السيسي يرفض التعليم الذي يدرب العقل على التفكير النقدي ويؤكد على نظام السمع والطاعة

حسام عبد البصير

Dec-14

القاهرة ـ «القدس العربي» : أمس الثلاثاء 13 ديسمبر/كانون الأول واصلت صحف مصر حزنها وألمها على ضحايا الكنيسة، الذين قتلوا في عملية وحشية لا تمت للانسانية بصلة ولا لدين بمنطق.
وعلى الرغم من إصدار جماعة الإخوان أكثر من بيان يبرئ ساحتها من استهداف الأقباط، الذين نعتتهم بأشقاء الوطن، وأكدت عدم مسؤولية كوادرها عن العمليات الإرهابية التي شهدتها البلاد خلال الفترة الأخيرة، إلا أن معظم الكتاب صبوا جام غضبهم نحو الجماعة وكوادرها، غير أن أصواتا اكثر رشداً وعقلاً، وإن كانت تعلن عن رأيها بحياء شديد، خشية أن ينالها من العقاب ما لا تستحقه، راحت تطالب بتوخي الحذر وعدم نشر الفتنة، وهو الأمر الذي أزعج أنصار السيسي، الذي ما إن يخرج من أزمة إلا وتلاحقه أزمات جديدة. ولعل عودة الإرهاب بتلك القوة تمثل التهديد الأبرز الذي يلاحق الرئيس الذي تعانق أحلامه سقف السماء بولاية رئاسية ثانية، فيما يبدو الواقع على الأرض شديد التعقيد، فالحوادث المتعاقبة تجعله مرشحاً للاستحواذ على لقب «رئيس في حالة خطر دائم». وفيما تنتشر الدموع والدماء على صفحات كافة الجرائد، يبدو من غير المقبول الحديث عن العديد من الأزمات الاقتصادية، وفي مقدمتها أزمة السكر، خاصة في ظل لحظات تحتسي فيها مصر عن بكرة ابيها القهوة سادة على أرواح من قضوا في الكنيسة، ومن قبلهم ضحايا الشرطة أمام مسجد السلام في الهرم، الذين سقطوا خلال ساعات العمل وإلى التفاصيل:

ليس بالعنف وحده نحيا

آثار تفجير الكنيسة اهتمام معظم الكتاب، غير أن فهمي هويدي في «الشروق» وضع يده على ملاحظة مهمة: «ففي الوقت الذي تواصل فيه الجماعات الإرهابية عملياتها دون توقف طوال السنوات الثلاث الأخيرة، فإننا نجد أن الأجهزة الأمنية مفتوحة الأعين عن آخرها في التعامل مع الناشطين، الذين يمنعون من السفر وتصادر أموالهم وتداهم مقراتهم وتراقب تعليقاتهم على صفحاتهم الإلكترونية، فضلا عن حواراتهم التلفزيونية، ثم إنها مطلقة اليد في التعامل الخشن مع المواطنين العاديين الذين تسوقهم المقادير إلى أقسام الشرطة لأي سبب، ثم يخرج بعضهم منها إلى المشرحة وليس إلى بيوتهم. وهي الحالات التي أصبحت تحتل مكانا ثابتا في صفحات الحوادث في الصحف اليومية. ويؤكد الكاتب أن أجواء الانفعال أفقدت كثيرين توازنهم، بحيث تعالت أصواتهم داعية إلى مواجهة العنف بالعنف، والإرهاب بالإرهاب. وهي الدعوة التي أطلقها أحد وزراء الداخلية في ثمانينيات القرن الماضي، وثبت فشلها لأنها صبت الزيت على النار، وأفرزت أجيالا جديدة من الإرهابيين لاتزال سلالتهم قائمة بيننا حتى الآن. مع ذلك فثمة فرق كبير بين أجواء الثمانينيات والأجواء الراهنة، ذلك أن حالة الاستقطاب والتشنج المجتمعي لم تكن بالصورة التي هي عليها الآن. فالدعوة آنذاك التي أطلقها الوزير المذكور لم تعبر عن سياسة الدولة، وإنما كانت مجرد وجهة نظر محدودة الأثر. أما في زماننا الذي تضاعفت فيه جرعات التعبئة، الأمر الذي أدى إلى تعميم الكراهية وتعميق الاستقطاب واتساع دائرة التشنج، فإن الدعوة صارت هتافا جرى الاحتفاء بترديد الجماهير له، وروجت له المنابر الإعلامية المقروءة والمرئية. إذ ما أن ذاع خبر التفجير حتى سمعنا أصواتا دعت إلى تنفيذ أحكام الإعدام المؤجلة، وإحالة جميع الباقين إلى المحاكم العسكرية، وتغليظ العقوبات والتوسع في إجراءات القمع، الشعار الذي تعلق به الجميع تلخص في كلمات ثلاث هي: المشانق هي الحل. في نظر هؤلاء فإن الأمر لم يكن في حاجة إلى تحقيق أو تحرٍ، لأن خطاب الشيطنة حسم المسألة من البداية».

