المواطنون يتحولون لقطع غيار بشرية لأثرياء العالم… والنظام يطالبهم بمزيد من الصبر

حسام عبد البصير

Dec-10

القاهرة ـ «القدس العربي» : بالأمس كان الرئيس يشكر شعبه لأنه احتمل المزيد من الصبر على الإجراءات الاقتصادية المؤلمة، التي أقدم عليها مؤخراً لإنقاذ الاقتصاد المتهاوي للبلاد من السقوط.
قال السيسي للمصريين «أنتم شعب عظيم». في الوقت الذي كانت الجماهير تحصي عدد ضحايا من باعوا أعضاءهم كقطع غيار بشرية لأثرياء العالم، مقابل أن يؤمنوا مستقبل أسرهم، بعد أن غرر بهم الديكتاتور مبارك وحكوماته المتعاقبة، ثم جاء الدور على حكومة شريف إسماعيل لتعصف بما تبقى للمصريين من طموح في جني ثمار ثورتهم، فإذا بهم يسقطون في الدرك الأسفل من سلم الحياة.
بالامس كان الرئيس يتحدث عن مؤامرات كونية تواجه البلد من قبل الأعداء الذين يريدون لمصر الدخول في دوامة من الفوضى، وبالطبع فإن مخاوف السيسي ووعوده ليست جديدة، بل رددها قبل وصوله للمقام السامي، وحفظتها الجماهير عن ظهر قلب. في صدارة المشهد أيضاً يقف الصحافيون في وجه تهديد غير مسبوق بمستقبل أكثر قتامة، محاطين بالسجن أو الفقر، وقد تسبب حديث الرئيس بمناسبة ذكرى المولد النبوي في مزيد من الجدل. واستنكر نجاد البرعي، المحامي والناشط الحقوقي، ما قاله السيسي «اللي يقدر على ربنا يقدر علينا»، وتساءل عبر حسابه على موقع «تويتر» قائلاً: «هل صحيح أن الرئيس السيسي قال «اللي يقدر على ربنا يقدر علينا» ؟ وفي أي سياق قال ذلك، لا يوجد شخص قادر على الله، بينما نحن بشر». وفي كلمته، أشار الرئيس للظروف الصعبة التي واجهت مصر خلال شهر نوفمبر/تشرين الثاني، ولفت إلى سعي البعض خلال الأيام الماضية لهدم الدولة المصرية، حتى تعالت نبرات البعض بأن الدولة المصرية إلى زوال. وقال السيسي: «حنفضل نبنى ونعمر ونكافح الفساد، طالما ده يرضي ربنا، واللي يقدر على ربنا يقدر علينا». وقد ازدانت الصحف المصرية الصادرة أمس الجمعة 9 ديسمبر/كانون الأول بصور الرئيس وشيخ الأزهر ووزير الأوقاف ومفتي الديار المصرية وتصدرت كلمات الرئيس مانشيتات الجرائد الحكومية والخاصة التي حفلت ايضاً بالمزيد من المعارك والتقارير وإلى التفاصيل:

على شفا الموت

خطة الإصلاح الاقتصادي المتأخر تقوم بفرم الطبقة الوسطى وسحق الطبقات الأقل دخلا بلا رحمة، تحاول الدولة تحجيم تداعيات الإجراءات والقرارات القاسية لكن بلا جدوى، فالناس تئن وضبابية المستقبل والخوف من عدم القدرة على احتمال الآتي تتصاعد أفقيا ورأسيا، وتطال شرائح من المجتمع كانت تعتقد أنها ستكون بمنأى عن ضربات الإصلاح الاقتصادي، وهو الأمر الذي يحذر منه مصطفى النجار في «الشروق»: «بعد بدء تدفق دفعات القروض الخارجية والحديث بالتفكير في بيع بعض الأصول العامة وخصخصتها يصبح الوضع شديد الخطورة، إذا لم تنتهِ هذه الفترة العصيبة في أسرع وقت ممكن. فالتركيز على مسارات جباية الضرائب ورفع الجمارك فقط، والاعتقاد بأن عصر جيب المواطن وتحميله فاتورة الإصلاح الاقتصادي هو الحل خطأ فادح؛ لأنه يفاقم المعاناة ولا ينقلنا للأمام خطوة واحدة، بل أن هذا المواطن له حد أقصى من الانضغاط المرتبط بدورة رأس المال الداخلية المنكمشة يوما بعد يوم لتصل لحد الركود والشلل الاقتصادي. ويؤكد الكاتب أن الاقتصاد قرين السياسة والترابط بينهما عضوى ومادي ومباشر، لن تتقدم اقتصاديا إذا كانت السياسة معطوبة، وأساطير التقدم والإنجاز الاقتصادي وسط تفكير شمولي وإدارة أحادية الرأي أثبتت عدم نجاحها تكرارا ومرارا، لذلك لا مناص من بدء الإصلاح السياسي وفتح المجال العام بكل شجاعة والتوقف عن الفزع من كل صاحب رأي مختلف وتخوينه وتسفيه آرائه. ويطالب النجار بإنهاء حالة ترهيب المجتمع بأحاديث المؤامرات وتعليق كل الإخفاقات على شماعات متكررة، مثل تحميل ثورة يناير/كانون الثاني أسباب التراجع الاقتصادي، رغم ثبوت عدم صحة ذلك بالأرقام الاقتصادية الرسمية التي رصدت مسيرة التقدم والتراجع على مدار خمس سنوات متتالية، ومواجهة مشاكلنا الحقيقية بتشخيص واقعي بهدف العلاج وليس التمويه».

«هيه دي مصر يا عبلة»

الحياة في بر مصر حالياً يمكن أن تختصرها في عبارة واحدة نافذة «البحث عن المال من أي طريق». وهي العبارة ذاتها التي يمكن أن تلخص بها مشهد القبض على عصابة «الاتجار في الأعضاء البشرية» كما يشير محمود خليل في «الوطن»: «اكتشاف هذه العصابة جاء – بالصدفة- على يد ربة منزل سقطت في أيدي الأجهزة الأمنية منذ 10 أيام، أثناء محاولتها التخلص من جثة طفل، وكشفت التحقيقات التي أجريت معها أن هذا الطفل هو ضحية سابعة من الضحايا الذين استخدمت السيدة أجسادهم، كمادة خام لبيع الأعضاء البشرية، من هذا الخيط بدأت بقية خيوط الحكاية في الكر، حتى اكتشفت جهات التحقيق أن وراء المسألة عصابة كبيرة تضم سماسرة وأطباء وممرضين وأساتذة جامعات. وثبت من التحقيقات الأولية أن شخصيات كبيرة ورجال أعمال استفادوا من خدماتها، وأن عمليات نقل الأعضاء كانت تتم في مستشفيات غير مرخصة. أما أغلب موردي القطع البشرية فهم من الفقراء الذين يقدر الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء نسبتهم بـ24٪ من إجمالي المصريين. حدوتة «الاتجار بالأعضاء» تبدأ بفقير أعطاه الله الصحة وحرمه من المال، كما حرمه أيضاً من نعمة الوعي السليم الذي يمكنه من وزن الأمور بميزانها الصحيح، ليفهم أن كل إنسان يأخذ نصيبه في هذه الحياة كاملاً غير منقوص، لكن قسمة هذا الحظ تختلف من شخص إلى شخص، كذلك قضت مشيئة الله. فقير سمم المجتمع وعيه حين علمه منذ نعومة أظفاره أن المال هو القيمة الأعلى في الحياة، وأن القدرة على الشراء والاستهلاك وإشباع التطلعات تفوق في قيمتها الصحة والقدرة على العمل، فاندفع إلى بيع قطعة من لحمه أمام وطأة الفقر أو الحاجة أو التطلع، يتلقفه بعد ذلك كبير يحوز المال ولا يملك الصحة».

