قطر التي «خرمت التعريفة»!

سليم عزوز

Jun-23

«خرمتها»، بمعنى أحدثت فيها ثقباً، أما «التعريفة»، فهي جزء من «القرش»، ربما نصفه. وللأجيال الجديدة، التي لم تعاصر «التعريفة» ولم تر «القرش» رأى العين، فنقول وبالله تعالى التوفيق، إن الجنيه يساوي مئة قرش، وقد كانت «التعريفة» هي مبلغ معتمد على أيامنا، وعملة معدنية لها وقارها ليس من السهولة ثقبها، ولهذا فعندما كان المثل المصري يقول «إن فلاناً خرم التعريفة» فإن المستهدف هو الايعاز بأنه يملك قوة خارقة، أو أنه أتى بالمعجزات، فلا أحد يمكنه أن «يخرم التعريفة»، وأحياناً يقال المثل بصيغة الاستنكار: «وكأنني خرمت التعريفة، أي جئت بشيء نكرا.
كان «ظريف الممسوس» المتجول في قطارات الصعيد، يضغط بسهولة على «التعريفة» وما في حكمها من عملة معدنية، فيعجب الناس لهذه القدرة على ثنيها وكيف أنها طيعة بين أصابعه، وكان يفعل هذا استنكاراً لمن تبرع له بها فكأنما استقلها، لكنه أبداً لم يقم بثقبها، وهو يحصل على تبرعات من الركاب اجبارياً، فلا أحد يعترض على «ظريف»، الذي إذا وضع اصبعه على أحد أغمى عليه، رغم أن هيئته لا توحي بذلك، فقد كان شاحب الوجه، يميل للنحافة المرضية، لكنه كان مع ذلك يمتلك قوة خارقة!
تقول الأسطورة إن «ظريف ممسوس»، أي مسته القوة الغيبية، فجعلته هكذا، أما كيف حدث «المس»؟ ترد الأسطورة، بأن هذا يحدث إذا شرب انسان من البحر وهو نائم. فهل ينام البحر؟ تقول الأساطير: إنه ينام لثانية في كل سنة. وهذه الأسطورة هي جزء من الأساطير الخاصة بنهر النيل، التي كانت الأساطير أيضاً لأهميته تقول إنه ينبع من الجنة، وقبل اسقاط قدسيته واستباحته ببناء الأندية على جانبيه، وتصريف مخلفات المصانع فيه، وهو ما عرفته مصر منذ أن ابتليت بحكم العسكر!
وقد انتهت الأساطير، ويوشك أن يصبح ماؤنا غوراً، وهو ما أكد عليه وزير الري في الأسبوع الماضي، إلى درجة إعلانه أن خمسة ملايين مصري في الدلتا سيجري تهجيرهم بسبب أزمة المياه، وذلك في الوقت الذي ظهرت فيه الإمارات في أعالي البحار وتتبرع لأثيوبيا مالكة سد النهضة بثلاثة مليارات دولار، فلا يرى القوم في ذلك أزمة، لكن المشكلة عندما ظهرت قطر هناك، فقيل يا داهية دقي، وكانت فرصة مواتية للأذرع الإعلامية لعبد الفتاح السيسي، لإعلان أن قطر تمول سد النهضة، لأنها تعمل كل ما في جهدها من أجل تعطيش المصريين، ولم يقل أحد إن سد النهضة يتم بناؤه بموافقة مكتوبة من قبل عبد الفتاح السيسي، تتمثل في اتفاق المبادئ الذي وقع عليه، والذي يسمح للجانب الأثيوبي ببناء السد بدون قيد أو شرط، وبدون ضمان قطرة مياه واحدة لمصر!

