عالم بلا خرائط

منصف الوهايبي

Dec-10

في آذار/مارس 2012 حضرت في بيروت ندوة «الشرق الأوسط ما بعد 2011: التحوّلات الجيوسياسيّة والاقتصادية والأمنيّة» التي نظّمها مركز البحوث والدراسات الاستراتيجيّة في الجيش اللبناني. كنت التونسيّ الوحيد الذي دُعيَ إلى هذا المؤتمر، لأدلي برأيي في «ثورة الياسمين» التونسيّة. ولم يكن ثمّة مسوّغ لدعوتي، سوى أنّي ـ كما ذكر لي بعض أصدقائي اللبنانيّين الذين اقترحوا اسمي ـ كنت منذ استشهاد البوعزيزي، وانتخاب المجلس التأسيسي في انتخابات ديمقراطيّة ـ أكتب باستمرار منبّها مثل غيري إلى الأخطار التي تتهدّد هذا الانتقال الديمقراطي الذي لم يتوقّعه أحد. أقول هذا بالرغم من أنّني كنت أوّل من استعمل هذه التسمية «ثورة الياسمين» قبل سبعة أشهر من حدوث ما حدث، وذلك في «التخربيشة» التي دأبت على كتابتها أسبوعيّا في صحيفة «الطريق الجديد». وهذا لا يعني طبعا أنّني تنبّأت أو توقّعت 14 كانون الثاني/يناير، وإنّما كان الأمر على سبيل الشيء بالشيء يُذكر؛ فقد استحضرت ثورة القرنفل في البرتغال، والقرنفل هو الذي استدعى الياسمين.
قلت في هذا النص القصير المنشور في 12 حزيران/يونيو 2010  أي قبل استشهاد البوعزيزي بستّة أشهر: «عام 1935 كتب شاعر البرتغال الشهير فرناندو بيسّوا، معرّضا بسلازار الذي أرسى في البرتغال دكتاتوريّة امتدت من 1934 إلى 1974: هو لا يشرب الخمر ولا يشرب القهوة، لكنّه يشرب الحقيقة والحرّية بنهم عرّضهما للنفاد في السوق». قد لا يكون ثمّة أبلغ من هذه الصّورة في وصف حال العالم العربي الذي آن لـ«أساطيل الحرّية» أنْ تفكّ الحصار الذي تضربه الأنظمة على شعوبه، عسى أن تعجّل بثورة «ياسمينيّة» إن لم تكن «قرنفليّة». هذا بعض ما كتبت في نقد الاستبداد في تونس، وكنت أصرّح كلّما وجدت سبيلا إلى ذلك، وأواري وأرمز كلّما استعصى الأمر أو تعذّر.
وأعود إلى مؤتمر بيروت حتّى لا يحجزني عنه الاستطراد، فقد طرح الواقع المتفاعل في العالم العربي، انطلاقا من التحرّكات الشعبيّة المطالبة بحريّة التعبير والديمقراطيّة، والتداول السلمي على السلطة التي استأثرت بها أحزاب دغمائيّة شموليّة. وفي ظلّ هذا الواقع المتحوّل، يجد العالم العربي نفسه أمام مشاكل عويصة؛ من بينها قضيّة فلسطين التي تراوح مكانها، رغم كلّ التضحيات التي قدّمها الفلسطينيّون، وقبولهم بحلّ الدولتين، وأمن النفط المهدّد، ناهيك عن موجات الهجرة إلى الغرب؛ بسبب البطالة والفقر، والتطرّف الذي يقود إلى الإرهاب.
كان الرأي السائد في المؤتمر أنّ الغرب سيحاول الاستفادة من «الربيع العربي»، من أجل إعادة بناء المعادلة السياسيّة الأمنيّة، وفرض «دَمقرطة» الأنظمة السياسيّة؛ حتى أنّ البعض اعتبر احتلال العراق وأفغانستان محصّلتين لترشيد الأنظمة السياسيّة، وتقديم نموذج ديمقراطي لسائر بلدان العالم العربي والإسلامي. وكانت حجّتهم وقتها، أي أثناء هذا المؤتمر؛ أنّ هناك مفاوضات مع حركة طالبان برعاية أمريكية، قد أرسيت، وأنّها بدأت تُؤتي أكلها، وأنّ المنزل العراقي صار منذ سقوط بغداد؛ بثلاثة بيوت «متساوية»: بيت كردي وبيت سنّي وبيت شيعيّ. ولا أحد وقتها لاحظ أنّها قسمة ضيزى، يمكن أن تتسبّب في تقسيم العراق، وأنّ العراق بلد عربي، ما لم يأت ما يخالف ذك.
