مبنية من الطين على ضفتي النيل: «طوابي أمدرمان» دفاعات جيش الثورة المهدية قبل أكثر من قرن

صلاح الدين مصطفى

Dec-17

الخرطوم ـ «القدس العربي»: الطوابي ومفردها طابية، من آثار الثورة المهدية في السودان ويزيد عمرها على قرن من الزمان وهي عبارة عن مواقع حصينة مبنية من الطين الجاف وكان يحتمي فيها قناصة جيش المهدي ومدفعيته لصد أي هجوم يأتي من جهة النيل وكانت تمثل خطوط الدفاع النهائية ضد الغزو الإنكليزي- المصري في عام 1899.

طوابي أمدرمان

وتوجد الطوابي في مدينة أمدرمان عاصمة الإمام المهدي، وهي أكبر مدينة في السودان، وتشكل الجزء الأكبر من ولاية الخرطوم عاصمة البلاد وتقع على طول الضفة الغربية لكل من نهر النيل والنيل الأبيض قبالة مدينة الخرطوم ومدينة الخرطوم بحري، وفيها العديد من آثار الثورة المهدية مثل قبة المهدي وبيت الخليفة وبوابة عبد القيوم.

قبالة النيل

وارتبطت الطوابي بمدينة أمدرمان حتى أن شاعرها الغنائي عبد الله محمد زين صاغ أغنية شهيرة أصبحت بمثابة النشيد القومي يقول فيها:»
«أنـا أم درمــــان ســـليلة النـــيل قسـمت الليـــل وبـنتَ صــــبـاح
أنـا الولــــدوني بـالتــــهليـــــل وهلـــت فــوقي غابــة رمــــــــاح
أنـا الطـابيـــة المقــــابلة النيـل وأنـا العـافيــة البشـــد الحيــــــل
وأنـا القُبـــة البتـــضـوي الليـل وتـهدي النـاس ســلام وأمــــان»

جدار ساتر

والطابية عبارة عن استحكامات عسكرية دفاعية وهجومية. وهي في الأصل بناء عسكري على شكل جدار ساتر مبني من الطوب والطين والحجارة، فيها فتحات تبعد كل فتحة عن الأخرى 92 سم تقريباً وتسمى «المزاقل» وتوجد فيها منصات للمدافع الموجودة في ذلك الزمان.

طابية فركة

وتقول الروايات التاريخية إن الطوابي كانت معروفة قبل مجيء جيوش محمد علي باشا إلى السودان وقبل الحكم التركي المصري، وبنيت حين ذاك قرب النيل، لكن أولى الطوابي التي بنيت في عهد المهدية كانت في منطقة فركة، حيث أمر بتشييدها الأمير عثمان أزرق لصد قوات الغزو الإنكليزي المصري في خواتيم القرن الماضي.

طوابي الحفير

وتوجد ثلاث طوابي في منطقة الحفير، شمالي السودان، أمر ببنائها محمد ود بشارة وكان لها الفضل في إعاقة تحرك جيش السر دار كتشنر الذي لم يتمكن من التفوق إلا بصعوبة بالغة بمساعدة المدفعية الضاربة لأسطول النهر، وكان ذلك في عام 1896م. وقد بنى الأمير يونس ود الدكيم لاحقاً طوابي في كل من جبرة، صحراء بيوضة والمتمة على ضفة نهر النيل.

طابية أمدرمان

وتعد طابية أمدرمان من أشهر الطوابي في البلاد، وقد استعملت في فترة حصار الخرطوم، وتقع شمال أبو سعد في أمدرمان، وبنيت على مرتفع من الأرض قبالة طابية المقرن وعلى بعد 500 متر من الشاطئ وهي المنطقة نفسها التي عسكر فيها الإمام المهدي عند حصار الخرطوم، وكان هنالك اتصال تلغرافي بين هذه الطابية والسراي في الخرطوم.

شمبات والحلفاية

وبعد زيادة حركة البواخر بين الخرطوم وشندي ازداد الاتصال بين المدينتين مما حدا بالإمام المهدي أن يأمر ببناء طابيتي شمبات والحلفاية لكي تتمكن قوات المهدية من إيقاف أو الحد من حركة البواخر، وقد بنيت ثلاث طوابي حول طوابي أمدرمان لزيادة الضغط عليها واشتهرت طوابي الموردة بالقرب من مقرن النيلين الأزرق والأبيض وأصبحت من أهم المزارات السياحية.

طوابي السبلوقة

أما بناء الطوابي في مضيق شلال السبلوقة، شمالي السودان، فقد تم بعد ازدياد أهمية تشييدها في عهد الخليفة عبدالله، خليفة الإمام المهدي على الدولة المهدية، إذ إنه ونسبة لقرار مجلس الشورى وبناء على اقتراح تقدم به الأميران إبراهيم الخليل وعثمان دقنة، وهما من أبرز قادة الثورة المهدية، صدر قرار من الخليفة عبدالله بتولي الأمير يعقوب ويوسف منصور مستشار المدفعية، الذي اهتم بتخطيط نظامها الدفاعي ومواقعها المناسبة، لذا تم بناء طابيتين عند المدخل الشمالي لمضيق شلال السبلوقة وما زالت بقايا أحداهما ترى على الضفة اليمني لنهر النيل.