زبانية جهنم

نبقى مع كارثة بيع أعضاء المصريين التي أسفرت عن حالة من الغضب الجماعي شارك فيها دندراوي الهواري في «اليوم السابع»: «ملاك الرحمة، طبيب يرتدي البالطو الأبيض، يبذل كل الجهد لاقتلاع الألم من أجساد البشر، ويتمتع بمعظم الخصال الإنسانية الرائعة، من تضحية ومثابرة وإخلاص وتفانٍ، وعطاء ورحمة ورأفة، والترفع عن الذاتية والأنانية، وفي المقابل يحظى الطبيب بالحب والاحترام والتقدير والإعجاب من الآخرين أينما ذهب، تقديرا لمهنته ودوره في تخفيف الآلام. ومنذ أن عرفت مصر مهنة الطب والأطباء يحظون بكل التقدير والاحترام، وتعد المهنة الأولى التي تداعب خيال وأحلام الأطفال والشباب، عشقا لممارستها، ولكن هل بالفعل مهنة الطب في مصر، بعد سيطرة الإخوان على مجلس نقابة الأطباء لسنوات طويلة، ثم مجلس المناضلة منى مينا مازالت تغرد وتصدح بالإنسانية والرحمة والرأفة؟ الحقيقة أنه ومنذ أن انحرفت نقابة الأطباء عن مسارها المهني، من الاهتمام بتطوير أداء أعضائها ومحاسبة المقصرين، والمطالبة بتطوير المستشفيات، والجلوس في خندق المواطنين لتخفيف آلامهم، إلى تسييس عملها واختطاف جماعات إرهابية وظلامية لها طوال العقود الماضية، ثم سيطرة تيارات مناضلة وناشطة سياسية بقيادة منى مينا، انهارت المهنة وشعاراتها البراقة، وأصبحت تمثل عبئا وورما خبيثا في جسد المصريين. مجلس نقابة الأطباء، بقيادة منى مينا تفرغ فقط للنضال السياسي، وحشد الأطباء وتأليبهم ضد الدولة، في انحراف شديد الخطورة عن الدور الإنساني العظيم للأطباء، دنيا ودين، إلى مسار الألاعيب السياسية الوقحة والقذرة والمصالح اللعينة، فشتان الفارق، بين مهنة الرحمة والإنسانية «الطّب»، ومهنة الألاعيب «السياسية» الوقحة، ونتيجة هذا الانحراف الخطير عن المسار الطبيعي، كانت النتيجة وبالا على المهنة برمتها، تراجع مخيف في الخدمة والمكانة والتجاوزات المرعبة من عدد كبير من الأطباء، عندما تحولوا إلى سماسرة لتجارة سوداء، تعبث بصحة المصريين، وتحول أعضاءهم إلى قطع غيار بشرية دون أي وازع من دين أو ضمير».

يستحقون الإعدام

«القضية التي كشفت عنها هيئة الرقابة الإدارية منذ أيام، والتي أكدت بما لا يدع مجالا للشك توحش مافيا تجارة الأعضاء البشرية في مصر، حيث تضم الشبكة المضبوطة، كما يشير جمال حسين في «الاخبار»، أساتذة جامعات وممرضين وأصحاب مستشفيات كبرى تم استخدامها «سلخانة للأطباء»‬ عفوا أقصد «الجزارين» ‬لسرقة الأعضاء البشرية من البسطاء والغلابة، مستغلين ذل الحاجة وبيعها قطع غيار لأثرياء الخليج والدول الأجنبية، مقابل مئات الآلاف من الدولارات، تذهب إلى خزائنهم ويتكرمون على الضحية بمبلغ زهيد.. أي كفر هذا؟ ولمعرفة خطورة الظاهرة نذهب إلى التقرير الصادم الذي أصدرته مجلة «بريتش جورنال كرايمنولوجي»‬ البريطانية المتخصصة في علم الإجرام في شهر أغسطس/آب الماضي، عن تجارة الأعضاء البشرية في مصر.. أكدت أن مصر من أكبر الأسواق في تجارة الأعضاء البشرية في العالم، وأن هذه التجارة آخذة في النمو، وأن مصر تعد مركزًا إقليميًا للاتجار بالأعضاء البشرية، وتحتل المركز الأول على مستوى الشرق الأوسط وتعد ضمن أعلى خمس دول على مستوى العالم في الاتجار بالأعضاء البشرية مع كل من الصين والفلبين وباكستان وكولومبيا. ونشرت صحيفة «التايمز» في شهر سبتمبر/أيلول الماضي تقريرًا بعنوان «‬تجار الأعضاء البشرية في مصر يغرون الضحايا بالجنس والمال» حيث أن السماسرة يعرضون مبالغ كبيرة من المال مقابل شراء «‬الكلى» التي يصل سعرها في بعض الأحيان إلى نحو 100 ألف جنيه إسترليني، في حين لا يحصل صاحب الكلية الذي يبيعها إلا على 40 ألف جنيه مصري، أي أقل من ألفي دولار ويذهب باقي المبلغ إلى جيوب الأطباء والسماسرة الذين يحققون ثراء فاحشا في فترة قليلة».

