في اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة: هل يتطلب تحرر المرأة العربية تغييرا جذريا في العقلية والفكر السائدين؟

وجدان الربيعي

Nov-26

العام الحالي لم يكن الأفضل بالنسبة للمرأة العربية، فهي تعيش في مجتمع يحلل للرجال كل الأخطاء ويحرم عليها التعليم والعمل والكرامة. نساء هربن من الحروب والصراعات ليجدن أنفسهن في مهب الريح في غابة لا ترحم، حيث الاستغلال بكافة أشكاله. بنات في عمر الزهور يتم تزويجهن للخلاص من همهن، ونساء حرمتهن الحروب من أزواجهن ليصبحن عرضة لمافيات الجنس والمخدرات وللخطف على أيدي جماعات إرهابية كسبايا.
تعبر الانتهاكات الحدود العربية لتصل إلى قلب مخيمات اللجوء في أوروبا، حيث تضيع الحقوق وتصبح المرأة الحلقة الأضعف في عالم يضج بالفوضى ويصير الحامي المبتغى مسببا للأذى. العنف مسلط عليها داخل البيت وخارجه وسكوتها سبب علتها، فهي تعودت على ان تكون مضطهدة ومتقبلة لما يفرضه عليها المجتمع من عادات لم تنصف المرأة بقدر ما أحبطت من عزيمتها.
ما زالت قضايا جرائم الشرف منتشرة في بلادنا والقاتل يبقى طليقا حرا لا يعاقبه القانون، أما عادة الختان الجريمة الأخلاقية الكبيرة فما زالت تمارس في الخفاء حتى مع تجريمها في القانون، فمتى تتغير هذه النظرة الدونية تجاه المرأة، ومتى تنال حقوقها وهل الحل في وضع قوانين تحمي حقوقها، أم ان الأمر يتطلب تغييرا جذريا في العقلية والفكر السائدين اللذين يحللان كل شيء للرجل ويحرمان كل شيء على المرأة؟
«القدس العربي» حاورت أكاديميات وناشطات وحقوقيات عبرّن عن مدى قلقهن من الوضع الراهن للمرأة العربية رغم نضالها المستمر لنيل المزيد من حقوقها.

موروثات بالية

الشاعرة والكاتبة أسماء قلاوون من لبنان رئيسة «الملتقى النسائي الثقافي الخيري» قالت لـ«القدس العربي»:
«العنف الواقع على المرأة اسميه الوأد الذي كان يحصل في الجاهلية قبل الإسلام، ويعاد الآن لكن بطريقة مغايرة. يعز علي ان أرى امرأة تجر في ساحات المسجد الأقصى وهي ترابط دفاعا عنه بينما الصمت يحيط بها في أرجاء العالم، هي تجر وتعتقل وتهان لأنها تدافع عن كرامة الأمة. تتعرض المرأة العربية للعنف النفسي والجسدي وتعاني الأمرين من ظلم كبير ماثل للعين في بلادنا وتحرم من أبسط الحقوق».
وتضيف: «لا بد ان نذكر موضوع الطلاق المتهور، فلو تكلمت المرأة كلمة لا تعجب زوجها أول شيء يفعله أن يقول أنت طالق، دون إعطائها حق الرد. المرأة حتى الآن لا تعطى حقوقها كاملة بعد طلاقها، تلك الحقوق دعا لها الإسلام الحنيف ولكنها محرومة منها».

استغلال وتهميش

وتقول عن أوضاع المرأة اللاجئة: «من خلال عملي كنت مسؤولة ومتابعة لأوضاع اللاجئات الهاربات من سوريا إلى لبنان، وأعرف تفاصيل الحياة المريرة والمواجع التي واجهنها من استغلال واضطهاد وغيره. أذكر قصة طفلة زوجت لرجل مسن لأجل ان تهرب من حياة البؤس وتعيش، إذ أهلها لا يستطيعون توفير الطعام لها. وهناك نساء قتلن داخل المخيم بتهمة الشرف لمجرد شائعات، الاستغلال الجنسي والنفسي للمرأة جريمة فهي لا تشعر بالأمان وتحتاج للحماية القانونية بتوفير ما أمر به الشرع».