في هذا السياق كانت مداخلة السفير جيمس لاروكو مدير مركز الشرق الأدنى وجنوب آسيا للدراسات الاستراتيجيّة؛ فقد اعتبر أنّ مصير المنطقة يستند إلى الخطط والسياسات التي سيضعها العرب في هذه المرحلة حتّى يكون المستقبل مستقبل أمن وسلام، وفرصا اقتصادية واعدة.
 وكان رأيه أنّ أساس الحلّ لكلّ مشاكل المنطقة، يكمن في عقول مواطنيها وقلوبهم. وأشار إلى أنّه قام بزياراتٍ عديدة في المنطقة ليخلص إلى أنّ المواطنين كانوا على وعي بما هم ضدّه أي الفقر والفساد وتكلّس الأنظمة والجبروت البوليسي؛ ولكنّهم لا يدركون ما الذي يريدونه من هذا «الربيع العربي»، أو ما الذي يجب أن يدافعوا عنه. فالشعوب العربيّة تريد التحرّر، ولكن «التحرّر من» وليس «التحرّر من أجل»؛  أي التحرّر من الفساد والاستغلال الاقتصادي والعجز السياسي والجبروت البوليسي، ولذلك أطاحوا بأنظمة، ويسعون للإطاحة بأخرى.
ما الذي يريد العرب أن يحقّقوه من الحريّة؟ هل يريدون الديمقراطيّة؟ وإذا كان الجواب بـ»نعم»؛ فما الذي يخطّطون له، من أجل تحقيق الديمقراطيّة، حتى لا يستبدلوا طاغية بطاغية؟
على أنّ ما استرعى انتباه بعضنا في كلمة السفير لاروكو، إشارته الدالّة ـ ونحن ندركها اليوم أكثر في ظلّ التحوّلات التي يشهدها الشرق الأوسط والعالم ـ إلى أنّ العالم العربي، بعد 2011، يعيش مرحلة انتقاليّة، قد تمتدّ على مدى أجيال، من أجل إرساء السلام والأمن في بلدانه وفي المنطقة كلّها.
 وذكر أنّ الربيع العربي حوّل الأنظار بعيداً عن السلام، فثمّة صراع محتمل مع إيران، ووضع محتدم
 في سوريا بعبارته، وأنّ قادة الغرب منشغلون جميعهم بالتحدّيات الاقتصاديّة والسياسيّة الموجودة في مناطقهم بدلاً من أن يكونوا وسطاء سلام في الشرق الأوسط. وكان حاصل رأيه أنْ لا أمن في المنطقة من دون سلامٍ شامل، ولا سلام شاملا من دون إطار أمن إقليمي.
وفي ما عدى هذا الطرح الذي كان صاحبه الأمريكي، كمن ينظر بعين الغيب، فإنّ قضايا مثل المواطنة والهويّة طرحت بحدّة لافتة، فالمواطنة لم تتجذّر في الثقافة العربيّة؛ بسبب الممانعات التي تحوّل الثقافة الأهليّة إلى فرق وعصبيّات، في حين أنّ الهوية العربيّة متنوّعة متعدّدة؛ أو هي تفيض بهويّاتٍ مختلفة دينيّة ومذهبية وقوميّة وعشائريّة، وأنّ العلاقات الاجتماعيّة الأهليّة الراسخة في لا وعينا الجماعي، تطغى على العلاقات المدنيّة التي تفرضها العلاقة بين الدولة ومواطنيها. وثمّة أطراف أجنبيّة توظّف بتواطؤ داخلي، هذه الثقافة السياسيّة الأهليّة التي تحول دون إرساء دولة وطنيّة دستوريّة حديثة.
ما هي إذن الديمقراطيّة المتوخّاة أو المنشودة؟ وهل بميسورها أن تغلّب الشامل على الخصوصيّات؟  وما هي الضمانات المؤسسيّة التي تكفلها؟