السجن في انتظارهم

«رغم أن السلطة الحالية خرجت على الدستور مرات عديدة، يبدو أنها غير مكتفية بهذا، ولن تتنازل عن تحقيق غرضها الذي لمحت إليه في وقت سابق بتعديل الدستور على النحو الذي يريحها تماما حتى من نصوص، هي نفسها جعلتها حبرا على ورق. ويؤكد عمار علي حسن في «المصري اليوم» أنه علم من مصادر (ذات صلة) أن هناك اتصالات تجري على نطاق واسع بقيادات عمالية وشبابية لطرح هذه المسألة في قابل الأيام، وببعض الإعلاميين المحسوبين على أهل الحكم لتهيئة الرأي العام لها. وسيتحدث هؤلاء عن مواد عديدة يجب تعديلها، دون الكلام عن مدة رئيس الجمهورية حتى لا تثار حفيظة الناس، لكن مدة الرئاسة هي الهدف الأول لهذه التعديلات إن تمت. وينسى هؤلاء أن إعطاء الدستور الحق في تعديله استثنى من هذا «مدة الرئاسة» و«مواد الحريات العامة إلا لزيادتها». لكن منذ متى كان هؤلاء يقفون عند نص صريح، ومعهم من يقلبون الباطل حقا، والحق باطلا؟ ومع هذا أقول لهم هيهات أن تلعبوا هذه اللعبة مع شعب يعدّ الأيام لتغيير سلمي للحاكم وليست المطالبة بتأبيده في الحكم. ولنا عودة مفصلة للموضوع حين تتكشف الأمور أكثر. الصحافة ليست حرية للصحافيين، كما تحاول أن تصور السلطة المستبدة، إنما حرية للناس، وحقهم في معرفة ما يجري بكل شفافية ووضوح، لاسيما في زمننا هذا الذي يلف التعتيم أغلب الإجراءات، وينفرد الرئيس بالقرار في النهاية، ويعقد البرلمان جلساته سرا، ويزداد الفاسدون والمحتكرون، في كل المجالات والجهات، توحشا، وتزداد الأوضاع غموضا وبؤسا».

أين ذهبت الأموال الخليجية؟

هاجس المجاعة يسيطر على الكثير من الكتاب، خالد داوود في «مصر العربية» يقول متألماً: «بينما يضرب غالبية المواطنين أخماسا في أسداس، ويحدثون أنفسهم في الشوارع بسبب المحاولات الفاشلة للتأقلم مع الزيادات الضخمة في الأسعار، بعد تخفيض قيمة الجنيه المصري مقابل الدولار بما يفوق 100٪، ويدوخون السبع والثمانية دوخات من أجل العثور على دواء ناقص بأي ثمن، ويطفئون أنوار منازلهم ويقللون من استخدام المياه خشية فواتير الكهرباء والماء المرهقة، ويمهدون لأطفالهم الصغار القرار الصعب بنقلهم إلى مدارس أقل تكلفة. وبينما تتواصل هذه المعاناة الصعبة واليومية، يصمم القائمون على إدارة شؤون البلاد على التصرف على أساس أنهم يعيشون في كوكب آخر، ويتمسكون بكل عناد بإنفاق وإهدار أموالنا ومواردنا القليلة على مشاريع لا يستفيد منها سوى قلة قليلة للغاية من الأغنياء. حصلت الحكومة المصرية على كم هائل من الأموال في أعقاب 30 يونيو/حزيران 2013، يقدر بما يزيد عن 30 مليار دولار من السعودية والإمارات والكويت وغيرها. كما تضاعفت ديوننا الخارجية تقريبا مقارنة بعام 2011، خاصة في أعقاب قرض صندوق النقد الدولي الأخير بقيمة 21.5 مليار دولار. وسيتضاعف ديننا الخارجي أكثر بعد توقيع عقد بناء محطة الضبعة النووية مع روسيا بقيمة 25 مليار دولار.
جزء كبير من الأموال تم إنفاقه لشراء أسلحة من فرنسا وروسيا، دون مبررات واضحة ومفهومة لدولة تخوض أساسا حربا ضد الإرهاب على أرضها، وفي منطقة وعرة للغاية هي شمال سيناء، وكذلك للإنفاق على مشاريع وصفت بـ»القومية» العملاقة، بزعم أنها للأجيال القادمة، ولكن هدفها الرئيسي طبعا هو تأكيد أن الرئيس القائد، كما كل رؤساء مصر السابقين، خلّف وراءه إنجازات وأهرامات».