لهذا غضب الأقباط

«لماذا كانت هذه الغضبة الكبيرة من المواطنين الأقباط ضد إعلام السلطة، ولماذا حاولوا الفتك لولا تدخل الشرطة وبعض الحرس الشخصي. لا يرى جمال سلطان رئيس تحرير «المصريون» أن لميس الحديدي أو أحمد موسى أو غيرهما هم ممن يؤخذ عليهم الإساءة للأقباط، بحيث يمكن تصور أن هناك غضبا شخصيا من ممارساتهما ضد الأقباط ومصالحهم وهمومهم، بل كلاهما ممن يتعاملون بحذر شديد في هذا الموضوع، وبمجاملات مشروعة أيضا في الحديث عن شؤونهم، ولذلك من المستبعد تماما أن يكون الغضب الذي صبه الأقباط عليهما كان لأسباب شخصية، وإنما هي لأسباب عامة، غضب أوسع بكثير من الإعلام نفسه، وإن شئنا الصراحة والدقة هو غضب ضد السلطة نفسها، والإعلام الموالي لها هو مجرد رمز للسلطة، تماما مثلما حدث من بعض الغاضبين عندما اشتبكوا مع بعض رجال الشرطة في المنطقة، رغم أنهم موجودون لحمايتهم وحفظ الأمن في محيط الأحداث. فالغضب لم يكن ضد رجل الأمن نفسه، وإنما ضد السلطة ورمزيتها في الحقيقة. غضب الأقباط الذي جرى أمس وتفجر في وجه إعلام السلطة كانت له رمزية سياسية مهمة، فهو لم يكن غضبا طائفيا، وإنما غضب سياسي وطني مشروع، شعور مصري بالظلم والقهر والاستهتار وتقصير السلطة نفسها في القيام بدورها الأساسي في حماية المواطن وتأمين الوطن بما فيه دور العبادة، خاصة في أيام الأعياد والاحتفالات المهمة».

الشرطة مشغولة بالناشطين

تتعرض وزارة الداخلية لمزيد من الانتقاد بسبب تراخيها في حماية الكنائس في مقابل ملاحقة ناشطين سلميين، وهو الأمر الذي اهتم به في «المصري اليوم» محمد أبو الغار: «مصر بلد كبير ومزدحم ومن الصعوبة السيطرة على الأمن فيه، ولكن هناك طرقا وهناك وسائل لابد من اتباعها ولم تُتبع. أعتقد أن الشرطة المصرية مدربة على طريقة معينة تخطاها الزمن. ربما تكون وسائل التكنولوجيا متوفرة ولكنها لا تُستخدم، وربما لا يوجد تدريب كاف عليها، وبالتأكيد أن بروتوكولات الأمن والأمان لا تُتبع بدقة من الشرطة. إعادة التدريب والتزام الشرطة ومعاقبة من لا يتبع التعليمات بدقة، أمر أساسي لتشجيع الأداء المنضبط، فالضابط الذي يسير بسيارته عكس الاتجاه مخرجاً لسانه للجميع هو ضابط مهمل وغير منضبط في حماية أمن الوطن. ويرى أبو الغار أن الأجهزة الاستخباراتية في مصر لا تعمل بالكفاءة المطلوبة لأن تكرار الحوادث ينم عن وجود شبكات مجهزة وتعمل بكفاءة، فحين قُتل مسؤول الجناح العسكرى للإخوان تلاه مقتل ضابط جيش كبير أمام منزله، ويبدو أن تأكيد حكم النقض بإعدام حبارة كان عقابه هو ضرب البطرسية. يجب تحديث وتنظيم الأجهزة الإلكترونية وتفعيلها. يبدو أن الشرطة مشغولة بمراقبة مجموعة الناشطين المدنيين في مجالات حقوق الإنسان أو الحريات العامة أو حرية التعبير والصحافة، بكفاءة شديدة، على الرغم من أن هؤلاء جميعاً مسالمون. لو ركزنا على مشتبهي الإرهاب وتوسعنا في مراقبة هؤلاء بطرق أكثر كفاءة لكان أفيد لنا كثيراً. حرب العصابات في العالم كله صعبة، والجيوش التقليدية عندها صعوبات في هذا النوع من الحرب، فالأمريكان وقبلهم الفرنسيون فشلوا في حروب الهند الصينية. ويشير الكاتب إلى أن وجود أعداد كبيرة من المدنيين يعيش بينهم الإرهابيون في سيناء مشكلة كبيرة».

