جدلية اللغة والإنسان

فاطمة الشيدي

Dec-17

يتفاعل الكثير من الكتّاب مع القضايا الساخنة التي ما أن تظهر على الساحة السياسية أو الاجتماعية، العربية منها أو الدولية، حتى يهرعوا لتدبيج المقالات السريعة للتعبير عن مواقفهم – الواضحة أو المترددة – منها، لإظهار حالة من التفاعل الثقافية والإنسانية التي ينبغي أن يكون عليها الكاتب المتابع كما يعتقدون. سواء كانت تلك الكتابات عبر الصحف الورقية والرقمية أو حتى عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وحين تنظر إلى هذه الكتابات التي تنثال بين قضية وأخرى نظرة تأمل وتحليل وتدقيق، تجد أن هناك جدلية قديمة بين اللغة والإنسان لم تحسم بعد، وقد لا تحسم يوما، فهناك هوة معرفية واسعة بين الكاتب والنص، وفجوة عميقة بين الكلمة والضمير. فالكثير من هؤلاء الكتاب تحرّكهم للكتابة غايات بعيدة أو قريبة؛ كالمال والشهرة والمنصب أو المجاملة والتزلف، أو النيل من فئة أو من شخص أو من فكرة، أو حتى عقدة نفسية محكمة القبض على الوعي أو اللاوعي، ومنهم من يكتب من أجل لقمة العيش، وبالتالي يعبّر عن فكر مؤسسة أو مسؤول أو دولة يعيش فيها، فلا منهج خاصا له فيما يكتب، والقليل منهم فقط يكتب من وحي الضمير والوعي وحب المعرفة، أو لواجب الكتابة وشرفها. ولذا تجد كاتبا باسم العدل يدين الإنسان ويمتدح الديكتاتور في حين أن الحقيقة واضحة إلا لمن يرغب أن يخفي الشمس بالغربال، وهناك كاتب يتحدث عن النسوية وهو ذكوري حتى النخاع، وهناك كاتب يحتمي باسمه الكبير ليدس لنا الكثير من الترّهات أو التشوهات الأخلاقية والفكرية، وهناك كاتب يبني اسمه متسلقا على كل ما يتيح له الوصول من الجدران والأكتاف والسيقان.
وبالتالي تتجلى تلك الجدلية العميقة والجارحة بين الإنسان واللغة، أو بين الكاتب والنص فلا يمكنك أن تحكم على مستوى النص من عمق الكاتب وفكره وإنسانيته الخاصة التي تعرفها أو سمعت عنها فقط، كما لا يمكنك الحكم على عمق الكاتب وموضوعيته وفكره ووعيه والتزامه من نصوصه وكتاباته مهما قرأت له وتتبعت ما يكتب وربما حفظته.
بل وكثيرا ما نصدم من كاتب أحببنا نصوصه وآمنا بها زمنا، بعد معرفته الشخصية أو بعد موقف من مواقفه الصادمة لوضاعتها، كأن يقف منحازا لسلطة ما بعيدا عن إنسانه طمعا ورغبة، أو خوفا وتحرّزا، وقد نردد في دواخلنا (أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه)، كما أنه يحدث كثيرا أن نعود إلى نصوص كاتب ما بعد أول تماس حقيقي بيننا، أو بعد موقف إنساني رفيع له، فنبحث عن كتبه، ونقتني منها ما يزيدنا احتراما وتقديرا لإنسانيته ووعيه.
ومن هنا ظهرت مسميات المثقف وأشكاله كالمثقف الملتزم، والمثقف الاجتماعي، والمثقف العضوي الذي لعله حالة نادرة جدا في ثقافتنا العربية، خاصة ذلك المتمتع بالوعي الراسخ والعمق المتين، والذي يركز على نقد جميع السلطات بوعي ومسؤولية وعشق للأرض والإنسان، وهو يدرك أن دوره في الحياة هو النقد والمماحكة، وعدم التسليم بالمطلق من الأشياء، فالنقد هو بداية الإصلاح، والخطوة الأساسية للتعديل والتطوير والمضي للأمام.
