“فورين بوليسي”: على ترامب عقد صفقة مع بوتين للحفاظ على مصالح أمريكا في سوريا

Jul-11
صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

لندن – “القدس العربي” – إبراهيم درويش

يجب على دونالد ترامب عقد صفقة مع فلاديمير بوتين في سوريا، رأي يقدمه كل من صموئيل شارب وجيفري مارتيني الباحثان البارزان في مؤسسة “راند” الأمريكية والسبب هو حماية ما تبقى من مصالح أمريكية هناك قبل فوات الأوان. وجاء في مقاربتهما التي نشرتها مجلة “فورين بوليسي” أن تفكير ترامب بعقد صفقة مع بوتين بشأن سوريا أثناء قمة هلسنكي يعتبر تطوراً إيجابياً. وأشارا إلى أن الحملة الجارية التي يقوم بها نظام بشار الأسد على ما تبقى من المناطق في يد المعارضة السورية يؤكد الحاجة الماسة لبحث واشنطن عن حل دبلوماسي يحافظ على مصالحها في النزاع، أي التمسك بالمكاسب التي تم تحقيقها من خلال القتال ضد تنظيم الدولة والحد من تأثير إيران في سوريا.

ويقول الكاتبان إن امريكا تمتعت خلال السنوات الأربع الماضية بفائدة قد تختفي سريعاً وهي أولوية قتال تنظيم الدولة التي تطابقت مع أولوية نظام بشار الأسد في قتال الجماعات المعارضة التي يدعمها الغرب. فمن الناحية العملية قبلت دمشق بالعمليات الأمريكية والسيطرة الفعلية على الشرق حيث تخلت واشنطن عن المعارضة في الغرب الذي بدأ تدريجياً في عهد باراك أوباما وسريعاً في عهد ترامب. ويتعرض هذا الترتيب غير المكتوب للمساءلة.

ماذا عن الشرق؟

ويقول الباحثان إن الكثير من المحللين افترضوا أن الأسد معني فقط بتأمين ما أطلق عليه “سوريا المفيدة” وهي المناطق ذات الكثافة السكانية الكبيرة والتي تبدأ من درعا في الجنوب إلى دمشق وحمص وحماة إلى حلب في الشمال. وبعد سبعة أعوام من الحرب يبدو الأسد وحلفاؤه مهتمين أيضًا بمصادر المياه والأراضي الزراعية والكهرباء والنفط والسيطرة على الحدود وكلها موجودة في الشرق. ومن هنا فالهجوم على منطقة الجنوب – الغربي هو تمرين لما سيكون عليه الهجوم المتوقع شرقي نهر الفرات حيث تسيطر قوات سوريا الديمقراطية المتحالفة مع أمريكا على الأرض. وحاول نظام الأسد بدعم من الجماعات المدعومة من إيران والمرتزقة الروس بناء مواطئ قدم له في الجانب الشرقي من الفرات، وهي مسألة وقت قبل أن يبدأ بمواجهة حلفاء أمريكا في الشرق. ومن هنا فالتوصل لصفقة مع الروس رعاة سوريا قد يقنع الأسد بعدم السيطرة وبالقوة على بقية البلد بالقوة.
ومع التحول في الأهداف السورية فإن أهداف الولايات المتحدة تتطور أيضاً، فبعد هزيمة تنظيم الدولة تركز إدارة ترامب نظرها على “طرد الإيرانيين من سوريا”. ويعبر الخطاب الجديد للإدارة عن صعود معسكر الصقور المعادي لإيران داخل الإدارة المنقسمة بين الداعين لتخفيف التزامات الولايات المتحدة في الخارج وبين المطالبين باستخدام القوة العسكرية ضد أعدائها. ولكن ماذا يعني طرد إيران من الناحية العملية بدون وجود عسكري أمريكي غير محدد بجدول زمني والذي لا تريده إدارة ترامب. ولن يتم تحقيق هذا إلا من خلال التفاوض. ورغم تراجع أوراق الضغط الأمريكية بسبب مكاسب النظام السوري الاخيرة إلا أن هناك فرصاً لواشنطن وروسيا تشمل التوافق على تسوية تحفظ من خلالها واشنطن مصالحها.
فالكرملين لا يريد شن حملة جوية مستمرة لا تخدم نتائجها إلا نظام الأسد وإيران. ويمكن والحالة هذه دعم موسكو لتسوية سياسية تخدم هدفها الرئيسي المتعلق بتغيير النظام في دمشق وعدم وجود عسكري دائم للقوات الامريكية في سوريا. وهناك الكثيرون في موسكو ممن يدعمون هذه النتيجة بدلاً من مساعدة الجيش السوري والإيرانيين في السيطرة وبوحشية على المناطق الخاضعة للمعارضة. وبالتأكيد لو ساعدت موسكو الأسد لاستعادة السيطرة على كامل البلاد فستخسر ورقة النفوذ مع نظامه بشكل يجعل من الدعم المستمر أقل تأثيراً.