الاحتلال يستهدف المرأة الفلسطينية

المخرجة الفلسطينية امتياز المغربي من رام الله تطرقت من خلال أفلامها إلى واقع المرأة في الأراضي المحتلة ومن خلال تجربتها قالت لـ«القدس العربي»:
«تطرقت من خلال أفلامي كمخرجة لوضع المرأة الفلسطينية والعنف الممارس ضدها إن كان من قبل المحتل أو المجتمع. صحيح ان المرأة الفلسطينية استطاعت أن تنجز الكثير وتنجح في الوصول إلى مناصب عالية وقيادية مهمة وهذه سابقة تسجل لها، هذا هو الجانب المضيء، لكن الجانب المظلم هو وجود الاحتلال الإسرائيلي، فللأسف الكثير من الأمور السلبية تقع على عاتق المرأة.
والأمثلة كثيرة من مرور المرأة على الحاجز الإسرائيلي وتعرضها للتفتيش وللإهانة أو الإعتداء عليها إلى عمليات اقتحام المنازل والاجتياحات حيث تتوقع المرأة التي قد تكون الزوجة أو الأخت أو الأم ان يعتقل أو يقتل ولدها وهو ذاهب للمدرسة. أنا واحدة من النساء اللواتي تعرضن لمعاناة عندما كان أخي معتقلا. كنت أستيقظ الساعة الرابعة صباحا وأجد صعوبة في التنقل للوصول إلى السجن. ذهبت أكثر من مرة إلى سجن النقب ورأيت حال النساء المسنّات اللواتي يعانين من أمراض مزمنة. وتتعمد القوات الإسرائيلية التفتيش أكثر من مرة والإجراءات تعسفية بحق أهالي الأسرى وأصعبها التفتيش الجسدي للنساء الذي يجري بطريقة بشعة إلى درجة الطلب بنزع ملابسهن بالكامل. وحين ترفض الفلسطينية ذلك فهي إما تمنع من زيارة ابنها أو زوجها أو تعتقل».
وتتابع: «أشد انتهاك بحق الأسيرات رأيته من خلال قصة الأسيرة المحررة الحاجة عايشة عبيد، وقمت بتصوير فيلم عنها. هي سيدة مسنّة مبتورة القدم تجلس على كرسي متحرك عمرها اليوم 77 سنة ليست لديها أسرة ولم تتزوج، سخّرت كل حياتها للنضال الفلسطيني وفتحت معمل خياطة وحياكة وعلمت النساء».
وتضيف ان المجتمع ذكوري بإمتياز، حيث ما زالت هناك نساء يقتلن على خلفية ما يسمى شرف العائلة، غالبيتهن متزوجات ولديهن أطفال والسبب هو الثقافة الفكرية العمياء التي نتوارثها من جيل إلى آخر وندّعي ان الديانات هي من أمرت بذلك وهذا إدعاء باطل. لكن للأسف عندنا موروث من التخلف تنقله بعض النساء لأبنائهن ولبناتهن، فتمنع البنت من الخروج والتعلم واستعمال الهاتف ومواقع التواصل، بينما الرجل تنمي فيه الأم الشعور بكونه مسؤولا عن العائلة ويحمي شرفها. للأسف المرأة تساهم في تربية الرجل على ظلمها وتعنيفها وضربها».
وتضيف: «هناك تقييد لحرية المرأة وثقافة تجهيل يتم نشرها بين الشباب. الاحتلال يستهدفنا بالمخدرات التي تنهش الأسرة الفلسطينية، وتدخل إسرائيل إلى الضفة الغربية «مخدرات قانونية» تحتوي على مركبات كيميائية أخطر من الهيروين وتؤدي إلى مشاكل صحية في المخ والقلب وهذا أسلوب تتبعه سلطات الاحتلال اعتقادا منها بانها ستضعف المقاومة ضدها».
وترى المغربي ان بعض الأسر الفلسطينية تخاف على بناتها من الاعتقال أو القتل لذلك تمنعهن من الدراسة أو العمل خوفا من أن يعتدي عليهن جندي أو يتم التحرش بهن. من جانب آخر تؤكد على أن سوق العمل لا تجند المرأة المتزوجة بسبب مسؤولياتها والفرصة متاحة لمن تتوافر فيها مواصفات الجمال على حساب المضمون، والخلافات بين «فتح» و«حماس» زادت الطينة بلة، فللحصول على وظيفة لا بد من معرفة الانتماء السياسي والمحصل. فالنساء مستهدفات من كل النواحي وإسرائيل تستهدفنا ليس فقط بالاجتياح أو الاعتقال أو بالرصاص بل فكريا ومعنويا وبمحاولة تفكيك للأسرة.

