ما الذي يعتمل في مصهر فلسطين؟

رأي القدس

Aug-10

تشهد الجغرافيا الفلسطينية حاليّا اهتزازات سياسية كبرى تنذر، من ناحية، بمخاطر غير مسبوقة على الشعب الفلسطيني وقضاياه الأساسية، من الاحتلال والاستيطان وحقوق اللاجئين إلى الهويّة والوجود ككل، ولكنّها تبشّر، من ناحية أخرى، بتغيّرات في الرؤى والأسس وطرق النضال.
ما يحصل حاليا هو خلاصة مرحلة طويلة من الأفعال وردود الأفعال التاريخية، يمكن اختيار مثال عليها، لو أردنا، حرب حزيران 1967، التي شهدت سقوط جيوش مصر وسوريا والأردن أمام الآلة العسكرية الإسرائيلية (بعد 19 عاماً فحسب من النكبة الفلسطينية ونشوء كيان «دولة إسرائيل»)، وهي اللحظة التي سجّلت أيضاً ردّ فعل الجسد الشعبي العربيّ/الفلسطيني الرافض للهزيمة عبر ظهور المقاومة الفلسطينية وصمودها، مع الجيش الأردني، في معركة بلدة الكرامة عام 1968.
وكما في قوانين الفيزياء حول الفعل ورد الفعل، فإن الهزيمة الكبرى التي حاقت بالعرب والفلسطينيين أدّت إلى ردّ فعل كبير يناهض الهزيمة بأدوات وأسس جديدة تماماً يكون فيها الجسد الفلسطيني هو المحرّك الكبير للفعل العربيّ.
فتحت الثورات عام 2011 أفقاً جديداً للعرب والفلسطينيين نحو الانتظام في نظم ديمقراطية مدنيّة حديثة لكنّها ووجهت بمدّ عال من التدخّلات المعقّدة شاركت فيها القوى العالمية والإقليمية والعربية فأدّت إلى تهشم الطابع الديمقراطي المدني وارتفاع الطابع الطائفي والاستبدادي ما أدى لتحويل اليمن وسوريا والبحرين والعراق إلى مراتع لتوحّش القوى المحلية والخارجية، وتناظرت هذه اللحظة العربية السوداء مع استفحال الأزمة الخليجية، وتكرّس نفوذ إيران في أربعة بلدان عربية، وصعود تيّارات اليمين المتطرّف في أمريكا وأوروبا، وهو أمر حصد الفلسطينيون نتائجه اعترافاً من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل وتبعت ذلك محاولة فاحشة، تدعم فيها أنظمة عربيّة إسرائيل، باتجاه دفع الفلسطينيين لقبول استسلام غير مشروط.
يمثّل قانون القوميّة الإسرائيلي الجديد إعلانا أخيرا لتوضيح الطابع العنصريّ ليهودية إسرائيل، والذي يستثني سكان الأرض الأصليين، جميعهم، من حق تقرير مصيرهم، وهذه التصفية الرمزيّة لوجودهم وهويتهم ولغتهم، هي إعداد مبدئي لتصفيتهم الحقيقية، وهو أمر ليس صعبا على المخيّلة حين نرى ما يحصل في سوريا المفرغة من شعبها، وفي ميانمار التي طردت أكثر من مليون من الروهينجا، وفي الهند التي سحبت الجنسية من 4 ملايين مسلم.
لكنّ المستجد، الذي يندرج فيه ما يحصل في غزة حاليّا من بحث قضايا «التهدئة» مع إسرائيل، و«المصالحة» بين الفلسطينيين، هو ما يحصل في إسرائيل نفسها، التي ستشهد يوم السبت مظاهرة كبرى رافضة لقانون القومية يشارك فيها الإسرائيليون اليهود والعرب (بمن فيهم الدروز الذين تمّ إخراجهم من تعريف الإسرائيلي «الحق»)، وهو ما دفع مئات المثقفين الفلسطينيين لتوقيع بيان يقترح يوم 11 آب/أغسطس يوم فاعلية كبرى للفلسطينيين، من دون أن يستثني العمل مع «القوى اليهودية ـ الإسرائيلية الديمقراطية والمعادية للصهيونية والعنصرية»، فتوجّه إسرائيل نحو الفاشية والعنصرية الصريحتين، كما هو صعود التيارات الفاشية اليمينية المتطرفة في أوروبا وأمريكا، يشكّل خطراً على الأقليات والأمم والشعوب المضطهدة، كما يشكل خطراً على أمريكا وأوروبا نفسها.
وبالتالي فإن ما سيعتمل في مصهر الجغرافيا الفلسطينية هذا على ضوء كل هذه النار والحرائق واللهيب مسألة كبيرة ليست مطروحة على الفلسطينيين وحدهم، بل على العالم أيضاً.

ما الذي يعتمل في مصهر فلسطين؟

رأي القدس