«شحتفة» عمرو أديب

وليست اشاعة التمويل من القوى الخارقة المشكلة لقدرة قطر على «ثقب التعريفة»، والتي تجاوزت القدرة إلى الفعل، فالمشكل لها هو ما كتبه عمرو أديب، الذي لا نعرف متى سيصبح تعاقده مع قناة «إم بي سي» سارياً، ومتى سيظهر بالفعل على الشاشة، فهو في حالة فراغ مثل فرصة ليمارس «الشحتفة»، ويظهر قدرة قطر الخارقة، بمناسبة احتكارها لبث مباريات كأس العالم والحيولة دون إسعاد المصريين، فقطر «كادت أن تقضي على بلاده لولا ستر المولى وعبقرية الشعب المصري»!
لا أعرف حقيقة المقصود بأن قطر كادت أن تقضي على مصر، فإذا كان المقصود به الانحياز لثورة يناير، فهي لم تكن طرفاً في إشعالها، وقد تجاهلتها في اليوم الأول لها، فـ»الجزيرة» كانت مشغولة في يوم 25 يناير 2011، بنزاع بين فصيلين لبنانيين على قطعة أرض! على ما أتذكر، وكان سؤالنا لكل قادم لميدان التحرير يومها هل أذاعت الجزيرة خبر المظاهرات؟ لنصاب بالحسرة عندما جاء الرد ليلاً بأن الخبر الخاص بنا في ترتيب متأخر وأنه الثالث في «نشرة الأخبار»، وكان الخبر الأول عن نزاع القوم في لبنان!
وإذا كانت «الجزيرة» قد اهتمت في يوم 28 يناير وما بعده بالثورة المصرية، فلأنها ثورة شعب، وباعتراف عمرو أديب وزوجته لميس الحديدي، فقد جاءا إلى «ميدان التحرير» للانحياز للثورة، بعد أن تبين لهما أنها قد تنتصر، بيد أنهما طردا من هناك شر طردة. وحاول عمرو بعد ذلك ركوب المد الثوري، فأعلن أنه تعرض للاضطهاد في عهد مبارك، وأن والدته ماتت مكلومة بسبب ذلك، وكذلك فعلت لميس، فهل كانت الثورة أداة للقضاء على بلاده وبوقوف «الجزيرة» خلفها؟!
اللافت هو أن الفتى لا يدرك أنه يهين مصر، عندما يصور أن قناة فضائية، «صعدت أم هبطت»، يمكنها أن تقضي على بلد بحجمها، وهي الاهانة المستمرة منذ عهد المخلوع مبارك، ويجري تقزيم البلد حتى تصبح في حجم محطة تلفزيونية، والإشارة إلى ذلك في ما كتبه «أديب» هو تحصيل حاصل، لكن الجديد هو حديثه عن الاحتكار الذي تمارسه قطر في إذاعة مباريات كأس العالم، مما أدى إلى حزن المصريين، وأنها تحاول دس السم في الرياضة.. لنصل إلى بيت القصيد، فالعنوان الجديد للحملة القومية على قطر، هو احتكار بث مباريات كأس العالم لصالح شبكة قنوات «بن سبورتس»، وجزء من هذا الاستغلال يتم بدفع سعودي، فآل أديب ليس «تمامهم» في مصر، ولكن هذا التمام بالمفهوم العسكري في المملكة العربية السعودية، منذ التبني السعودي للشقيق الأكبر «عماد أديب»، لهذا فإن عودة عمرو أديب إلى القنوات التلفزيونية السعودية، هو السياق الطبيعي، فقد استردت المملكة وديعتها لدى قناة «أون»!

