قانون الصحافة الجديد يحبس أنفاس الصحافيين قبل حبسهم في الزنازين باتهامات باطلة ومسمار في نعش الحريات

حسنين كروم

Jul-12

القاهرة ـ «القدس العربي» : أبرزت جميع الصحف المصرية الصادرة أمس الأربعاء 11يوليو/تموز، استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي أعضاء الفرق الرياضية التي حققت إنجازات في دورة ألعاب دول البحر الأبيض المتوسط، التي أقيمت في إسبانيا، ومنحهم أوسمة وكذلك للمدربين الذين أشرفوا على تدريبهم، وذلك لمحو آثار الصدمة الشعبية في خيبة منتخب كرة القدم في مونديال روسيا، ولإثبات أن هناك إيجابيات وانتصارات في مجالات رياضية أخرى.
إلا أن المشكلة تكمن في أن هذه الألعاب ليست لها شعبية جماهيرية، كما هو الحال في كرة القدم، وهو أمر لا يتعلق بالمصريين، وإنما بكل شعوب العالم.
وامتلأت صفحات الصحف استمرارا للأيام السابقة بالمعارك الساخنة جدا حول قضايا الفساد، بعد إلقاء هيئة الرقابة الإدارية القبض على رئيس مصلحة الجمارك، متلبسا بتلقي الرشوة، ما أثار موجة من التفاؤل باستمرار جهود النظام في مقاومة الفساد، مهما كانت شخصيات الفاسدين والمناصب التي يتولونها. ومن الأخبار أيضا، اتهام مجلس النواب والحكومة بإعداد مشروع قانون للصحافة يعيد الحبس الاحتياطي مرة أخرى بعد إلغائه، ويستخدم عبارات مطاطة لتلفيق الاتهامات للمعارضين. ومطالبة السيسي بضرورة تحديده لأعداء نظامه وأنصاره كما فعل عبد الناصر والسادات. أما اهتمام الأغلبية الساحقة فلا يزال موجها لما تبقى من مباريات كأس العالم بعد أن انحصرت في أربعة منتخبات وكذلك في توقع إعلان نتيجة الثانوية العامة والاستعداد لعيد الأضحى والحج. وإلى ما عندنا من تفاصيل الأخبار وأخبار أخرى متنوعة.

فساد.. فساد

نبدأ بالقضية التي اجتذبت أكبر عدد من المقالات وهي الفساد الذي تجذر في البلاد منذ أربعين عاما طوال عهدي الرئيسين السادات ومبارك، فقالت عبلة الرويني في «الأخبار»: «محاربة الفساد وضبط المنحرفين واللصوص وكل أشكال الاعتداء على حقوق الناس، لا تقل أهمية بالتأكيد عن محاربة الإرهاب، كلاهما تخريب وتفكيك وانهيار وتدمير للدولة يعصف بنا ويعيدنا سنوات وسنوات للوراء. ووقائع الفساد الأخيرة والمتلاحقة المتهم فيها عدد من المسؤولين، شهادة على حرص الدولة وجديتها في ملاحقة الفساد داخل مؤسساتها. ودور بالغ الأهمية للرقابة الإدارية في الكشف عن المنحرفين ولصوص المال العام، ومحاولات تطهير الدولة وضبط الأداء الحكومي ومراقبة قصوره وتجاوزاته، وحماية حقوق المواطن».

عبرة وعظة

وفي العدد نفسه من «الأخبار» قال كرم جبر رئيس الهيئة الوطنية للصحافة: «رئيس مصلحة الجمارك نموذج، فلو كانت عنده ذرة وعي أو ضمير أو دين لفكر مليون مرة قبل ارتكاب جريمته، فأضاع ماضيه وحاضره ومستقبله، وحكم على نفسه وأسرته وعائلته بالعار، وبعد أن كان يمشي مزهواً ووراءه الحرس يسير منكساً رأسه في قبضة الحرس. الكبار يتساقطون وفي سقوطهم عبرة وعظة لأعداد كبيرة من الفاسدين في المصالح الحكومية ورشوتهم بالعشرة جنيه والخمسين والمئة والقانون لا يرحم أبو مليون ولا أبو عشرة جنيه».