حكومة بلا قلب

الهجوم على الحكومة لا تخلو منه صحيفة، وفارق جويدة لديه ما يسوقه من مبررات في «الأهرام»: «لابد أن نعترف بأن الحكومة في شهور قليلة اتخذت مجموعة من القرارات السريعة التي لم تجرؤ حكومة أخرى على الاقتراب منها في يوم من الأيام، ولا أدري ما هي أنواع حبوب الشجاعة التي اخذتها هذه الحكومة حتى تواجه كل هذه التحديات مرة واحدة؟ نحن أمام حكومة استطاعت أن تربك الاقتصاد المصري في كل مجالاته بمجموعة من الضربات السريعة التي هبطت على رؤوس المواطنين كالصواعق، ابتداء بسكان العشوائيات والطبقة المتوسطة، وتسللت إلى سكان الأحياء الراقية والمنتجعات ليجد كل واحد منهم نفسه أمام ظروف اقتصادية أقل ما توصف به أنها ظروف قاسية. كانت أولى الضربات التي وجهتها الحكومة للمواطنين هي هوجة رفع الأسعار التي جمعت كل السلع الغذائية والتموينية، ابتداء بالخضار والفاكهة وانتهاء بالأدوات الكهربائية والسيارات والسلع الاستهلاكية. لا يوجد في مصر الآن سلعة واحدة لم يرتفع سعرها، باستثناء البشر. وفي زحمة ارتفاع الأسعار انطلق التجار يكملون المسيرة، واختفت السلع من الأسواق تحت شعار أن السلعة أفضل من النقود، وأن ما يباع اليوم بعشرة جنيهات سوف يباع غدا بخمسين جنيها. وأمام فشل الحكومة في مراقبة الأسعار والحد من جشع التجار سقط الشعب المصري ضحية بين نارين قرارات حكومية متسرعة وزحف من التجار نحو المواطنين في صورة بشعة من الاستغلال والاحتكار والثراء من دم الشعب، وكلما ارتفعت أسعار الكهرباء والمياه والبنزين رفع التجار أسعار السلع».

كي يطمئن الشعب

نتوجه نحو ثناء على الرئيس وهجوم ضد الحكومة على يد مجدي سرحان في «الوفد»: «عهد قطعه رئيس الجمهورية على نفسه.. وعلى الحكومة أيضا.. قال الرئيس عبد الفتاح السيسي في كلمته أمس: «إن الإصلاح الاقتصادي كان لابد أن يبدأ الآن. صحيح أن تكلفته كبيرة وصعبة على الناس تحديدا، لكن تأخيره يضاعف هذه التكلفة ويصعبها أكثر. وكان يمكن أن يدفع إلى سقوط الوطن لا قدر الله».
هذا الكلام نتفهمه جيدا وكل الشعب برهن على ذلك بموقفه البطولي والتاريخي والنبيل، عندما لم يستجب لدعاوى الهدم والفوضى والتدمير في 11/11. الرئيس عبد الفتاح السيسي أعلن أمام الشعب، وهذا وعد وعهد، أنه وجه الحكومة بتخفيف الأعباء عن الفئات الأقل دخلًا حتى يتحملوا الظروف الصعبــــة، مع توفيــر السلع الأساسية لمدة 6 أشهر على الأقل بسعر جيد. وفوق ذلك تعهد الرئيس بأن سعر الدولار لن يستمر طويلا بهذا الشكل، الذي أشعل أسعار كل السلع، مؤكدا أن الأمر يحتاج عدة أشهر حتى تعود الأمور إلى وضعها الصحيح. هذا برنامج عمل عاجل على الحكومة أن تلتزم به وتنفذه. وقبل ذلك يجب أن تخطط له وتضع جدولا زمنيا لتحقيق أهدافه. نريد بيانا من رئيس الحكومة الحالي أو من يحل محله، إذا ما صدقت التنبؤات بتغيير حكومي وشيك، يوضح بخطوات محددة برنامج هذه الـ«عدة أشهر» التي تعهد بها الرئيس».