المرأة مسؤولة بسكوتها

أما لانة الصميدعي رئيسة جمعية «المرأة المسلمة للمستقبل» سابقا وعضو «الرابطة الإسلامية في بريطانيا» وأستاذة القرآن والتجويد من لندن فتقول لـ«القدس العربي»: «ان الظلم سببه الرجل والمرأة لأنهما مكملان لبعض. والرسول الكريم (عليه الصلاة والسلام) حتى في آخر لحظة في حياته أوصى بالمرأة عندما قال: «أوصيكم بالنساء خيرا» وفي ظل كل التوصيات والعناية التي أتى بها الإسلام السمح لرفع شأن المرأة، إلا ان الحقيقة ولأكون صادقة، في العنف ضد المرأة أعتب على المرأة نفسها التي تهين كرامتها بزعم ان السيادة من المفترض ان تكون للرجل ولا تتصرف التصرف الصحيح، إذ مع سيادة الرجل يجب ان تمنح الكرامة والإنسانية والحرية بالشكل المطلوب واللائق».
وترى الصميدعي أن الرجل الشرقي فهم الإسلام فهما خاطئا، وهنا بدأت المشكلة في الترجمة الخاطئة للآيات والأحاديث.
وعن وضع المرأة المهاجرة تقول: «للأسف بعض تصرفات النساء تشجع الذكور على التصرف بعنف، ففي الغرب تستغل المهاجرة الغطاء الأمني والقانوني للمرأة وهناك نساء بالغن في موضوع العنف حتى يحصلن على تعويض، في حين ان المشكلة بسيطة ولا تستوجب ابلاغ الشرطة والجهات المسؤولة».
وتعتقد الصميدعي ان معاناة المرأة المسلمة كبيرة في الغرب ومن يدافعون عن حقوق المرأة هم من يعنفونها وينتهكون حريتها الفكرية والدينية والعقائدية «نحن مع الدعم النفسي للنساء المعنفات لكن نسمع ان فهم هذا الدعم أسيء. نعم هناك اضطهاد للمرأة المسلمة وعنصرية ضدها في العمل والشارع تشعر بها المرأة المحجبة، وحادثة «البوركيني» في فرنسا مثال، فنجد هناك تناقضاً ونحن نعيش في عالم المتناقضات، فالكلام شيء والتطبيق شيء آخر، بعض الدول الأوروبية منع النقاب وبعضها منع الحجاب في الوظائف والجامعات وكل هذا ظلم بحق المرأة حتى تخضع وتطيع. بعض النساء نزعن الحجاب لأنهن بحاجة إلى عمل ومصدر رزق وهناك من النساء من تخلع الحجاب في العمل وتلبسه خارجه».
وعلقت الصميدعي على وضع اللاجئات العراقيات بالقول: «المتضرر الرئيسي في الموضوع هو المرأة، فهي تعاني من ظلمات الجهل ولا تستطيع إكمال تعليمها وتركض بين حماية أطفالها وتوفير الرزق ويتم استغلالها بطريقة بشعة بسبب الفاقة والحاجة. وهناك من المهجرات من باعت أولادها في الموصل لأنها تقول أنها لا تستطيع إطعامهم ولا تعرف أين ذهبوا ولا لمن بيعوا».
وتنصح الصميدعي الرجال بحضور ورش العمل التربوية من أجل التوعية التي من شأنها أن تغيّر حال الكثير من الشباب الذي يحمل موروث الآباء والأجداد الذي يعتبر المرأة مجرد خادمة مطيعة ومخلوقا ضعيفا أُعد فقط للخدمة وإنجاب الأطفال ليس إلا.