17طابية على ستة أميال

وتمّ لاحقاً بناء 17 طابية في أمدرمان على طول ستة أميال حيث كانت كل طابيتين منها تحت اشراف أمير. وكان المسؤول في الضفة اليمني هو الأمير عيسى زكريا والضفة اليسرى الأمير سيد جمعة، وزودت بمدافع كروب ومدافع اوردي ومتراليوز ومدافع شركيبا.

أسماء القادة

تحمل كل طابية اسما ولها قائد، فهناك طابية بيت الأمانة تحت قيادة محمد عبدالله، وطابية السجن تحت قيادة ادريس الساير، وطابية بوابة عبد القيوم تحت قيادة عبد القيوم، وطابية الباب الكبير تحت قيادة الطريفي ربيع، وطابية سوق الصمغ تحت قيادة الطريفي ربيع، وطابية المواليد تحت قيادة الشريف حميدان، وطابية الشقير تحت قيادة حاج علي الدغيص، وطابية خور شمبات تحت قيادة البدر رجب، وطابية السرايا تحت قيادة الرشيد كرومة، وطابية المقرن، وطابيتا توتي الشمالية والجنوبية تحت قيادة علي عبد الجبار، وطابية شمبات تحت قيادة محمد فايت، وطابية الصبابي تحت قيادة عيسى زكريا.

فكرة متقدمة

ويقول الباحث محمد أبكر حسن وهو فنان تشكيلي، نحات، وباحث في آثار أمدرمان، إن فكرة الطوابي كانت «متقدمة في ذلك العهد وتنبئ عن أفكار حربية كبيرة في زمانها» ويضيف بأنها اكتسبت بُعدا حضاريا وتاريخا نسبة لأهميتها التاريخية وخلودها لقرون وقدرتها على الصمود في وجه الزمن.

عبقرية السودانيين

ويصف الطابية من حيث موقعها وبنائها ومكوناته ويقول:»بنيت الطوابي من الطين الذي يعرف لدى عامة السودانيين بـ(الجالوص) وكانت تبنى منه البيوت ويتم ترميمها سنويا بمادة مخمرة من روث البهائم، لكن الطريقة التي بنيت بها الطوابي تؤكد عبقرية السودانيين، حيث يتم تخمير الطين ويضرب على الأرض مرات ومرات ليتم طرد الغازات منه ثم يتماسك وُيعطي شكلا قابلا للتطبيق في قوالب عديدة».

تربة الرقيطا

ويضيف أبكر أن هذه الفكرة موجودة عند الأهالي وبنيت بواسطتها منازل ترقى لدرجة القصور بمعايير ذلك الزمان وتتكون من أكثر من طابق، وطريقة تكوين الطين تجعله ممتصا للصدمات وقابلا للتشكُّل. ويصف التربة المستعملة في البناء بالعديد من المميزات ويقول:»لقد استعملوا الرقيطا، وهي نوع من التربة معروف ومشهور وبصفتي نحاتا أعرفه تماما وينتج منه طين مقاوم للمطر وللإذابة وله قدرة على التصلب وحماية الجدران، ومع ذلك فهو مطاوع بشكل جيد أثناء البناء».

اختيار مقصود

وبالنسبة للموقع الجغرافي للطابية، يرى محمد أن الإختيار لم يكن صدفة، فجميع مواقع الطوابي مميزة عسكريا، واختيرت لها المناطق المرتفعة عن الضفتين وفي الوقت نفسه تكون مخفية للقادمين عبر النيل. ويضرب مثالا نموذجيا لذلك بطابية شمبات التي لا يمكن رؤيتها بسهولة وتعتبر درعا ناجحا ضد أي هجوم محتمل من مواعين عائمة في النيل.

غلبة السلاح الفتاك

ويرى أن هزيمة الثوار في خاتمة المطاف كانت لأسباب أقوى من قدرتهم ولسلوكهم وشجاعتهم التي جعلتهم لا يبدأون الهجوم ليلا رغم أنه السبيل المضمون لتكبيد العدو أكبر خسارة، لكنهم فضلوا ملاقاة العدو تحت الضوء، وكانت الغلبة للسلاح الحديث، وكتب المؤرخون أن ميزان القوة في تلك المعارك كان يميل للقوات الغازية بشكل كبير. إذ تتفوق على قوات المهدية في التدريب والعتاد والسلاح الناري.