فساد نفوس

كرباج محمود الكردوسي في «الوطن» موجه اليوم ضد الفساد الذي يقول عنه: «لم يعد للفساد رأس واحد يمكن قطعه، فتنتهي المشكلة و«البلد تنظف». ولم يعد يكفي أن تصطاد الأجهزة الرقابية فاسداً كل يومين أو ثلاثة، فنهلل وننام قريري العين. ولم تعد الرقابة الإدارية وكل أجهزة الدولة المماثلة كافية لمواجهة سرطان الفساد، لأن خلاياه نائمة وبعيدة وكامنة حتى في المواطن الصالح، فإذا كانت خمسون جنيهاً سترحمني من وقفة الطابور أو ضياع الوقت.. سأدفعها وأنا منتشٍ وسعيد. أما إدانة من يختار فاسداً لموقع مسؤولية.. فلم تعد في محلها، لأن الفساد في مصر، وعبر أكثر من أربعين عاماً، أصبح بالفطرة: «فساد نفوس وليس فساد فلوس». هذا ما تعنيه صيحة «كلنا فاسدون»، وما من حل إذن سوى محاكمات فورية، وقطع بعض الرؤوس».

شهوة المال الحرام

وفي «الأهرام» كاد أشرف عابدين أن يجن لما اعتبره توطن الفساد والرشوة في نفسية الإنسان المصري، واتهم الزوجة والاولاد بدفع رب الأسرة للفساد وقال: «ألهذا الحد باتت الرشوة ثقافة وسلوكا كامنا داخل الشخصية الفاسدة تعميه عن استشعار الخطر القريب. وسيطرت شهوة المال الحرام على مكامن الشخصية وجعلتها تحت رحمة أطماع طالب الخدمة؟ قد نلتمس العذر لطالب «الاصطباحة أو الشاي أو الإكرامية» فالرشوة هنا لن تزيد على بضع عشرات من الجنيهات يملأ بها المرتشي الفجوة بين راتبه الهزيل ومتطلباته الحياتية، ورغم أننا لا نبرر للمرتشي «القانع» جريمته، لكننا نحاول عقد مقارنة مع المرتشي «الكبير الطماع « الذي لا يكتفي براتبه وحوافزه المتضخمة والوجاهة الاجتماعية التي يوفرها منصبه، فنجده دائما شرها تجاه أي رشوة جديدة يملأ بها بطنه لكنه لا يشبع أبدا».

تقطيع شبكة الفساد

ومن «الأهرام» إلى الجمهورية وناجي قمحة وقوله في مقال له تحت عنوان «الفساد وضحاياه»: «وقع رئيس مصلحة الجمارك حديث التعيين في قضية رشوة، ليكون أحدث من صادتهم شباك جهاز الرقابة الإدارية، التي لم يعد يستعصي عليها الصيد الثمين ممن انتسبوا لشبكة الفساد الكبرى، التي ترعى في أجهزة الدولة بوزاراتها ومؤسساتها ومحلياتها منذ 4 عقود، حان الوقت لتقطيع أوصال هذه الشبكة بداية من رجل الأعمال الراشي، ثم رئيس العمل المرتشي، حتى آخر الواقفين في طابور المستفيدين من الموظفين وأتباعهم في الدرجات الدنيا وهي معركة كبرى تخوضها الرقابة الإدارية متمتعة بشعبية جارفة من الأغلبية الساحقة من المواطنين، الذين يرون في الفساد عدواً متوحشاً لا يقل خطره وافتراسه لموارد الدولة عن الإرهاب الأسود، الذي تكفلت قواتنا المسلحة الباسلة وشرطتنا الوطنية بالتصدي له والقضاء عليه».