«الإرهابي يرفع إيده»

«محمود شفيق محمد مصطفى مواليد 10 أكتوبر/تشرين الأول 1994 يبلغ من العمر 22 عامًا.. صورة لشاب ممزق الجسد، رأس فجرته أفكار ناسفة قبل أن ينفجر بفعل الحزام الناسف.. بقايا جسد محترق وأشلاء بشرية متناثرة في محيط الكنيسة البطرسية، ظن صاحبها أنه يسلك طريقًا إلى الجنة مفروشًا بدماء 23 شهيدًا و50 مصابًا من ضحايا الحادث. من صنع أفكار هذا الشاب الناسفة؟ تتساءل زينب عبد اللاه في «اليوم السابع»، وكيف سيطرت هذه الأفكار على عقل شاب في مثل عمره، حتى اعتقد بأنه يقدم قربانًا إلى السماء حين يذبح سيدات وأطفالا يصلون داخل كنيسة؟ كم شابًا يعيش بيننا يحمل الأفكار الناسفة نفسها، يقف على شفا حفرة من النار معتقدًا أنه يطرق باب الجنة، وأن دماء أبناء وطنه هي تأشيرة دخوله إليها؟ كم رأسًا تشبه رأس محمود ويمثل صاحبها مشروعًا انتحاريًا في كنيسة أو كمين أو حتى مسجد لأنه اعتقد أن رواده كفار لا يعرفون الله وأنه هو فقط ومن عبأ رأسه بتلك الأفكار يحملون صكوك الجنة ولن يدخلها غيرهم؟ تشبع محمود وغيره بأفكار إرهابيين يطلقون على أنفسهم لقب مشايخ، ويعملون في غفلة من المؤسسات الدينية الرسمية، يعبئون رؤوس الشباب بفتاوى مشوهة ترى أن المسيحى كافر، ولا يجوز تهنئته في عيده، ولا يمكن أن يكون شهيدًا، وأن قتله جهاد في سبيل الله، ودماؤه صك لدخول الجنة.. تلك الأفكار التي لم تستطع المؤسسات الدينية الوسطية في مصر أن تمحوها وتنتصر عليها، بإظهار سماحة الدين وحقيقة الإسلام ونظرته لغير المسلمين، لأنها انشغلت بقضايا أخرى ولم تصل بعد إلى طريق وطريقة تقربها من الشباب فيصدقونها».

العراف

نفى الدكتور يحيى القزاز – الأستاذ في كلية العلوم – إمكانية ظهور تحليل الحامض النووي DNA لأي شخص في مدة 24 ساعة، مؤكدًا صعوبة تحقق الرواية الرسمية التي قال إنها أجرت تحليل DNA وتعرفت على هوية الانتحاري الذي فجر الكنيسة البطرسية. وقال القزاز، وفق ما نقلته صحيفة «المصريون»، في تدوينة عبر حسابه على «فيسبوك»: «كيف اكتشف العراف شخصية الإرهابي؟». مضيفًا: «يمكن معرفة شخصية القتيل المشوهة جثته ومطموسة معالمها (سواء كان إرهابيا أو قتيلا عاديا) من خلال تحليل الـDNA وهذا التحليل يستغرق أسبوعا حتى تظهر نتائجه، لأن الجينات لازم تأخذ وقتها حتى يظهر تتابع وتسلسل الجينات.. لكن العراف قام بضرب الودع وعرف شخصية الإرهابي في أقل من 24 ساعة.. شفتوا الفرق بين العراف والعلم؟». وأضاف: «العراف أسرع علشان قلبه على أهله وعاوز يعرف الحقيقة ويروح يقف بينهم وبضحك عليهم ويقلهم ماكانش ممكن آجي من غير ما أجيب ابن الهرمة القاتل معايا. أما العلم مالوش لا قلب ولا أهل ولا مصلحة علشان كده بيتأخر» حسب تعبيره.