معركة كرري

ويقول محمد أبكر: «قيمة الطوابي حاليا تكمن في وضعها الأثري حسب الفترة الزمنية التي شيّدت فيها، إضافة لتوثيقها لأهم معارك الثورة المهدية، وفي إمكان الأجيال الحديثة أن ترى وتتخيل الحرب من خلال هذه البنايات والفتحات الموجودة فيها والتي تتيح للرامي النظر للهدف وتحديده ولو توفر للثوار السلاح الكافي لهزموا الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس شر هزيمة».
وساهمت الطوابي في تعطيل العدو لفترة وتجمع الأنصار في أمدرمان ليبلغ عداد الجيش 60 ألف مقاتل. تقدم كتشنر حتى وصل أمدرمان وبدأ في قصفها وكان جنوده مزودين بالمدافع الرشاشة والاوتوماتكية الحديثة تدعمهم البواخر الحربية.
وأصاب القصف قبة المهدي باضرار كبيرة، وعسكر الجيش الغازي في شمال أمدرمان. وبعد صبح يوم 2 أيلول/سبتمبر 1898 زحف الأنصار باتجاه معسكرات الغزاة لتحصد الأسلحة الحديثة والتدريب العالي صفوفهم صفا صفا حتى انجلت المعركة عن خسائر فادحة للأنصار انسحب اثرها الخليفة جنوبا واحتل كتشنر الخرطوم وأمدرمان، وعرفت المعركة في السودان بمعركة كرري وعند الانكليز معركة أمدرمان.

إهمال في العصر الحديث

قد لا يخطر على بال أحد وهو يجلس في المقاعد الاسمنتية قبالة طابية الموردة أو غيرها من الطوابي أن في هذا المكان دارت معارك دامية قبل أكثر من قرن وروي تراب هذه المنطقة بدماء الشهداء. ويقول الصحافي المهتم بمجال الآثار أمير حسن، إن الإهمال طال هذه المواقع التاريخية والتي كان ينبغي أن تكون قبلة للسياح من السودانيين وغيرهم.
ويضيف في حديثه لـ»القدس العربي» أن ثقافة توظيف الآثار السياحية من الأشياء التي تبدو بعيدة جدا في بلادنا ويخص طابية الدباغة التي غطتها القمامة والشجيرات العشوائية بدلا من أن يكون ذلك المكان معدا بصورة جيدة لاستقطاب واستقبال الزوار والوفود السياحية، ويقول أنه لا يعتقد ان هذه الطابية مضمّنة في خريطة المواقع التي يجب زيارتها لنا أو للأجانب.
ويضيف أن الوضع يتشابه بصورة مذهلة في بوابة عبد القيوم وأيضا طابية الحتانة والشهيناب وكثير من المواقع التي كان من الممكن استثمارها بصورة جيدة حتى تغرينا والأجانب بالزيارة. ويرى ان التوظيف الرسمي لهذه المواقع يكاد يكون منعدما وذلك من خلال عدم الاهتمام بالجسم الأثري والبيئة التي تحيط .
ويقول أمير»: المواقع الأثرية التي توجد في السودان لا تحتاج إلى كثير جهد لجني ثمارها المادية، فالبنية التحتية موجودة وكلما نحتاج إليه هو الاهتمام بالبيئة المحيطة وجعلها جاذبة هذا بالإضافة إلى تاريخنا الذي نعتز به، فهل يمكن ان نتعامل مع هذا التاريخ بمثل هذه الطريقة؟».
ويصف الوضع بالغريب، حيث توجد كل مقومات السياحة في هذه المناطق وينقصها التنسيق والجدية ويزيد:»على سبيل المثال طابية الدباغة، هذه الطابية وغيرها من طوابي أمدرمان كانت مهمتها الأساسية هي صد بوارج العدو الآتي لفك الحصار عن الخرطوم فمن يصد عنها العدو الأكبر وهو الإهمال»!.

اختباء الطوابي

عبد العظيم محمد المكي وهو خبير سياحي، يرى أن الطوابي لا تجد الاهتمام الكافي من قبل الجهات التي تعمل في مجال السياحة، خاصة الطوابي المختبئة عن الأنظار، ويقول إن الوفود الأجنبية تأتي إلى السودان لتشاهد الطبيعة الجميلة والآثار القديمة على وجه الخصوص ومثل ما يحدث في كثير من الدول المجاورة، نقوم بإعداد برنامج سياحي بمواصفات خاصة يتضمن خريطة للمواقع التي يجب زيارتها.
ويضيف إن العديد من الشركات السياحية لا تتضمّن في برامجها مثل هذه المواقع، ويرى أن الامر ليس له علاقة بالامكانيات المادية بل يحتاج إلى قليل من الاهتمام والتوظيف الأمثل للمتاح من موارد بشرية ومادية. ويقول:»لا توجد استراحات رسمية والطرق غير معبدة، والأمر ببساطة يحتاج إلى صيانة دورية وزيارات متتالية لتفقد حال المواقع الأثرية والاهتمام بالظروف المحيطة بهذه المواقع حتى يتم استغلالها بالصورة التي تفيد الزوار وتفيد البلاد من الناحيتين المالية والمعرفية».
ويطالب الدولة بادخال السياحة ضمن الموارد التي ترفد الخزينة بالعملة الصعبة، ويقول إن الامر ليس ترفيها فقط، فهناك أمور يجب علينا وضعها في الاعتبار وفي مقدمتها أن هذا التاريخ سيكون عرضة للزوال إذا ظللنا نتعامل معه بهذا الشكل.

مبنية من الطين على ضفتي النيل: «طوابي أمدرمان» دفاعات جيش الثورة المهدية قبل أكثر من قرن

صلاح الدين مصطفى