احترامي للحرامي

وإلى «الوفد» وطارق تهامي ومقاله الذي اختار له عنوانا طريفا هو «احترامي للحرامي» قال فيه وهو في حيرة شديدة من أمره: «لا أعرف هل أشيد بالأجهزة الرقابية والأمنية التي قبضت على رئيس مصلحة الجمارك متلبساً بالرشوة، أم أدينها؟ لأنها الأجهزة نفسها التي سمحت له باعتلاء منصبه منذ عدة أيام. طبعاً الفاسد الذي يصل إلى هذا المنصب الكبير لا يمارس فساده بين يوم وليلة، ولا يمكن لمن وصل لمرتبة إدارية كبيرة أن يكتشف فجأة ضرورة تأمين مستقبله، ولا يمكن لمن اعتاد الحصول على مقابل تأدية الخدمة العامة أن يعمل في وظيفته من دون رائحة وقرارات مشبوهة تدل على وجوده وتحركاته وفساده. قطعاً نناقش قضية ضبط رئيس مصلحة الجمارك متلبساً، من دون أن ننسى مبدأ قانونيا مهما، وهو أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته بقرار وحكم قضائي بات، ولكن من حق الرأي العام أن يعرف الإجابة عن السؤال الذي حيرنا جميعاً «لماذا تم تعيين هذا المسؤول الكبير في هذا المنصب الحساس، من دون مراجعة تقارير الأجهزة الرقابية؟ وإذا كانت تقارير هذه الأجهزة تم عرضها لماذا لم يتم الأخذ بما ورد فيها من ملاحظات؟ وإذا كانت ملفاته بيضاء عبر تاريخه الوظيفي الطويل، لماذا سقط بعد عشرة أيام من استلامه منصبه؟ هل يرجع هذا إلى حرصه الشديد خلال هذه الفترة؟ أم أن الرقابة الصارمة تتم على تصرفات أصحاب المناصب الكبيرة دون غيرهم؟» كل هذه أسئلة مشروعة تستحق المناقشة، وإلا سيكون للفاسدين كل الاحترام والتقدير لأنهم يسرقون وينهبون ويقومون بالاستيلاء على المال العام، من دون رقيب أو حسيب».

ضعاف النفوس

وفي العدد ذاته من «الوفد» قال زميله محمود غلاب: «الغريب أن جمال عبدالعظيم رئيس مصلحة الجمارك المضبوط متلبسًا بالرشوة حاصل على الدكتوراه من كلية الحقوق، وكان عنوان الرسالة اقتصاديات التهريب الجمركي، وأثره على عجز الموازنة، وبدلاً من قيامه بتوظيف علمه للحفاظ على أموال الدولة ودعم موازنتها العامة، استغله في خدمة المهربين للحصول على رشاوى، فهل كان «جمال» «ناوي» أن يتحول إلى مرتشٍ بعد توليه رئاسة المصلحة؟ أم هي الصدفة؟ أم أنه بدأ حياته هكذا؟ وهل كان عمرو الجارحي وزير المالية السابق «مالي» إيده منه عندما عينه في هذا المنصب الكبير منذ حوالي شهرين؟ وهو ليس آخر كبير يسقط في قبضة رجال الرقابة الإدارية فمازال هناك الكثير من ضعاف النفوس الذين حتما سيقعون في قبضة الرقابة الإدارية، تحية للوزير محمد عرفان ورجاله الذين عاهدوا الرئيس السيسي على تنفيذ تعليماته، بأنه لا تستر على فساد أو فاسد مهما كان شأنه، سقوط المرتشين كل يوم من الكبار لا يقلق ولكنه يعني أن مصر تتطهر من هؤلاء الذين لا يقل خطرهم على الاقتصاد القومي عن خطر الإرهاب».

محاولة فك الشيفرة

ثم ننتقل الي جريدة «روز اليوسف» ومحمد صلاح ومحاولته فك شيفرة حيتان الفساد، وهو عنوان مقاله الذي قال فيه: «لا كرامة لفاسد بين أهله ولا أحد فوق القانون ولا يوجد كبير على المساءلة مهما كان اسمه أو منصبه» فقد انتهت مقولة «خدوا البساريا وسابوا الحيتان الكبار» بعدما نجحت الرقابة الإدارية في فك شيفرة كبار «البهوات» في طريقة طلبهم للرشوة وتوثيق ذلك بالصوت والصورة، حتى لا يفلت الفاسد من عقابه. رئيس مصلحة الجمارك الذي سقط قبل ساعات في قبضة الرقابة الإدارية بعد 60 يوما بالتمام والكمال من توليه منصبه، لم يتعظ من العار الذي لاحق عددا كبيرا من مرؤوسية في المنافذ الجمركية المختلفة، التي تحولت إلى أوكار للفساد، أو الوزراء والمحافظين وكبار المسؤولين الذين سقطوا في قبضة الرقابة الإدارية. ومن المفارقات العجيبة أن المتهم الجديد يعد خبيرا في مكافحة التهرب الجمركي حاصل على الدكتوراه في اقتصاديات التهريب الجمركي وأثره على عجز الموازنة، وهو نفسه الذي أمر مرؤوسيه بتهريب حاويات من البضائع محظور استيرادها، من دون الحصول على رسوم جمركية مقابل الحصول على رشوة قدرها مليون جنيه. كما وجه بإعداد تقارير مخالفة للواقع لتخفيض الغرامات المالية المستحقة عن بضائع سبق ضبطها في عدة قضايا تخص المهربين».