وشهد شاهد عليم

علق المرشح الرئاسي والمحامي والناشط الحقوقي خالد علي على خبر منشور في صحيفة «الأهرام» القومية يحمل تصريحات للدكتور هشام عبد الحميد – رئيس مصلحة الطب الشرعي – مؤكدًا على أن تصريحاته «نسفت الرواية الأمنية». وقال علي في تدوينة عبر حسابه في على «فيسبوك»: «تصريحات الدكتور هشام عبد الحميد مدير مصلحة الطب الشرعي، وكبير الأطباءالشرعيين، لجريدة «الأهرام» تنسف الرواية الأمنية التي أعلنت اليوم، وهو الخبير الفني الأول في هذا الأمر ، وهو الذي يشرف على عمليات التشريح وجمع الأشلاء، ويقدم وصفا لمسرح الجريمة في علاقاته بالتفجير، ونوع المواد التفجيرية المستخدمة، وطريقة استخدامها، حيث ذكر التالي: أنه يستبعد أن يكون التفجير عملية انتحارية أو بحزام ناسف، ويرى أن التفجير تم بطريقة تصاعدية من أسفل إلى أعلى، ويؤكد أن التفجير تم عن بعد، وأن الجاني الإرهابي وضع المتفجرات أسفل مقعدين في الجانب الذي تجلس فيه النساء ولاذ بالفرار وبعدها وقع التفجير».

لا تظلموا الأبرياء

بالتأكيد لا حديث في سائر الصحف سوى عن التفجيرين الأول كان أمام مسجد السلام في الهرم والثاني في محيط البطريركية الأرثوذكسية، وجاء الدور على عبد الناصر سلامة، الذي يتحلى بقدر كبير من الشجاعة تجعله يطالب بتحري عدم توريط الأبرياء وفقاً لـ»المصري اليوم»: «ليس من المقبول أبداً التسليم بحفظ القضية، أو حتى تلفيقها لأي تنظيم حقيقي أو وهمي، عدم تحديد الفاعل أيها السادة يجعلنا عرضة طوال الوقت لسفك المزيد من الدماء، الفاعل في هذه وتلك يخطط فوراً لجرائم جديدة، ولم لا، مادامت الأجهزة الأمنية المختصة ليست على مستوى الأحداث. قد تكون التنظيمات التي تعلن مسؤوليتها وهمية، وقد تكون حقيقية، هذه هي مسؤولية أجهزة الأمن، ليست مسؤولية معتادي الإفتاء، ولا أصحاب بيانات الشجب والاستنكار، ولا حتى محترفي الردح في برامج الليل وآخره، المعروفة بـ«التوك شو». المعلومات الأولية أشارت إلى أن هناك قصوراً أمنياً في العمليتين، في الأولى كان يجب أن تقوم الكلاب البوليسية بتمشيط موقع الكمين قبل بدء الانتشار، إلا أن ذلك لم يحدث. في العملية الثانــــية هناك بوابات إلكترونية يجب أن تكشف عما في الحقائب الصغيرة، ما بالنا بعــــبوة ناسفة من الوزن الثقـــيل، في الأولى يجب أن تكون هناك أجهــــزة لكشــف المتفجرات، ناهيك عن أن كل المتواجدين من رجال الأمن، الذين يجب أن يكونــــوا على دراية بمثل هذه الإجراءات، في الثانــــية هناك كل الاستعدادات الأمنية، من كلاب بوليسية، وكاميرات تصوير، وأجهــــزة إلكـــترونية، وتفتيش ذاتي، إلى غير ذلك من سلسلة معقدة، ومتعددة الإجراءات، أم أن الأمر كان يستحق الاستعانة بشارلوك هولمز؟ إذا كان هناك في الغرب من هم على قيد الحياة من أمثاله، وبالتأكيد هناك، أرى أن الأمر كان يستحق الاستعانة بسحرة أفريقيا، وعرافي آسيا، وخبراء أوروبا، وتكنولوجيا الولايات المتحدة، الأمر بالفعل يستحق إذا كانت هناك إرادة لتحديد الفاعل في الجريمتين».