 أو كيف يكفل حكم الأكثريّة حقَّ الأقليّات ويضمنه؟ كيف يمكن للنظام العربي المأمول أن يتـــخلّـــص من إحــبــاطات النظام القديم ويقيم ترابطاً منطقياً متفاعلاً مرتكزه المؤسّسات؟
وكانت كلمة عمرو موسى أنّ الربيع العربي هو أكثر من مجرّد تغيّرٍ في المواسم، بل هو تغيّرٌ مناخيّ.
هو جزءٌ من حركة التاريخ التي لها قوّة هائلة تغيّر الواقع، وتهزمه، وتدفع نحو المستقبل وتشكّله. لقد أمعنت بعض الأنظمة العربيّة في قمع شعوبها وتعذيبها، وفرضت قيوداً على حريّة التعبير والتحرّك، دون أن ننسى أنّها سيطرت على تفكير الشعوب، وضيّقت الخناق على قدرتها الإبداعيّة. على إثر هذه السياسة القمعيّة تراجع في تقديره أداء العرب، وتراجعت قدرتهم التنافسيّة على الصعيدين الإقليمي والدولي، ممّا جعل من العالم العربي، لا الرجل المريض؛ بل الرجل المـــيـــؤوس من شــفــائه. وفجأةً ظهرت الثورة ليصبح المستحيل ممكناً وليتحوّل اليأس أملا.
اليوم وأنا أستحضر ذكرى هذا المؤتمر، وأرى إلى الثورة السوريّة المسروقة، وإلى فلسطين، وقد بدأ حلّ الدولتين يتلاشى، وإلى العالم العربي وهو يتهيّأ لسايكس ـ بيكو أخرى، شأنه شأن أوروبا نفسها؛ لا أملك إلاّ أن أستحضر قصيدة الياباني تاكاشي أريما: «رؤيا أوروبا»؛ وقد استلمتها منه في إسبانيا منذ سنوات؛ في ترجمتها الفرنسيّة:
«منذ زمن أبعد، أبعد من أيّ زمن أقرب إلينا/ حينما كانت ابنةُ ملكٍ فينيقي/ تقطفُ أزهارَ الياسمين والبنفسج/ ذات يوم من أيّام الربيع؛ استهوتْها نسائمُ تهبّ من عرض البحر/ فَنضتْ عنها قميصَها، وقفزتْ تسبح/ شعرها الطويل الأشقر المشعّث/ على ظهر رائع/ ظهر فتاة مسترجلة/ في الوقت نفسه كان زوس إله السماوات السبع/ يسرّح بصره، من أعلى قمّة في جبل الأولمب المقدّس/ فوق العالم الذي تحته/ ورأى الصبيّة، فأخذ جمالها الفتّان؛ بشغاف قلبه/ ولكي يحتمي من غيرة زوجته العجوز، الفظّة/ استحالَ إلى ثور/ وعلى الشاطئ، اقترب متمهّلا؛ من الصبيّة/ صار الثور وأوروبا/ مُلاعبيْن حمِيمَيْن/ وإذ امتطته في الأمازون، وكأنّها على ظهر حصان/ بلغت منه النشوة ذروتها، وهو يخبط في الأرض/ ثمّ غذّ السير، وآب إلى البحر/ عائدا إلى الجزيرة مسقط رأسه/ حتى يشبع رغائبه/ وعاشت أوروبا بقيّة أيّامها، وهي في أوج السعادة/ نحن الآن في عام 1993، منتصفَ ماي/ في قلعة رودس، في قاعة ميلاثرون/ حيث نسيج أرضيّة، موشّى/ من القرن الأوّل من عصرنا/ جيء به من شمال الجزيرة/ يسرد واقعة «اختطاف أوروبا»/ واقفا أمام هذه اللوحة، بألوانها النافذة/ لاحتْ لي فجأة خريطة أوروبا/ اليونان وإيطاليا، فيها؛ هما الساقان المشيقان/ الدنمارك، على ما أظنّ، هي الرأس/ البنلوكس [بلجيكا وهولاندة واللوكسمبورغ] هي الصدر/ ماستريخت هي السرّة، في حين أنّ ألمانيا وفرنسا، هما الوَركان/ اليمنى واليسرى/ إنكلترا وإيرلندا هما أطراف الكُمّ، ويدها اليمنى/ وكنت كمن يفكّ لعبة ورق مربكة/ أحاول أن أُدخل كلّ بلدان الاتحاد الأوروبي في هذه الخريطة».

كاتب من تونس

 عالم بلا خرائط

منصف الوهايبي