كاركتير

وما أن سمع الرسام في «اليوم السابع» محمد عبد اللطيف كلمة بساريا وللعلم هي السمك الصغير جدا حتي أخبرنا أنه كان في زيارة صديق مسجون فشاهد سيدة وفي يدها حقيبة مليئة بالسمك الفاسد تقدمه للسجان وهي تقول له: دول شوية سمك فاسد ما يقدرش يعيش من غير فساد.

حكومة ووزراء

وإلى الحكومة التي بدأت منذ ايام إعادة نشر الإعلانات في بعض الصحف التي تذكر بها الناس انها لا تزال تدعم أسعار الوقود، على الرغم من رفع سعره، ونشرت الأرقام تحت عنوان «الأرقام ما بتكدبش» بنشر سعر التكلفة الحقيقية للغاز والبنزين والسولار وسعر البيع، واتضح أن حجم الدعم النسوي 201 مليار ونصف المليار جنيه، ولكن المحلل الاقتصادي عبد القادر شهيب هاجم الحكومة في مقال مطول في مجلة «المصور» قائلا تحت عنوان «حكاية الرقابة على الأسواق»: «خرج المتحدث باسم الرئاسة بتصريحات تحدث فيها عن توجيهات للرئيس السيسي لتنظيم التجارة الداخلية وأمور أخرى مهمة، غير أن صحفا يومية اختارت لهذه التصريحات عنوان «التوجيهات الرئاسية تشديد الرقابة على الأسواق»، بما يوحي للقراء بأن هذه الرقابة الموعودة هي التي سوف تحمي المستهلكين من ارتفاع الأسعار والغلاء الذي أصاب كل السلع المتداولة في أسواقنا، وأيضا كل الخدمات المختلفة ويحدث الآن كلما اتخذت الحكومة خطوة أو إجراء في إطار خطة أو برنامج الإصلاح الاقتصادي، أن يخرج علينا من يتحدث عن الحاجة إلى الرقابة على الأسواق، سواء من بين الصحافيين والإعلاميين، أو من بين المسؤولين، رغم أن أسواقنا الآن صارت حرة بعد انتهاء زمن التسعيرة الجبرية الملزمة للتجار جملة وقطاعي، فنحن ليس لدينا من سلع يتم تسعيرها جبريا، سوى الخبز المدعم وسلع البطاقات التموينية الأساسية، زيت وسكر وأرز وشاي والأدوية والمنتجات البترولية، مثل البنزين والسولار والمازوت والغاز والبوتاجاز، وأيضا الخدمات الحكومية مثل الكهرباء والمياه وخدمات الصرف الصحي، بالاضافة بالطبع إلى مصاريف المدارس الحكومية والجماعات الحكومية وأيضا أسعار النقل العام من أتوبيسات ومترو وقطارات، وكذلك الميكروباصات الخاصة، أما عدا ذلك من سلع وخدمات وهي تعد بالآلاف فلا تحديد لأسعارها عن زيادة أسعار كل السلع المستوردة من الخارج، ثم قرار تخفيض الدعم عن الطاقة، الذي لم يسفر فقط عن ارتفاع أسعار النقل للأفراد والسلع، وإنما دفع كثيرين من مقدمي الخدمات إلى تعويض النقص في دخولهم الحقيقية بزيادة أسعار ما يقدمونه هم من خدمات، بدءا من بعض الأطباء والمهندسين والمحامين والمحاسبين، وانتهاء بالسباكين والنقاشين وغيرهم، وهذه ظاهرة اقتصادية معروفة ولا تنفرد بها مصر، إنما هي موجودة في كل البلاد وتعرف بإزاحة عبء التضخم وتوجيهه إلى الغير».