تطهير الإعلام واجب قومي

الحرب على قيادات نقابة الصحافيين والأصوات المعارضة للنظام لها صدى داخل المؤسسات القومية، من بين المتحمسين له رئيس تحرير «الأهرام» محمد عبد الهادي علام: «الإعلام العام ـ صحافة وتلفزيونا وراديو ـ لم يحصل على ما يستحق من الرعاية والاهتمام، في فترة تحول مهمة في تاريخ مصر. إن تنظيم الإعلام ضرورة ومسألة مفروغ منها في كل دول العالم. والإعلام خدمة، وليس عيبا أن تمتلك الدولة إعلاماً عاماً أو أن تكون لها وسائل إعلامها. والخدمة هنا لجميع فئات الشعب ويجب ألا تتحول إلى سلعة بحسابات المكسب والخسارة. لقد تأخر مشروع قانون الهيئات الصحافية والإعلامية: الهيئة الوطنية للصحافة والهيئة الوطنية للإعلام والمجلس الأعلى للصحافة والإعلام التي نص عليها الدستور، وقانون تنظيم الإعلام مدة ثلاث سنوات، لأسباب خاصة ومصالح خاصة في المقام الأول، حيث الخلاف حول القانون ليس بسبب أزمة مصطنعة، ولكن الخلاف مظهر من مظاهر الأزمة، وهي ببساطة أن هناك مجموعة (شلة) إيديولوجية تمثل جزءا من فصيل سياسي ليس لها وجود في الشارع، تزعم وتروج وتحاول إقناع النظام السياسي بأنها هي سنده وداعمته، وأنه يحتاجها وليس هناك بديل لها، بدعوى أنها القادرة على مواجهة تيارات الإسلام السياسي، تلك الفئة تتحدث (زورا) عن تعبيرها عن طبقات الشعب لتبرر بقاءها واستمرارها في مواقع في السلطة، أو على رأس مجالس إعلامية، بينما التجارب توضح أن رموزا من هذا الفصيل كانت حليفة في مراحل تاريخية لجماعة الإخوان. وفي التاريخ القريب جداً كانوا على قوائم الإخوان في انتخابات برلمان 2012. واعتذر ناصريون للإخوان عن تعامل عبدالناصر معهم ووقفوا معهم على منصة واحدة في قصة مبايعة شهيرة وتسليم للإخوان بأنهم الأقدر على حكم مصر والمعروفة بفضيحة فيرمونت».

مجرمون على الهواء مباشرة

نبقى مع أزمة الإعلام التي يطرح بعض تداعياتها علاء عريبي في «الوفد»: «لا نعرف ما هو مغزى الحكومة من الدفع بمن سبق وقضوا عقوبة في قضايا مخلة بالشرف إلى المشاركة في الحياة السياسية؟ ولا الهدف من ترخيص الحكومة لمن سبق وتاجر في المخدرات أو اشتغل بالدعارة أو سرق أو اختلس أو تلقى رشوة أو زوّر بتولي مناصب قيادية في البلاد؟ اليوم نظامنا الحاكم يدفع بأصحاب السابقة الأولى، من قضوا عقوبة في قضايا جنح أو جنايات بعد رد اعتبارهم، بتولي مناصب قيادية في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام. البند الثاني من المادة رقم 7، في الفصل الخاص بشروط العضوية في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، نص على التالي: « ألا يكون قد حكم عليه في جناية أو في جنحة مخلة بالشرف أو الأمانة، ما لم يكن قد رد إليه اعتباره»، وللأسف تم الترخيص للأشخاص أنفسهم بالتعيين في المجلس الوطني للصحافة والمجلس الوطني للإعلام المادة 33، بند 2 ـــ والمادة 59، بند 2. والطريف أن المشرع سمح للمجرمين السابقين، ورفض الذين صدرت ضدهم عقوبة تأديبية في مصالحهم قبل ثلاث سنوات: « ألا يكون قد حكم عليه بعقوبة تأديبية خلال الثلاث سنوات السابقة على تعيينه ـــ أنظر البند رقم 3 في المواد رقم 7 و33 و59. السؤال الذي نأمل أن نجد إجابة له لدى الحكومة والنظام الحاكم: هل يعقل أن نضع الأجهزة أو الهيئات المعنية بتشكيل الوعي وصياغة الرأي العام في يد بعض المجرمين السابقين؟ من الذي يقبل من الكتاب والصحافيين والإعلاميين أن يقيمه أو يعاقبه قواد أو مزور أو لص أو مرتشٍ أو تاجر مخدرات سابق؟ من الذي يقبل أن يلجأ لهؤلاء لكي يرخصوا له إصدار جريدة أو موقع أو قناة؟».