“لا تعد تنازلاً”

وبالنسبة لترامب فتسوية كهذه لن تكون تنازلاً كبيراً، لأن الإتفاق مع موسكو سيحقق ما تريده واشنطن وهو عدم ظهور تنظيم الدولة من جديد وسيحرم إيران من التحرك بحرية وتوسيع تأثيرها في الشرق الأوسط. كما أن روسيا قلقة من التأثير الإيراني في سوريا وليس من مصلحتها السماح بوعودة تنظيم الدولة. ولدى حلفاء امريكا القريبين من سوريا، إسرائيل والأردن الأهداف نفسها. وكلاهما يعارض وبشدة وجود قوات متحالفة مع إيران قريباً من حدودهما. ومن هنا فهذه أرضية خصبة لتحقيق تسوية ومن الجيد تفكير إدارة ترامب به. ولن تنجح التسوية إلا في حالة ربطت الولايات المتحدة انسحابها من شرق سوريا بوقف روسيا التأثير الإيراني في البلد. ومن الخطأ البحث عن تسوية والتهديد في الوقت نفسه بسحب القوات الأمريكية من الشرق خاصة ان لدى واشنطن قواعد عسكرية وتتعاون مع الأكراد على مواجهة تنظيم الدولة.

هل نشهد إنجازاً كبيراً؟

والاتفاق بين بوتين وترامب قد يخلق الظروف للإنسحاب لكن التخلي عن اوراق النفوذ ليست استراتيجية ناجحة. وامريكا محقة في محاولات تخفيف التأثير الإيراني في سوريا لكن عليها الإعتراف بأنها لا تستطيع فرض الإنسحاب. بالنسبة لإسرائيل فلديها القدرة على إضغاف وضرب المواقع الإيرانية في سوريا لكنها لا تملك التفوق الجوي أو الإستطلاع والمعلومات الأمنية لملاحقة كل هدف إيراني في سوريا. ولا تستطيع روسيا أيضاً طرد الإيرانيين حتى لو توصلت لصفقة إخراجهم. فعلاقة طهران ودمشق طويلة وتعود للحرب العراقية – الإيرانية في ثمانينات القرن الماضي وساعدت القوة الإيرانية على حرف مسار الحرب لصالح الأسد. ومن هنا فالقضاء على تهديد إيران على الحدود الإسرائيلية ومنعها من بناء قواعد عسكرية دائمة في سوريا سيكون انتصارا للولايات المتحدة وهذا شيء أما طردها بالكامل من سوريا فليس إلا مجرد وهم. ورغم هذه التحديات فهناك أسباب عدة تدعو إلى استكشاف فكرة استعداد روسيا لصفقة تنهي سفك الدم وتؤدي لاستقلالية من نوع ما لشرق سوريا وتمنع سقوط البلاد بالكامل تحت التأثير الإيراني. ولو استطاع ترامب إقناع بوتين بهذه الترتيبات في قمتهما فسيكون إنجازاً كبيراً له.