المستهدف معسكر السيسي

ونتحول لوجهة نظر مختلفة في جريمة الكنيسة، حيث أكد الكاتب والمفكر القبطي كمال زاخر في «الوطن» ، على أن: «حادث تفجير الكنيسة البطرسية جاء كاشفًا لحالة استهداف واضحة من تيار الإسلام السياسي لواحد من المحاور الأساسية في تحالف قوى 30 يونيو/حزيران بين الأقباط والسيسي، الذي فرض نفسه على المشهد، وأصبح بموجبه الأقباط رقما أساسيا في المعادلة السياسية. هذا الحادث لا يمكن أن يكون بتخطيط فردي أو جماعة، وإنما هناك خيوط تتصل بأجهزة مخابرات إقليمية ودولية، حسب وصفه. وشدد منسق جبهة «العلمانيون الأقباط» على أن المواجهة ينبغي أن تستند إلى رؤية شاملة تبدأ من إصلاح منظومة التعليم بشقيه العام والديني، وإصلاح ما تعانيه المناهج التعليمية، لاسيما الأزهرية منها، من خلل ما، دون أن يكون هذا يعني الإقلال من مكانه مؤسسة الأزهر الشريف وقيمته الدينية، على حد تعبيره».
الحل في الديمقراطية

«من المهم طبعا أن نعرف كما يشير محمد عصمت مدير تحرير «الشروق» كيفية دخول 12 كيلوغراما من المتفجرات وسط المصلين، رغم الحراسة المشددة حول كاتدرائية العباسية، وما هي الجهة أو التنظيم المتطرف الذي نفذ العملية؟ وهل تورطت إحدى «المسيحيات» فيها ونجحت بمتفجراتها في اختراق الحواجز الأمنية؟
وهل ما حدث فصل جديد من «المؤامرة الدولية» المنصوبة لنا، كما تقول السلطة في مصر؟ وما هي بالتحديد هذه الدول التي تتآمر علينا؟ وهل صحيح فعلا أن هذا الهدف هو إسقاط الدولة المصرية، ثم تقسيم مصر مثلا لعدة دويلات؟ لكن الأهم من كل ذلك، هو أن ندرك أن البنيان السياسي المصري كله يعاني من تشوهات مزمنة تمنعنا من حل مشاكلنا الحقيقية، وأن ندرك أيضا أن عقليتنا القديمة في إدارة شؤوننا السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى الثقافية، قد عفى عليها الزمن، حيث لم يعد ممكنا الآن أن تتحرك كل أجهزتنا القومية بناء على «تعليمات عليا»، أو بناء على تصورات تضعها ما يسمى بـ«الأجهزة العليا»، أو طبقا لاستراتيجات يتم وضعها في الغرف المغلقة دون أن تخضع لمناقشات مجتمعية حرة وديمقراطية. تأميم العمل السياسي، وتضييق المجال العام، وإفقار الناس بسياسات السوق المفتوح والخصخصة، وخنق أرواح الملايين في دوامة الأزمات المعيشية المستعصية، هو الوقود الحقيقي للإرهاب، وهو الذي يفتح الأبواب أمام الشباب للبحث عن العنف كطريق مقدس للخلاص.. حينما نطلق يد الأجهزة الأمنية بداية من تشكيل البرلمان، مرورا بمحاولات السيطرة على الأحزاب والنقابات، نهاية بترقية أساتذة الجامعات وانتخابات اتحادات الطلاب، فسوف يكون من العبث الحديث عن تجديد الخطاب الديني، وعن تحديث الثقافة المصرية والعقل المصري، فالمقدمات الأمنية غير الديمقراطية لن تعطي أبدا نتائج صحيحة».