هل تملك المليون؟

ولكن استاذ الاعلام بجامعة القاهرة ومستشار جريدة الوطن الدكتور محمود خليل سخر من خطة الحكومة في حل مشكلة الاسكان وحذر من فقاعة عقارية سبق وحذر منها منذ ايام طارق عامر رئيس البنك المركزي بأن طلب من رؤساء البنوك عدم المغامرة في تمويل مشروعات المستثمرين العقارية وقال خليل تحت عنوان «هل هذا طبيعي؟»: «يقول الخبر الذي سمعه وقرأه محمود خليل في «الوطن» في اجتماع مع «المطوّرين العقاريين»، استعرض الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء ووزير الإسكان، المقترحات المتعلقة بالشراكة بين الحكومة والمطوّرين في تنفيذ مشروعات إسكان متوسط بسعر أقل من مليون جنيه للشقة. هل هذا طبيعي؟ سعر الإسكان المتوسط مليون.. هل يعلم مَن يناقشون هذه المقترحات المتوسط العام للمرتبات في مصر؟ دعنا نكن مفرطين في المبالغة ونقول إن متوسط أجر العاملين في المحروسة يبلغ 5 آلاف جنيه شهرياً، إذا كان ذلك كذلك فإن مَن يريد شراء «شقة الغلابة» التي يطورها رئيس الحكومة مع «العقاريين» يحتاج إلى 16 عاماً، لا يفعل فيها شيئاً سوى دفع دخله كاملاً نظير الشقة التي سيعيش فيها، بدون أن يأكل أو يشرب أو يلبس أو يعالج. هل هذا طبيعي؟ السنوات الأخيرة شهدت تمدداً غير مسبوق في بناء العقارات، الكل يبني، الحكومة والقطاع الخاص، الدولة مشكورة تحاول أن تحل مشكلة القطاعات الأقل قدرة من خلال مشروع الإسكان الاجتماعي، لكن الطبقة الوسطى دهسها موضوع السكن، فمع ارتفاع أسعار الاحتياجات الأساسية للحياة، أصبح أفراد هذه الطبقة يقومون يومياً بأفعال بهلوانية حتى يتمكنوا من البقاء على قيد الحياة، أغلبهم بدأ يلجأ إلى النزول بمستوى معيشته، ويستغني عما يمكن الاستغناء عنه، ويحاصر ما يمكن محاصرته من أوجه إنفاق، لكن من يحتاج الآن من أفراد هذه الطبقة إلى شقة يقع في حيص بيص، فالحكومة الآن تسعى لإيجاد شقق متوسطة بأقل من مليون، ومؤكد أن هذه الشقق التي يرتب المسؤولون مع العقاريين لبنائها ستقع على أدنى درجات السلم السكني، لكن من المؤكد أنها ستقدم حلاً بشرط امتلاك المليون. الطبقة الوسطى كانت زبوناً أساسياً من زبائن الاستثمارات العقارية، وظني أن حالة الضغط الاقتصادي التي تعيشها منذ فترة أخرجتها بنسبة أو بأخرى من هذه السوق، وتبدو مؤشرات ذلك واضحة في حجم المبيعات، وهناك من يتحدث من الخبراء في هذا المجال عن فقاعة عقارية منتظرة ترتفع فيها أسعار العقارات بصورة غير طبيعية، بشكل يقلل من قدرة شرائح عريضة على الشراء، وهو ما يؤدي إلى تراجع الاستثمار العقاري ككل. والسر في ذلك دائماً يرتبط بأمرين، الأول انحسار القدرة الشرائية للطبقة التي يوجد لديها طلب (الطبقة الوسطى)، والثاني: المضاربات بين المستثمرين في المجال. تراجع القدرات الاقتصادية للطبقة الوسطى له تداعياته السلبية على مجمل النشاط الاقتصادي داخل أي مجتمع، بحكم أنها الطبقة الأكثر تطلعاً والأميل إلى الاستهلاك، قد تتوقف مشروعات وتتراجع أنشطة اقتصادية، ربما يتحقق مكسب فقط على الورق، مثل ذلك الربح الذي يشعر صاحب شقة أنه حصل عليه، بسبب زيادة سعرها بعد مُضي عدة سنوات على شرائها، وينسى أنه لو باعها اليوم، فسيكون مطالباً بوضع مبلغ «أد كده» عليها حتى يشتري أخرى أكثر تميزاً. فالأحسن له أن يثبت مكانه ويرضى بالمقسوم وينظر إلى من يبحث عن مليون يشترى بها شقة إسكان متوسط حتى يهون عليه أمره».