المدفعية الثقيلة

والمدفعية القطرية الثقيلة هذه الأيام، في حالة قصف متواصل على أهل الحكم في السعودية، لدرجة أنها احتفلت بمرور سنة على تولى محمد بن سلمان وظيفة «ولي العهد»، واستضافته «الرأى والرأى الآخر» لكن أي كلام يقال هو مؤذ، وحضر عملاق التقارير التلفزيونية «فوزي بشرى» بعد غياب بتقرير «أرض جو»، وعندما يحضر «بشرى» فأعلم أنها لحظة «صمت الألسنة، ونطق الأسنة، وخطب السيوف على منابر الرقاب»، حيث ضرب الرقاب وشد الوثاق!
وإذا كانت «الجزيرة» هي «المدفعية الثقيلة»، فلست مع النظرية الأمريكية في الحروب، وقصف «خيمة» بالصواريخ العابرة للقارات، وكان يمكن لـ «الجزيرة مباشر مصر» أن تتولى هى قصف الأهداف المتواضعة، لكنها أغلقت ولم يدفع الحصار في بدايته لعودتها، وهي القناة المعجزة، التي غزت كل البيوت والدواوين الحكومية بما فيها أقسام الشرطة والنيابات، وبما في ذلك بيوت الذين كانوا يؤيدون السيسي، فهل بقي له من مؤيدين؟!
وإزاء هذه القصف، كان استغلال احتكار البث لمباريات العالم أداة لمخاطبة عواطف الناس، فقطر لا تدس السم فقط في الرياضة، ولكنها هي من حالت دون إذاعة المباريات بدون تشفير، مع أن «بن سبورت» أعلنت عن إذاعة (22) مباراة على ترددها غير المشفر، وقد أذيعت إلى الآن المباراة الأولى والثانية للمنتخب المصري كما ستذاع الثالثة بدون تشفير، فما لزوم «الشحتفة»؟ إلا أنها شيء لزوم الشيء!
لست مع فكرة احتكار بث مباريات كرة الكرة، لكن لا بد من طرح عدد من الأسئلة في هذا السياق: هل كانت «بن» هي أول قناة احتكرت بث مباريات كأس العالم؟!
وهل القناة القطرية هي أول قناة تعتمد البث المشفر؟
وهل لو رفضت القناة المذكورة شراء حق البث، كانت «الفيفا» ستبثها على التردد الأرضي؟
وأيهما أفضل للنظام المصري البث المفتوح أم المشفر؟ بمعنى هل لمصلحة الحاكم المصرين أن تذيع «بن» المباريات بدون تشفير، حيث تحظى بعدد اكبر من المشاهدين بما يمكنها من أداء رسالتها بالنحو الذي فهمه عمرو أديب وهو «دس السم في الرياضة»، وبما يمكنها أيضاً من المزاحمة على «كعكة» الإعلانات في مصر؟!
الحقيقة أن أول محتكر لم تكن «بن سبورتس»، ولكنها قنوات «آي آر تي» المملوكة للسعودي «صالح كامل»، أحد الرعاة الرسميين للعائلة المقدسة، والممول لكثير من المشروعات الإعلامية الفاشلة لـعماد أديب، ولم ينتقد عمرو أديب احتكار البث وقتئذ، ولم تهاجمه السلطة في مصر، بل على العكس من ذلك تماماً، فقد كانت الدولة المصرية، بنظام حكمها، وبشرطتها، وباعلامها، وبرجال دينها، في خدمة هذا الاحتكار، الذي لم تعرفه المنطقة إلا على عبر الإعلام السعودي، و»عمرو أديب» وقبله «عماد» عملا في قنوات سعودية مشفرة، لكن أزمة التشفير، بدأت لأن القناة التي قامت بالاحتكار قطرية، بعد أن صار الاحتكار واقعاً على أيدي السعوديين!

البث بالقوة

ولعلنا نتذكر كيف تم تسخير الشرطة المصرية لتتصدي لعمليات القرصنة على البث، وباقتحام المنازل والقبض على الجناة الذين استخدموا ما عرف بـ «الوصلة» لمشاهدة المباريات وتقديمهم للنيابة العامة، حماية لمصالح السعوديين في مصر، وكيف أن اعلاميين مصريين هاجموا القرصنة، وكيف أفتى «عمرو خالد» بأن «الوصلة» محرمة شرعاً حرمة يومكم هذا في شهركم هذا، ولم نشاهد إعلان النظام أنه سيبث المباريات بالقوة عبر التلفزيون المصري، ولم نشاهد هذا الأداء الرخيص، الذي شكل جريمة نصب، وإذا كان هذا الفعل خاصا بالأفراد، فلأول مرة نعرف «السلطة النصابة»!
لقد أعلن القوم أن التلفزيون المصري سيبث المباريات قوة واقتدارا، وقالوا لا يوجد من يمنعنا من البث لاسعاد المصريين والتأكيد على حقهم «في الفرجة»، وأعلن «أحمد موسى» عزمهم على ذلك، ومع أول مباراة، استعدت قناة «النيل للرياضة» للأمر باستوديو تحليلي، ووقف الخلق ينظرون كيف أبني قواعد المجد وحدي، وعاملون في التلفزيون الرسمي التقطوا السيلفي من داخل الاستوديو للتوثيق لهذه الذكرى العطرة، لحظة انتصار مصر على قطر في موقعة «التل الكبير»، وتم الإعلان عن الذهاب لنقل أول مباراة، ليفاجأ المشاهدون بمباراة قديمة في الكرة الطائرة، وهو أمر لا يمكن أن تقدم عليه سلطة مسؤولة، فمن المسؤول عن هذا التريهج؟!
إنها أزمة سلطة مبتذلة وليس لأن قطر خرمت التعريفة!
صحافي من مصر

7gaz

قطر التي «خرمت التعريفة»!

سليم عزوز