كمين في انتظار الصحافيين

نبقى مع محنة الإعلاميين التي تتخوف من تبعاتها عبلة الرويني في «الأخبار»: «بيان المخرج خالد يوسف: عضو لجنة الإعلام والثقافة والآثار في مجلس النواب، حول مناقشة مشروع قانون الإعلام الذي تقدمت به الحكومة، لا يبشر بخير منتظر للقانون، ففي البداية اعترض خالد يوسف على تشكيل المجلس الأعلى للصحافة والإعلام، بسبب غلبة أعضاء المجلس من الدولة، على الأعضاء الممثلين للكيانات الصحافية المنتخبة ديمقراطيا، واقترح حذف عضوين من الذين يتم اختيارهم من قبل رئيس الدولة.. وبالفعل وافق أعضاء اللجنة على الاقتراح، وتم التصويت بالموافقة بأغلبية مطلقة.. لكنهم بعد ساعات من التصويت والاتصالات والحوارات مع أحد النواب الصحافيين من غير أعضاء اللجنة (لم يذكر اسمه) تراجعوا عن التصويت، وطلب البعض إعادة المداولة والتصويت على المادة ذاتها، وألغي التصويت السابق وتمت الموافقة على شكل التشكيل المقدم من الحكومة. وطبقا للقانون المقدم تحل (الهيئة الوطنية للإعلام) محل (اتحاد الإذاعة والتلفزيون).. وتحل (الهيئة الوطنية للصحافة) محل (المجلس الأعلى للصحافة) وهو ما يتضمن التزام المؤسسات الإعلامية المملوكة للدولة بمقتضيات الأمن القومي، ويكشف عن مجرد استبدال الهيئات والمجالس، دون تغيير حقيقي ودون تنظيم للمشهد الإعلامي. بداية غير مشجعة بالفعل، خاصة مع تصاعد الخلافات وامتناع ممثلي نقابة الصحافيين عن حضور مناقشة المشروع في مجلس النواب، اعتراضا على تجميد مشروع (قانون الصحافة الموحد) الذي تم العمل عليه (19 شهرا) وسبق الاتفاق عليه في حكومة المهندس إبراهيم محلب، وإصرار الحكومة على تقسيم القانون الموحد، إلى قانونين منفصلين (قانون الهيئات الصحافية والإعلامية) و(قانون تنظيم الصحافة والإعلام) بصورة لا تسمح باستقرار المؤسسات الصحافية والإعلامية، ولا تسمح بتطوير ولا تنظيم حقيقي».