تكميم الأفواه إلى حين

وليس ببعيد عن الأزمة ما كتبه ياسر عبد العزيز في «الوطن»: «يقتضى الإنصاف القول إن معظم دول العالم، سواء كانت متقدمة أو متخلفة، تعرف ضغوطاً على وسائل الإعلام في ظل وقوع الأحداث الإرهابية.إن هذا الأمر يحدث في الولايات المتحدة، التي أقرت قوانين سيئة السمعة تحت هول صدمة تفجيرات منهاتن 2001، كما حدث في بريطانيا وفرنسا وبعض الدول الإسكندنافية التي ضربتها العمليات الإرهابية. يتأثر مفهوم حرية الرأي والتعبير في أجواء التهديدات الإرهابية وعند اندلاع الحروب والأزمات الحادة، لكن حدود ذلك التأثير يجب أن تظل مقبولة. يقتضى الإنصاف أيضاً الإقرار بأن مجتمعنا يشهد انفلاتاً إعلامياً واسعاً، وأن الأداء المهني في مجال الصحافة والإعلام يتراجع باطراد، في ظل مخالفات صارخة يتم ارتكابها كل يوم تقريباً على صفحات الصحف وشاشات التلفزيونات وأثير الإذاعات، لكن تلك الانفلاتات تقع نتيجة لعوامل عدة، على رأسها إحجام الدولة عن القيام بدورها في تنظيم المجال الإعلامي، كما أن تلك الانفلاتات لا يمكن أن تبرر قمع الإعلام وإسكاته. والواقع أن المرء كان يحتار حقاً ويطرح السؤال باستمرار: لماذا لا يتحدث أحد إلى هؤلاء الذين يتجاوزون، فيعطون الذرائع لأصحاب الغرض في المنع والحظر والتكميم، ويبقوننا بلا حجج ندافع بها عن الهوامش المكتسبة في مجال الحريات الإعلامية؟ نحن نفهم أن الواقع الإعلامي متراجع ومريض، لكن العلاج لا يأتي عبر المنع والقمع، بل عبر الإصلاح والتقويم، وفي الوقت الذي نقدر فيه المخاطر الكبيرة التي يفرضها التحدي الإرهابي والاستهداف الإقليمي والدولي، في ظل ظرف سياسي واقتصادي واجتماعي صعب، نعرف كذلك أن الإعلام الحر المنفتح المسؤول يمكن أن يكون ظهيراً للدولة في تلك المعارك».

وطن بلا ملامح

ونتحول لنقد الرئيس على يد حازم حسني في «التحرير»: «كلام الرئيس عن التعليم يحمل معنى واحدا هو أن التعليم الوحيد الذي يستحق صفة التعليم هو التعليم العسكري، الذي ينتج لنا عقولاً تسمع وتطيع، باعتبار أن السمع والطاعة هي علامة انضباط العقل الذي يتحرر من آفة النقد وآفة طرح الأسئلة، وآفة الفهم والعياذ بالله! فأصحاب مثل هذه العقول المتحررة من كل هذه الآفات يكونون مواطنين صالحين بلا إرادة يمكن أن تثور على أوضاع فاسدة ضيعت الوطن، الذي وصفه رئيس الدولة المسؤول عنه بأنه «وطن ضائع» بعد أن كان قد وصف الدولة بأنها شبه دولة. هكذا يستكمل السيسي مسار إضاعة مصر بثقافته التي لا ترى استقرار الأوطان إلا في رفض نماذج التعليم التي تدرب العقل على التفكير النقدي، كما تستنهض غيره من أنماط التفكير التي يمكن أن تقود إلى ثورة على فساد نظام سياسي فاحت رائحته، أو إلى مساءلة «المسؤولين» عن هذا الفساد، ناهينا عن محاكمتهم على جريمتهم.
يتصور سيادته – بحكمته التي يختال بها علينا في كل مناسبة – أن التعليم يكون فاسداً إن هو لم يمنع الثورة على النظم القائمة، لكنه لم يتصور أن النظام هو الذي يكون فاسداً إن هو لم يترك للمواطنين سبيلاً لإصلاح حياتهم إلا بالثورة عليه، علها تكون المرة الأولى في تاريخ الإنسانية التي ينتحر فيها رئيس دولة بكل هذا الإصرار على تجاهل دروس التاريخ بهذا الطرح لرؤيته لقضية التعليم، وعلى معاندة قوانين التقدم والتطور الإنساني بهذا المستوى من التفكير الذي لا يعرف أن إصلاح نظام الحكم والنظام السياسي هو شرط استقرار الدول، وأن إحدى علامات صلاح نظم الحكم هي التعليم الجيد الذي يحرر عقول المواطنين وإراداتهم».