ثغرات قانونية

الإعلامية والناشطة الحقوقية الجزائرية عائشة زيتوني تقول عن مشكلة العنف ضد المرأة لـ«القدس العربي»:
«في إطار اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة، رأيت أن الغالبية تفكر في العنف على أنه مجرد عنف جسدي ولكن هناك أنواعا كثيرة من العنف، قد تكون أكثر قسوة من الضرب. فالعنف الجسدي تتعرض فيه المرأة للضرب مسببا ندوبا وخدوشا على مستوى الجسم بينما العنف الجنسي فتجبر فيه المرأة على ممارسة الفعل الجنسي بالإكراه، ليس بالضرورة أن تكون علاقة كاملة بل يكفي أن تجبر على أي نوع من الانتهاكات الجسدية.
كذلك العنف النفسي يعد من أشد أنواع العنف ضد المرأة، لأنه يترك أثرا كبيرا في نفسيتها ويعود عليها بمشاكل قد تؤدي للإنتحار. ولابد أن لا ننسى العنف الاجتماعي، ومن أسبابه العادات والتقاليد العربية عامة والمحلية بشكل خاص، مثل الختان، والرجم، ووأد البنات، والنفي، وغيرها من التصرفات التي تكون بسبب معتقد مجتمعي أو قبلي.
بالإضافة إلى العنف اللفظي الذي هو من أكثر أنواع العنف انتشارا سواء كان يدرك مستخدموه بأنه عنف أم لا، كالتلفظ بألفاظ بذيئة في الشوارع وأماكن العمل.
أما العنف السياسي فهو تعرض المرأة للعنف من قبل السلطة الحاكمة أو الاحتلال، سواء كان ذلك في وقت السلم أو الحرب، مثل التعذيب في السجون، وحرمانها من حقها في حرية السفر والتنقل.
وتشير زيتوني إلى أن العنف ضد المرأة في تزايد وهذا ما تقوله الإحصائيات التي سجلت في الجزائر العام الماضي: «سجلت حوالي 10 آلاف حالة عنف ضدّ النساء منها حوالي 7 آلاف حالة خلال الشهور التسعة الأولى من السّنة التي غلب عليها العنف الجسدي بـ 5163 حالة متبوعة بسوء المعاملة بـ 1508 حالات ثم بعدها العنف الجنسي بـ 205 حالات كما سجّلت أيضا 27 حالة قتل عمدي.
ومن أصل 6985 امرأة ضحية عنف حوالي 1903 لا يتجاوز مستواهن التعليمي الطور المتوسّط وحوالي 1267 امرأة بدون تعليم وحوالي 603 من المستوى الابتدائي والبقية كلّهن متعلّمات وصاحبات مناصب مسؤولة.
أما المتورّطون فجلهم غير متعلمين أو أوقفوا تعليمهم في الأطوار الأولى من الدراسة فمثلا حوالي 1303 منهم لهم مستوى التعليم المتوسّط».
وتنهي زيتوني حديثها بالقول: «من هذه الإحصائيات نجد ان العنف لا يعترف بسن معين ولا يميز بين المرأة البالغة والقاصر أو ثقافة معيّنة أو بلد أو مجتمع بعينه وإنما يشمل كافة الثقافات والدول المتقدمة ودول
العالم الثالث. وبالنسبة للجزائر فلا تزال تفتقر إلى قانون خاص لمحاربة العنف ضد المرأة مع أنه مطلب قديم للجمعيات الجزائرية المدافعة عن حقوق الإنسان بصفة عامة وحقوق المرأة بصفة خاصة، لذلك فهذه المقاربة تنعكس في عدم حماية النساء والفتيات ضحايا العنف الجنسي بشكل كاف، مع وجود ثغرات قانونية تمكن الجاني من الإفلات من العقاب. المرأة نصف المجتمع وإذا بقي النصف الآخر محبوسا داخل آلات العنف بكل أشكاله فان النّصف المشلول لا يمكنه التقدم بالمجتمع وكما قال وليام شكسبير (الرحمة جوهر القانون ولا يستخدم القانون بقسوة إلا الطغاة)».

في اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة: هل يتطلب تحرر المرأة العربية تغييرا جذريا في العقلية والفكر السائدين؟

وجدان الربيعي