ولأن هذه الجدلية العميقة بين اللغة والإنسان، والكلمة والضمير قائمة، وربما تظل قائمة إلى الأبد؛ لانعدام القدرة على تفكيكها، أو وضع معايير واضحة ودقيقة للحكم بها، أو بيانها وتفنيدها بتوضيح قوة الحقيقة في النص، أو قوة الضمير في النص؛ فما علينا إلا أن نعتمد التفريق بين النص وكاتبه، فلا نؤخذ بالأسماء والألقاب بل نحتكم إلى عمق النص وقيمته الذي يعكس جوهر الإنسان ووعيه، مهما كان حضور الكاتب وثقله وكتبه، فهوية النص هي تلك الروح الإنسانية السامقة التي يقدمها الكاتب بين يدي المتلقي حتى في كتابته الذاتية، تلك اللغة المأخوذة بالهموم الكبرى، عبر تجليات الإنسان البسيطة والعميقة، الداخلية الخارجية.
الإنسان/الكاتب المشغول في داخله، في أحزانه الخاصة، وفي أوجاعه الذاتية بمطلق الإنسانية وهمومها الكبرى كالفقر والجوع والخراب والحروب، ومجابهة الظلم والعنصرية، فتلك هي الهموم التي ينبغي أن تشكّل قضيّة الكاتب وهمه، وهوية نصه، وأن يقدمها متسلحا بالمحبة والتسامح والنبل غير المصنوع، والرفق وكل ما يتعلق بالإنسان من الخير والجمال والسلام. وبذلك يأتي النص ذاتيا ولا ذاتيا، ليعبر عن إنسانية منسوجة من لحم الكائن المهزوم، ومن لُحمة الإنسانية المسفوحة الدم في كل زمان ومكان، والتي تنسجنا بلغتها الأمومية من الصرخة وحتى الشهقة؛ حتى نصبح في كل تيهنا لا نبحث سوى عن حليبها الأزلي لنتكون بحزنها ورائحتها كائنات حقيقية متصلة الأواصر ومتحدة الأطر، وإن حدث وتبرأنا من أمومتها نصبح بلا رائحة ولا حقيقة ولا ثقافة ولا لغة.
هوية النص وروحه أن يأتي ممتزجا بين الداخل والخارج، وأن يكون فيه الضمير والكلمة وجهان لعملة واحدة، فيقدم حزن الإنسان الذي يتجاوز الذات للجمع وفرحه وعشقه وأمسه ويومه وغده، والأمنية الغاصة في روحه مع كل توحش وجبروت، ومع كل ظلم وقهر، ومع كل إبادة وموت، النص الضمير هو الذي يستحضر هزيمة الذات/الإنسان، ومعاناته، فتصبح ذات الكاتب ذاتا جمعية إنسانية، ينطلق عبرها في نصه من عجز الكائن وضعفه الإنساني أمام المد الحضاري المادي، ويفضح هزيمته أمام الآلة، وأمام الآخر، وأمام وحوش العصر بكل الأشكال والألوان، فيجسّد ويلات الحروب، ويعري قبح الدكتاتور، وظلم القوي، وضعف المستضعفين في الأرض، فبذلك فقط يكون النص إنسانا، ويكون نصا كونيا، وذا هوية.
وبالطبع ليس على الكاتب أن يتحوّل إلى نشرة أخبار أو كالة أنباء، وأن يجاري كل ما يحدث، فالكاتب ليس ما يكتب فقط، بل قد يكون ما يسكت عنه أحيانا، حين يكون الظلم أقوى من اللغة، وتكون اللغة أضعف وأوهن من التعبير عن البشاعة أو حتى عن الجمال، فتكون أبعاد الكاتب الإنسانية ووعيه وثقافته الراسخة – وقد خذلته (الأداة) اللغة في توصيل حقيقة جوهره الضمني – أكبر مما يكتب. وهناك تحضر إنسانيته بشكل أشد وضوحا عبر التزامه وواجبه الأخلاقي فنا أو نقلا أو صمتا وحزنا أو جسدا يتهاوى عبر الموت دفاعا عن شرف اللغة والإنسان معا، هناك حيث يتحد النص بالكاتب ولا تستطيع الأداة (اللغة أو غيرها من الأدوات) أن تكون أكثر بلاغة في تقديم الإنسان بصورته الحقيقية المكتملة والناضجة عبر الرسوخ في المعرفة والقيمة في الوعي، وهناك يكون التقدير المستحق – ألا وهو الخلود – نصيب النص والكاتب معا.
كاتبة عُمانية

جدلية اللغة والإنسان

فاطمة الشيدي