لنذكرهم دائماً: في ذكرى رحيل الشاعر الحداثي الأهم بدر شاكر السياب

عبد الواحد لؤلؤة

Dec-17

هل يُستكثر على محبّي الثقافة والآداب أن يذكروا كبار الراحلين ولو مرة في العام في ذكرى ولادتهم، أو رحيلهم؟ أم أن موت الكثيرين هذه الأيام جعل موت الكبير الواحد خبراً لا يحرّك شهيّة صحافي أو مُخبر ينقله مادة مثيرة إلى جريدته، كما كان الأمر يوم لم يكن هناك ربيع عربي أو شتاء أعجمي، أو غير ذلك من مناسبات لم تعد تثير اهتماماً لدى غالبية القراء أو المشاهدين، لأن العواطف تبلّدت، والمشاعر تجمّدت، من هول ما رأت وما سمعت؟
لكن بعضاً من «الآخرين» يتذكر في سرّه ، ويذكره على استحياء، أن في هذا اليوم، أو هذا الشهر تمرّ ذكرى ميلاد أو وفاة الشاعر الفلاني، أو الروائي أو النحَّات أو الرسَّام، ممن لا تزال آثارهم ماثلة أمامنا، نعجب بها. وهذه نهاية اهتمامنا.
بمثل هذا التذكّر في السرّ، والإعلان على استحياء، يحضرني تاريخ 24/12/1964 ليلة عيد الميلاد في العالم المسيحي، ومقلّديه، لكنه ذكرى وفاة الشاعر العراقي الحداثي الأهم، بدر شاكر السيّاب، ومن المفارقة الكبرى، أيضاً، هي ذكرى ولادة شاعر كبير، كما قال عنه يومها أديب لبناني: بموته ولد لنا شاعر كبير.
ما الذي يمثله بدر لمحبّي الأدب والشعر العربي الحديث بخاصة؟ ميلاد في بيئة متواضعة، مثل كثير من كبار المبدعين، وموهبة فطرية لا دخل له في ظهورها، لكن له دخلاً في تنميتها وتطويرها. بداياته الأولى في «نظم» الشعر لا تختلف كثيراً عن أقرانه من شباب المدارس. لكن انتقاله من قرية جيكور في قضاء السيبة في جنوب البصرة الغافية تحت ظلال النخيل، إلى العاصمة بغداد ومحيط دار المعلمين العالية المائجة بالشعراء في عقد الخمسينات الذهبي… أتاح لتلك الموهبة أن تُزهر. هنا انفتح الشاعر رغماً عنه على عالم الكتب والثقافة والمثقفين، مما لم يتيسر له في قريته أو محيطه البصري غير وثيق الاتصال بقرى الجنوب. كان بدر مأخوذا بكل ما رأى وسمع. الحب الفطري صارت له نكهة جديدة. والثقافة صارت تعني تجاوز كتب التراث التي هي زاد أول سنتين له في قسم اللغة العربية. فلما تيسّر له الانتقال إلى قسم اللغات الأجنبية، وكان ذلك ممكناً في تلك الأيام، قضى سنتين تخرّج بعدهما بعطش لم يرتَوِ من الثقافة الأجنبية، التي لم يكن القسم يوفِّر الكثير منها على أية حال. لكن المكتبات وأصحاب الثقافة كانوا يزوِّدونه ويأخذون بيده إلى ما يريد، يعينه في ذلك معرفة محدودة باللغة الأجنبية، أجتهد في تطويرها بجهد محموم. فانفتح على الأساطير والرموز في الشعر العالمي، فراح يستخدمها في شعره بنهم جائع لا يخشى نتيجة ما يلتهم من أطايب الطعام أمامه.
تعلم بدر من بواكير شعر اليوت، ما دُعي بالأسلوب «الصوَري» حيث تتسلسل الصور دون إشارة إلى حدث أو حكاية، لكن الصورة توحي بالحدث أو الحكاية ومثل ذلك موجود في شعر التراث الذي لا يتجرد عن الحكاية أو الحدث. فراح بدر يفرط في استعمال الصور، لكنه لا ينسى الحكاية معها. في قصائد اليوت المبكِّرة بعنوان «مقدمات» 1917 نقرأ:
المساء الشتائي يهبط مستقراً
بروائح الشواء في الممرات.
الساعة السادسة.
النهايات المحترقة من نهارات مدخَّنة
والآن زخَّة عاصفة تغلِّف
المزَق المتَّسخة
لأوراق ذاوية حول قدميك
وجرائد من قطع أرض خاوية،
الزخّات تضرب
على ستائر تعتيم وأغطية مداخن مكسَّرة،
وفي زاوية الشارع
حصان عربة مستَوحِد ينفث البخار ويضرب بحوافره الأرض.