كان خلقه القرآن

وبمناسبة المولد النبوي الشريف اهتم عدد من الكتاب بالسيرة العطرة لأشرف الخلق فكتب حامد شعبان في «الأهرام»: «عندما سئلت السيدة عائشة، رضي الله عنها عن خلقه، قالت كان خلقه القرآن، ومعنى ذلك أن سيد المرسلين حاز أعلى مراتب الخلق والهداية، وأن خلقه أسعد البشرية كلها، خط آثاره في حياة الناس، وصبغها بصبغة الهدى والاستقامة، وحررها من كل ما يعوق الإيمان أو يحجب نوره وسناه. إن أخلاق القرآن جعلت رسول الإنسانية يتسلح بكتاب مبين «لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد»، واستطاع بفضل وعون ربه أن يتمم مكارم الأخلاق، ويهدي إلى الرشد، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويتمسك بالعدل والمساواة والرحمة والبر والأمانة، ويغير الدنيا، ويمنح الإنسانية أعظم هدايا البعثة المحمدية، وأكرم نفحات العناية الإلهية، ويخلص الناس من كل وجوه الخوف والوهن والشر، ويحقق كل صور الخير والأمن والصون، ومن الكتاب المبين جمع كل معالم العظمة، وكل شارات الكمال، وهل هناك أفضل وأعظم من التخلق بأخلاق الكتاب المجيد، وربط حياة المؤمنين وسلوكهم بربهم، والتشبث بالعمل الصالح الذي يحبه ويرضاه؟ والحق أن المنهج النبوي في الأخلاق، لا نظير له، لأنه من رب العالمين، حافل بسمو الروح، وطهر النفس، ومحاط بإيمان قوى مبين، ومصان بثماره اليانعة، وظلاله الوارفة، حيث يلوذ بالقدوة العملية الجليلة التي تمثلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلقه العظيم، الذي كون خير أمة أخرجت للناس، بشهادة القرآن المجيد الذي قال «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله». إن هذا المنهج الرشيد يقرر في وضوح أن العقيدة الصحيحة لا تكون بغير خلق، ولذلك كانت العبادات التي شرعت في الإسلام والمعاملات دعوة إلى الالتزام بالخلق الحسن، والنأي عن الفحشاء والمنكر».

إمسك.. خطيب

ونتحول نحو الكتاب الساخرين حيث محمد حلمي في «المصريون» يسخر من الخطبة الموحدة وتأميم وزير الأوقاف للمساجد كي لا تخرج عن النهج المرسوم لها: «بلاغ إلى من يهمه الأمر.. خطباء الأوقاف الذين يحظون بثقة الوزارة والأمن وكل الجهات المعنية، اتضح أنهم لا أمان لهم، إذ يسيئون للدولة وللإعلام عن عمد. صحيح إنهم ملتزمون بموضوع الخطبة المفروض من الوزارة، لكن حسب ما سمعته أنا شخصيا، في الخطبة الثانية يزلزلون المنابر وجدران المساجد، إذ تنتفخ عروق رقابهم وهم يرفعون عقيرتهم بالدعاء: اللهم من أراد الإسلام بسوء خُذْه أخْذَ عزيز مقتدر.. بيد أن المشكلة ليست في هؤلاء الخطباء، وإنما في المصلين الأنذال قليلي الأصل منكري المعروف، الذين يصيحون بكل قوة وحُرْقة قائلين آمييييين.. اللهم بلغت اللهم فاشهد».

