخصوم (وهم، في الغالبية، سلطات استبداد وفساد) أن يصبوا الزيت على اللهيب، ويتكفلوا بنقل اللظى إلى قطاعات أوسع، حيث تصبح العواقب أشدّ وطأة وأبعد أثراً. هذا فضلاً عن افتراض صحيح يشير إلى أنّ أيّ عمل إرهابي يطال مصر، اليوم، إنما يتكيء على الهوة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية التي تترسخ، وتتسع، بين الشعب المصري ونظام السيسي.
ومنذ الوهلة الأولى، كان جلياً أنّ السيسي، على رأس المؤسسة العسكرية وبعد إجراءات «تطهير» ضمنت استبعاد أي جنرال غير موالٍ، سوف يتابع سياسات القمع التي بدأها فور فراغه من تلاوة «خريطة الطريق»؛ هذه التي لم تكن، في حقيقتها الأولى كما في ترجماتها وتطبيقاتها اللاحقة، سوى صيغة ملطفة من «البيان رقم واحد»، الذي عوّدتنا عليه انقلابات العسكر في التاريخ العربي المعاصر.
من جانب آخر كانت بعض فئات المعارضة سعيدة بانقلاب العسكر، بل إنّ التوصيف اجوبه برفض مطلق، واعتُبر انقلاب السيسي استمراراً للثورة التي انطلقت من ميدان التحرير. كذلك ارتكبت هذه الفئات ترتكب خطأ جسيماً حين ظنت أنّ قهر الرأي وقمع حرّية التعبير وحظر النشاط السياسي هي الوسائل المثلى لمحاربة الإخوان المسلمين؛ إذْ أنّ التجارب لم تثبت سطحية هذا التقدير وخطورته فقط، بل برهنت على أنه ينتج نقيضه في نهاية المطاف، أي إتاحة الفرصة أمام الجماعة لحيازة صفة الضحية المضطهَدة من الجميع، واكتساب شعبية إضافية من خلف القضبان والزنازين. أسوأ من هذا وذاك، كان انتقال «أنصار بيت المقدس» من خلفية الحاضنة الإخوانية إلى المبايعة الداعشية هو المآل الجانبي، الكارثي، الذي خدم سياسات النظام في قمع تلك المعارضة إياها، أيضاً.
وهكذا فإنّ إرهاب مصر الراهن، وخاصة تلك العمليات التي لا تضرب أجهزة السلطة بقدر ما تستهدف الاجتماع المصري والسلم الأهلي، بُذر أولاً بأيدي أجهزة السيسي، وفي تربة الانقلاب والتصفيات والترهيب الأمني ومباذل الإعلام التابع ومساخر المحاكمات والإعدامات… وكان طبيعياً أن ينتهي بعض حصاده إلى أيدي «داعش»، في برّ مصر، قلبها مثل التخوم.

إرهاب مصر: زراعة السيسي وحصاد داعش

صبحي حديدي

مقالات سابقة