وبعده إضاءة المصابيح
أعجب بدر بتسلسل الصور، فقلدها في كثير من قصائد الخمسينات، لكنه لم يتنازل عن الأسلوب التراثي العربي بدمج الصور مع الأحداث أو التفسير. استهوت بدر الصورة في السطر الأخير المستقل، الذي لا يشير إلى «الفاعل» في فعل الإضاءة، فاستخدم الصورة نفسها في سياق محلي يتصادم مع أسطورة من «ثقافة» أجنبية، هي اسطورة «ميدوزا» الإغريقية».تفتحت أزاهر الدفلى» لا توحي بتفتح الأزهار البهيج، لأن الدفلى شجيرة توجد في المقابر، وفي هذا ما يوحي بالكثير. «أزاهر» جمع قلَّة، لأن الدفلى قليلة الأزهار، ضئيلتها، من حمراء نادراً وبيضاء غالباً، ولا تدوم في الحالين. مصابيح الطريق قليلة ضئيلة مثل ازاهر الدفلى وتشبيهها بعيون «ميدوزا» التي تحجِّر «عيون» من ينظر إلى شعرها الأفاعي صار «يفجِّر كل قلب بالضغينة» لأن الضغينة من «المومس العمياء» المنصبّة على المجتمع الذي دفعها إلى بؤسها هي الموضوع الرئيس في القصيدة وأزاهر المقابر هذه تبشِّر أهل بابل (العراق) بالحريق التوراتي، بسبب ما تسبّبوا فيه من بؤس للمجتمع الذي تصوره هذه البائسة. والقصيدة نشرت مستقلة عام 1954.
يستعمل بدر في هذه القصيدة ما لا يقل عن عشر من الاّساطير والإحالات الأدبية العربية والأجنبية، ومن القرآن الكريم، ويصرّ على وضع الهوامش ليفسِّر ويذكِّر القارئ بالحاجة للاحاطة بكل ذلك. ومن اليوت تعلَّم تضمين الأغاني، الطفولية أو الشعبية، كما في «جسر لندن يتهاوى، يتهاوى» أغنية الأطفال الإنكليز التي طوَّعها اليوت في «الأرض اليباب» لتشير إلى تهاوي الحضارة الأوروبية في عقابيل الحرب العالمية الأولى. ومثلها «اغنية الراب الشكسبيريهية» لكن المومس العمياء اسمها «سليمة» ويا للمفارقة، فجعلها بدر تندب حظها بأغنية عراقية شائعة: «سلَيمة، يا سلَيمة، نامت عيون الناس، قلبي شي ينيمة» فعدّل بدر عامية الأغنية إلى لغة فصيحة: نامت عيون الناس. آهِ.. فمن لقلبي كي ينيمه؟ ولم يترك الأغنية على عاميتها كما ترك اليوت «الشكسبيريهية». والإفراط في استخدام الأساطير والإحالات الذي اقتضى الإفراط في الهوامش هو من «أعراض» الجوع الثقافي عند الشاعر.
واستخدام الأساطير الأجنبية عند بدر يتميز بتطويع ما هو «أجنبي» إلى ما هو عربي أو محلي. وخير الأمثلة على ذلك قصيدته الكبرى «أنشودة المطر» تفتتح القصيدة بمشهد روميو يناجي الحبيبة جولييت وهي في شرفة قصرها وهو في الحديقة الأرضية، يخيم الخوف على العاشقين معاً، روميو يخشى ان يكتشف أهل جولييت أنه يناجي ابنتهم المحظورة عليه. وبدر يناجي إقبال زوجته ليودعها قبل الهرب بعيداً عن سلطة تلاحقه. وعينا إقبال خضراوان في خيال الشاعر، لأنهما غابتا نخيل ساعة السحر، او شرفتان راح ينأى عنهما القمر، لقرب انتهاء الليل وانبلاج الصباح الذي سيكشف «جريرة» الوداع والهرب. وخضرة العيون إشارة إلى أغنية (إيطالية أو اسبانية) شاعت في خمسينات بغداد، تتغزل بالعيون الخضر. لكن الشاعر جعلهما «غابتا نخيل» في صورة عراقية ـ بصرية إلى المدى. وتمتد الصورة في إطار محلي من المجذاف الذي يراقص الأضواء في نهر، ينقلنا من جولييت إلى إقبال.
وفي أواخر أيامه أصيب الشاعر بمرض اسمه «سلّ العظام» كما أخبرني (المرحوم) الدكتور علي كمال، الطبيب الفلسطيني العراقي المتخصص بالأمراض العصبية. وقد أثّر ذلك في توازنه ومشيته فصار يكتب قصائد من التفجّع المراسيمي، ينتظر الموت ليضع نهاية لحياة لم تعد حتى شبه طبيعية. كانت آخر مرة رأيت بدر فيها في أوائل عام 1958، وكان واقفا في «باص الأمانة» المزدحم يريد النزول في موقف «سيد سلطان علي» ولم يبدُ عليه أي مرض. قلت له إنني قد رجعت مؤخراً من بعثة إلى «هارفرد» وفي بوسطن جالية لبنانية إحداها تدير إذاعة بالعربية ساعة في اليوم فطلبوا مني حديثا عن الشعر العراقي، فقدمتُ مختارات من شعرك. ولم أستطع الاتصال بك للاستئذان. قال لا بأس، هناك ناشرون لم يدفعوا لي حتّى مستحقاتي، فأين تقصيرك أنت مما فعل الآخرون؟

لنذكرهم دائماً: في ذكرى رحيل الشاعر الحداثي الأهم بدر شاكر السياب

عبد الواحد لؤلؤة