مقر هرم السلطة

أما سحر الجعارة في «الوطن» فكان مقالها بعنوان في «العاصمة الإدارية الموظفون يمتنعون»: «على مدخل العمارة التي أسكن فيها إعلان يقول: «بادر بحجز وحدتك في العاصمة الإدارية الجديدة بمقدم حجز 350 ألف جنيه والأقساط على عشر سنوات.. الأولوية بأسبقية الحجز».. وكلما رأيت الإعلان أفكر أولاً في مصير ملايين الموظفين الذين سينقلون حياتهم إلى العاصمة الجديدة، بعد نقل دواوين الوزارات إلى مقارها الجديدة في نهاية هذا العام، أو منتصف العام المقبل. هل ستوفر الحكومة لهؤلاء الموظفين وحدات أرخص وتقدم لهم تسهيلات حقيقية في السداد، لأنهم لا يملكون، بالقطع، الثمن المرتفع لهذه الوحدات؟ أم سيقضون نصف عمرهم في الطريق من مقار سكنهم إلى مقار أعمالهم؟ وبذلك يضيع الهدف الأساسي من إنشاء العاصمة الإدارية الجديدة، وهو تقليل الكثافة السكانية في العاصمة، والانتقال إلى عاصمة حضارية، لتقديم خدمات أكثر تكاملاً ورقياً في المقر الإداري الجديد للحكومة. وإذا كان قدر هؤلاء الموظفين هو الانتقال يومياً من وإلى العاصمة الجديدة، فهل ستوفر لهم الحكومة وسائل مواصلات «آدمية»، بأسعار مناسبة؟ أم سيصبح الموظف الذي يتراوح راتبه ما بين ألف إلى ثلاثة آلاف مضطراً لإنفاق ثلث راتبه على المواصلات.. والوصول إلى مقر عمله منهكاً، علاوة على استهلاك «الوقود» والضغط على الطرق بالزحام والعذاب اليومي. الأسعار المعلنة للوحدات السكنية في العاصمة الإدارية الجديدة مخيفة، فمتوسط الأسعار وصل رسمياً إلى 11 ألف جنيه للمتر للشقق المطروحة من الحكومة، فما بالك بأسعار الشركات الخاصة، وفي الكومباوندز المغلقة؟ وإذا كان المقصود هو انتقاء «شريحة منتقاة» من البشر لتسكن في أهم مشروع قومي تتبناه الدولة، كما حدث في القطامية وغيرها من الكومباوندز، فلمَ تنتقل دواوين الحكومة إلى هناك بما يصاحبها من زحام المواطنين لقضاء احتياجاتهم؟ وهل المواطن «الغلبان» عليه أن يتكبد مشقة الذهاب إلى هناك لتوقيع «ورقة» من وزارة أو جهة حكومية.. بالتكلفة والمشقة ومضيعة الوقت نفسها التي يتكبدها الموظف؟ هناك حلقة مفقودة، ربما تحتاج لدراسة جيدة، قبل أن يسارع «السماسرة»، ممن يحترفون «تسقيع الأراضي والشقق»، لشراء المتاح وتجميده حتى ترتفع الأسعار، لتصبح العاصمة الحضارية «عاصمة أسمنتية» يسكنها الأشباح مرحلياً، مثلما حدث لبعض منتجعات الساحل الشمالي.. خاصة مع تذبذب سعر الدولار وانخفاض قيمة الجنيه المصري، ما جعل الجميع، حتى «ربات البيوت»، يلجأون للاستثمار الآمن بتجميد أموالهم في العقار أو الذهب أو الدولار. أعلم جيداً أن فلسفة العاصمة الإدارية الجديدة لا تقتصر على خلق مركز إداري حضاري، ولا على خلخلة الكتلة السكانية التي ضاقت بها العاصمة، وإنما تستهدف ربط المدن السياحية المتناثرة في الصحراء (العين السخنة، رأس سدر، الغردقة)، بالعاصمة، وبذلك تكون عملية تعمير الصحراء «جاذبة للاستثمار».. وتكون الفرصة مهيأة لخلق مراكز أخرى عمرانية سياحية وحضارية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل من المفيد امتصاص السيولة بالكامل من العملية الإنتاجية، وتوجيهها للاستثمار العقاري، بدلاً من استثمارها في الصناعات الصغيرة والمتوسطة، التي تستوعب العمالة وتوفر فرص تصدير ولو محدودة؟ هل نتصور أن «التمويل العقاري»، لشراء الأراضي والوحدات السكنية، كفيل بضخ الدماء في شرايين البنوك، رغم كثرة المعروض من وحدات عقارية في مختلف أنحاء مصر، الذي كشف عن أن المصريين يفضلون أماكن بعينها للاستثمار، منها «الساحل الشمالي» رغم ارتفاع سعره؟ وهل نسينا ما يسمى بـ«الاقتصاد السري»، الذي عادة ما يعيد تدوير رأس المال، (بالأحرى غسيل الأموال)، في تسقيع الأراضي وشراء العقارات؟ للأسف، معظم المعلومات المتاحة عن العاصمة الجديدة هو حجم الإنجاز، وكل ما تلا ذلك «اجتهادات» يتطوع بها البعض.. فنحن لا نعلم إذا انتقل مجلس النواب بالكامل ومجلس الوزراء بالكامل والوزارات أيضاً.. هل ستظل بعض الجهات التابعة لها مثل (مديريات الصحة والتعليم.. إلخ) في القاهرة؟ وربما لو توافرت المعلومات لرأينا الصورة أوضح.. وقبلنا أن تكون العاصمة الجديدة مقراً لقمة «هرم السلطة».. والصفوة والأثرياء.. ونقطة جاذبة للاستثمار وتعمير الصحراء.. حتى لو فقدت أهدافاً أخرى مثل خلخلة الكتلة السكانية في العاصمة».