«معركتي مع السلفيين مستمرة»

«مع سبق «الإنذار» والترصد راح الباحث المفرج عنه بعفو رئاسى مؤخراً إسلام البحيرى يوزع تهديداته وفق ما يرى مصطفى عبد الرازق في «الوفد» ما بين الأزهر والأوقاف، ومن سماهم الإسلاميين ويتوعدهم بسوء المصير. موزعاً حواراته ما بين الفضائيات والصحف راح البحيري يعبر عن رغبته في الانتقام ممن يتصور أنهم ألحقوا به الأذى، على نحو يذكرك بفيلم «أمير الانتقام» لأنور وجدي ونسخته الأحدث «دائرة الانتقام» لنور الشريف.. حيث يقول بحيري: «معركتي مع السلفيين مستمرة ولن أتركهم أبداً»، «لو عرف الإسلاميون ما بي الآن لندموا»، «اللي هيقول بيزدري الأديان هسجنه». حين تابعت ما تفوه به بحيري تذكرت التحليل الذي يقدمه البعض لمسيرة سيد قطب، من أن تجربة السجن ألقت عليه بظلالها فدفعته في الاتجاه الأكثر تشدداً، وحولته إلى مزيد من النقمة على المجتمع، وكذلك الأمر مع بحيري، وإن كان في الاتجاه المخالف لقطب، حيث زادت تجربة السجن، من نقمته على الإسلام الذي تمثله المؤسسات المشار إليها، فيما دفعته بشكل أكثر نحو الفضاء غير الإسلامي. بحيري لن يمثل ذرة في ما واجهة الإسلام على مدار تاريخه من خصومة، سواء ممن كانوا من بين أبنائه أو من بين أعدائه. غير أن المشكلة في المنهج الذي يتبعه البحيري لتوصيل أفكاره.. هو ما يجعل المرء يحاول أن يؤكد له أنه ما هكذا تورد الإبل يا بحيري.. على رسلك.. الهوينا.. أو بالعامية المصرية: مش كده».

كيف فاز ترامب؟

يبدو أننا سنظل في حضرة ترامب طويلاً فلا زال السؤال بشأنه يبحث عن إجابة وهو ما اهتم به في «الأهرام» محمد سعيد إدريس: «ما الذي حدث في أمريكا؟ هل ما حدث كان مجرد تصويت انتخابي على شخص مرشحين، أحدهما يمثل الحزب الديمقراطي والآخر يمثل الحزب الجمهوري؟ أم أن التصويت كان على أشياء أخرى أكثر أهمية؟ أما السؤال الأهم فهو: هل ما حدث يعتبر شأناً أمريكياً خالصاً؟ الإجابة على هذه الأسئلة تعيدنا مجدداً للبحث عن إجابة للسؤال المحوري: ما الذي حدث في أمريكا؟
هناك منظوران للإجابة عن هذا السؤال؛ الأول منظور طبقي ـ اجتماعي، والآخر منظور عرقي ـ عنصري، والمنظوران يكملان بعضهما بعضا، وهما يعتبران من أبرز نتائج ومخرجات موجة «العولمة النيوليبرالية» أي العولمة المرتبطة بنموذج الرأسمالية الليبرالية الجديدة، التي أخذت طابعاً «توحشياً» عقب انهيار النظام العالمي ثنائي القطبية وسقوط الاتحاد السوفييتي وتعامل الغرب الرأسمالي والأمريكي بالأخص مع هذا السقوط، باعتباره «انتصاراً نهائياً وتاريخياً للرأسمالية». بعدها جاء اجتياح موجة العولمة النيوليبرالية للعالم كله، وفرضت شروطها ومنظماتها وآلياتها على كل العالم، وعلى الأخص «اتفاقية الجات» التي فرضت حرية التجارة، ووضعت قيوداً على إرادات الدول وسياساتها الحمائية لاقتصادياتها وجعلت نفوذ الشركات الكبرى يتفوق على سلطات الدول من بين نتائج هذه العولمة المرتبطة بـ«النيوليبرالية» كان انتقال الصناعات الكبرى كثيفة العمالة من الولايات المتحدة وبلدان أوروبية إلى دول شرق آسيا، حيث العمالة الرخيصة، الأمر الذي أدى إلى انتشار البطالة في صفوف الملايين من العمال الأمريكيين والأوروبيين، كما أدى إلى إفقار الطبقة المتوسطة. كما أدت التداعيات الاقتصادية بعد عام 2008 إلى اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء».

السيسي يرفض التعليم الذي يدرب العقل على التفكير النقدي ويؤكد على نظام السمع والطاعة

حسام عبد البصير