مؤامرة على من؟

«أغلب وسائل الإعلام الحكومية والخاصة تتحدث دائمًا عن المؤامرة الكبرى على مصر، وتحاول وفق أحمد جمال زيادة في «مصر العربية» إثبات أن «الكرة الأرضية» تحالفت من أجل القضاء على الوطن، وأن كل من يعارض النظام خائن، وكل من ينتقد الحكومة فاسد، وكل من يدافع عن حقوق الإنسان عميل. إعلامنا المصري تفنن في معاداة الصحافة عندما اشتعلت معركة بين الصحافيين والنظام، وحرّض الناس على الأطباء عندما انتفضوا لكرامتهم ولأجل الناس، ولما اعترض المحامون على ضريبة القيمة المضافة، قادت وسائل الإعلام حملة شرسة عليهم وخوّنتهم.. فلا مانع من اتهام فئة كاملة بالعمالة أو الخيانة، فمثلًا: (الحقوقيون عُملاء، الأطباء إخوان، المحامون خونة، العمال مأجورون) لماذا؟ لأن لهم مطالب وحقوقا مشروعة، ولأن مطالبهم تزعج النظام. وبالنسبة لإعلامنا المصري الوطني الجميل فالنظام الحاكم هو الوحيد الذي يحب مصر حتى لو باع جزءًا من أراضيها، لهذا دافعت عنه باستماتة عندما تخلى عن جزء من أراض مصرية، ومارست كذبها المعتاد على المواطن المصري مُحاولةً إقناعه أن جزيرتي تيران وصنافير سعوديتان، ولتلطخ يدها كالعادة في كل جريمة ترتكبها الأنظمة المختلفة في حق الشعب. أما من حاول تنظيف يده فمصيره محتوم، فوجدنا مثلًا أن عصام الأمير، رئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون قرر تحويل أسرة برنامج «ثوار لآخر مدى» المذاع على شاشة قناة القاهرة، للتحقيق من قبل النيابة الإدارية، بدعوى خروج البرنامج عن المهنية والحيادية، فما هي عدم المهنية بالنسبة لصاحبنا؟ عدم المهنية هي تغطية البرنامج لتظاهرات جمعة الأرض الغاضبة في إبريل/نيسان الماضي، تخيلوا؟ كما مُنع الكاتب الصحفي أحمد السيد النجار، رئيس مجلس إدارة «الأهرام»، من كتابة مقال له حول الجزيرتين في الصحيفة التي يترأسها بنفسه».

البرلمان يتستر على الجريمة

الحرب على رئيس البرلمان لا تنتهي ويشارك فيها بعض أعضائه حيث قال النائب هيثم الحريري في تصريح لجريدة «البداية»: «إن رئيس البرلمان، علي عبد العال، يتحمل مسؤولية منع مناقشة طلبات الإحاطة والبيانات العاجلة المقدمة لوزير الداخلية بشأن مقتل المواطن مجدي مكين، الذي أثبت تقرير مصلحة الطب الشرعي وفاته نتيجة لتعرضه للتعذيب. واستنكر الحريري، في تصريحه عدم طرح طلبات إحاطة وزير الداخلية والبيانات العاجلة لعرضها على اللجان النوعية المعنية ومناقشتها في جلسات المجلس العامة، متهمًا رئيس البرلمان بتقييد حق من حقوق النواب، التي كفلها الدستور في المادة 134 منه، وهو المسؤول الأول عن عدم مناقشة وفتح القضية في المجلس حتى الآن. وتقدّم الحريري ببيان عاجل لرئيس المجلس في 17 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، طالب فيه بحضور وزير الداخلية للرد على ما تم تداوله بوسائل الإعلام بشأن مقتل المواطن مجدي مكين داخل قسم شرطة الأميرية، وتوضيح الإجراءات التي ستتخذها الوزارة تجاه المسؤولين عن الواقعة، ومعاقبتهم لعدم تكرارها. وكان تقرير الطب الشرعي الخاص بوفاة مجدي مكين، ضحية التعذيب في قسم شرطة الأميرية، أرجع الوفاة إلى تعرض المجني عليه للتعذيب، الذي أدى إلى صدمة عصبية في الوصلات العصبية في النخاع الشوكي، أحدثت جلطات في الرئتين وتسبب في الوفاة. كما كان محامو مكين أوضحوا لـ«البداية» أنهم اطلعوا على تقرير الطب الشرعي، الذي تسلمته نيابة شرق القاهرة الكلية، وأنه جاء ليؤكد أقوال الشهود الذين تحدثوا عن تعرض المجني عليه للاعتداء من جانب ضابط وأمناء شرطة في القسم، ويستند إلى تقرير تفريغ كاميرات القسم، التي سجلت بعض وقائع الضرب، وكذا كاميرات مكان الضبط التي أثبتت ضبط المتهمين في مكان مغاير لما أثبته الضابط كريم مجدي».

المواطنون يتحولون لقطع غيار بشرية لأثرياء العالم… والنظام يطالبهم بمزيد من الصبر

حسام عبد البصير