صحافة وسلطة

وإلى الجدل المستمر والعنيف بسبب مشروع قانون الصحافة الذي أعدته لجنة الثقافة والإعلام والآثار في مجلس النواب التي يرأسها أسامة هيكل ونشرت جريدة «الأهالي» لسان حال حزب التجمع اليساري تحقيقا أعدته شيماء محسن جاء فيه: «تقدم أبو السعود محمد عضو مجلس نقابة الصحافيين باستقالته من منصبه إلى عبد المحسن سلامة نقيب الصحافيين بسبب قانون تنظيم الصحافة والإعلام الجديد، وأوضح أبوالسعود في مذكرة استقالته أن القانون فاقد الأهلية لم تشارك النقابة في صياغته، كما أن الكثير من أبناء المهنة وغيرهم لا يريدون إلا أن تبقى نقابة الصحافيين دائما مسرحا خصبا وملعبا مفتوحا لصراعات الأهداف المختلفة يلعبون فيها متى يشاءون وكيفما يشاءون، من دون النظر من قريب أو بعيد إلى مصلحة الصحافيين حسب تعبيره. أتابع عن كثب ما يحاك ضد حرية الرأي والتعبير في مصرنا العزيزة، على الرغم من ظروف سفري ووفاة والدي التي حالت دون التواصل معكم بشأن هذا القانون المشؤوم، الذي جرجر الصحافيين لحرب جديدة في ما بينهم. أشعر بأن الحرب ضد الصحافيين وحريتهم في التعبير عن آمال وآلام شعب مصر، وصلت لنهاية المطاف بعد أن بدأت بإلقاء القبض على كثير من الزملاء بحجج واتهامات ملفقة، مرورا بأم المعارك اقتحام مقر النقابة وصولا إلى المسمار الأخير الذي تريد الدولة أن تضعه في نعش الحريات لتكبيل أيدينا وألسنتنا وعقولنا وضمائرنا تكبيلا تاما بقانون فاقد الأهلية لم تشارك النقابة في صياغته النهائية، وكم في القانون من المضحكات المبكيات التي لا مجال لسردها الآن. سيدي النقيب السادة الزملاء أرسل لسيادتكم هذه الكلمات وأنا غير قادر على التواجد بينكم في صف مواجهة هذا القانون الغاشم ويعلم الله أنني لم أتخل يوما عن مهنتي ونقابتي، حتى إن جاء موقفي متفقا أو مختلفا- أحيانا- مع البعض حول موقف أو رأي أو قضية مهنية أو نقابية فكلنا نعلم أن حرية الرأي جوهرها احترام الاختلاف في الآراء. أرسل إليكم هذه الكلمات وأنا غير قادر على التواجد بينكم لكنني- على الأقل- قادر على إثبات موقفي من هذا القانون بهذه الكلمات، القانون الذي جاء كخاتمة أفعال نالت من الصحافيين في مصر بقصد حبس أنفاسهم قبل أن تحبسهم في الزنازين باتهامات باطلة هذا الملف الذي لم ننجح فيه بسبب محاولة البعض التعامل معه بعصبية مفرطة ومحاولة البعض الآخر التعامل معه بتهاون مفرط».

من هم أعداؤنا؟

وفي «المصري اليوم» استعرض الدكتور عمرو الشوبكي تجربتي عبد الناصر والسادات وقال إن كل منهما حدد أنصاره واعداءه، فالأول أقصى كثيرا من المعارضين لخطه القومي والاشتراكي، والثاني اعتبر دعم كامب ديفيد ونظامه الرأسمالي وحزبه الوطني أساس نيل الأمن والأمان ثم قال عن نظام الرئيس السيسي: «أما الآن فنحن أمام مشهد صعب فهمه، فباستثناء الموقف القانوني والسياسي الواضح من الإخوان، باعتبارهم خطرا على الدولة، فإن الصورة الرمادية والعشوائية مازالت تلاحق الجميع، فهناك ملاحقات ومضايقات وحصار واستدعاءات لرموز سياسية وصحافية كبيرة كلها تقف في خانة التأييد لمسار 30 يونيو/حزيران ولا أحد يعرف أين هي بالضبط الخطوط الحمراء، وما هو المسموح وغير المسموح به في العمل السياسي، نعم تحتاج مصر لإطار قانوني ومسار سياسي واضح ولا يُترك الأمر للعشوائية والأهواء حتى يستقر البلد ويستطيع أن يتقدم ويواجه التحديات المتراكمة».

التفاؤل يصنع القدرة

من أساسيات نهضة الأمم هو التعليم، تؤكد على ذلك الدكتورة درية شرف الدين في «المصري اليوم»، بديهية أهملتها مصر كثيراً حتى ضاعت المدرسة والمدرس والتلميذ والكتاب المدرسي، ونتج لدينا تلك «الخلطبيطة» التعليمية ما بين المدارس الحكومية والخاصة والأجنبية، التي عكست آثارها السلبية على المرحلة الجامعية وعلى المستوى العام للخريجين، ومعظمهم غير مؤهلين لسوق العمل داخلياً أو خارجياً، ما عدا استثناءات تفوقت ذاتياً وبوسائلها الخاصة. الآن، هل جاء وقت الإصلاح؟ كلما فكّر وزير التربية والتعليم الدكتور طارق شوقي في جديد لم نعهده من قبل تعالت الأصوات وتعددت الانتقادات لما يفكر فيه أو ينوي تطبيقه، وكأننا نخاف على إرث غالٍ نخشى ضياعه، مع أنه من الأولى تدميره وإزالته تمهيداً لجديد علينا أن نستبشر بوجوده، وأن ندعمه كخطوة على طريق طويل ستبدأ هذه السنة أولى خطواته بالمرحلة الابتدائية يصاحبها الجديد بالسنة الأولى الثانوية. فيما يتعلق بالمرحلة الابتدائية سيبدأ ما يسمى بالتعليم الإلكتروني الذي لا يعتمد على الكتاب المدرسي التقليدي الورقي، وإنما على مناهج تعليمية توجد عناصرها وتفاصيلها بالكامل على الإنترنت، ما يعني أن المنهج وما يصحبه من رسومات ومقاطع فيديو ومختبرات معملية ورسوم متحركة ودروس تفاعلية، كل تلك ستحل محل المناهج الورقية في الكتاب المدرسي التقليدي، وذلك يعني أيضاً أن تقييم مستوى الطلبة سيكون هو الآخر إلكترونياً، ما يتيح تفاعلاً بين طرفي العملية التعليمية، المدرس والطالب. تشجيع التفكير النقدي، كما سيتم تعديل المناهج باستمرار وبشكل فوري على تلك الوسائط الإلكترونية، من دون الحاجة إلى إعادة طباعة المناهج ورقياً، يضاف إلى ذلك إمكانية اطلاع الآباء على المستوى الدراسي لأبنائهم من خلال تلك الوسائط الإلكترونية. الصورة تبدو مبهجة، وتبدو متفائلة. والأسئلة التي تتردد بين الناس: هل ستستطيع وزارة التربية والتعليم ووزيرها الخبير العالمي في مجال التعليم ومعه مجموعة من الأساتذة المختارين بعناية النجاح في تطبيق هذا النظام الجديد عالي الكفاءة؟ هل سيكتب لنا التوفيق فى تبني نظام تعليمي يُصنَّف عالمياً بأنه على درجة عالية من التطور والحداثة، وأحوال مدارسنا ومدرسينا وتلاميذنا على ما هم عليه من التراجع والضعف؟ هل سيستوعب تلاميذ المدارس الحكومية في مصر، وهم على قدر لا يستهان به من ضعف الحالة المالية، بل الصحية هذا الجديد؟ هل ستفتح المدارس أبوابها من جديد، ونغلق مراكز الدروس الخصوصية، ويستعيد المدرس هيبته؟ هل سننجح في وضع أقدامنا على أبواب مستقبل حقيقي لمصر والمصريين؟ الإجابة: نعم نستطيع. التفاؤل يصنع القدرة».

قانون الصحافة الجديد يحبس أنفاس الصحافيين قبل حبسهم في الزنازين باتهامات باطلة ومسمار في نعش الحريات

حسنين كروم