المخرجة السعودية هيفاء المنصور تكشف سر عملها الهوليوودي «ماري شيلي»

حسام عاصي

Jun-23

لوس أنجليس – «القدس العربي» : يُعرضُ هذه الأيام في دورِ السينما العالمية فيلمُ المخرجةِ السعودية هيفاء المنصور، ماري شيلي، الذي يتناولُ سيرةَ حياةِ المؤلفةِ البريطانيةِ الشهيرةِ ماري شيلي عندما كانت في السادسةَ عشرةَ من عمرِها ووقعت في علاقةِ حبٍ غيرِ شرعيةٍ مع شاعرٍ متزوجِ وهو بيرسي شيلي. وعندما ألح عليها أهلها تركه، تتمرد عليهم وتهرب مع حبيبها إلى سويسرا، حيث تؤلف كتابَ العلم الخيالي الشهيرَ «فرانكشتاين»، الذي يُنشرُ تحت إسمٍ مجهولٍ، بدلا من إسمِها لكونِها امرأة غير بالغة.
استغربت هيفاء عندما عُرض عليها إخراج الفيلم لكونه قصة من التاريخ البريطاني، وليس له أو لشخصياته أي علاقة مع السعودية أو العالم العربي والاسلامي.
وفي حديث معها في لوس أنجليس، حيث تقطن مع زوجها الأمريكي، الذي اعتنق الاسلام عندما تزوجا في البحرين عام 2011، وابنتيها، قالت أنها عرفت الجواب بعد أن أطلعت على السيناريو.
«السيناريو هو عن فتاة تحاول أن يكون لها صوت خاص بها في مجتمع محافظ،» توضح هيفاء. «المجتمع الانكليزي في القرن التاسع عشر ربما لم يكن محافظا أو ذكوريا مثل المجتمع السعودي، ولكن هناك شبه كبير بين المجتمعين».
ماري شيلي هو الفيلم الثاني لهيفاء والأول بالانكليزية وتطرح فيه التمييزَ الجنسيَ، الذي كانت تواجهُه النساءُ البريطانياتُ قبل أكثر من مئة عام مثلما عالجت التحدياتِ التي تواجهُها النساءُ في المجتمعِ السعوديِ المعاصر في فيلمها الأول وجدة. لهذا كان سهلا عليها فهم شخصية ماري وصبغها بتجربتها الخاصة كأمرأة سعودية عاشت في ظروف اجتماعية مشابهة.
«هناك تماه كثير»، تؤكد هيفاء. «والاضافات التي كتبتها كانت أكثرها في الجزء الأخير عندما أرادت ماري نشر كتابها ولكن دور النشر رفضت فعل ذلك».

أولَ فيلم يصور في السعودية

موضوع الكتاب، الذي يتمحور حول طبيب يدعى فرانكشتاين يخلق شخصا يركّبه من أعضاء جثث موتى، ثم يبث فيه روح الحياة بالكهرباء، هو خيال علمي. وفي الفيلم يخبر رئيس دار النشر أن النساء لا تملك الذكاء الكافي لدراسة مثل هذا الموضوع. ففي تلك الايام كانت روايات المؤلفات النساء محصورة في الغرام. كما أنهم لم يُصدقوا بأنها كتبت رواية فرانكشتاين، مصرّين على أن المؤلف الحقيقي كان زوجها بيرسي شيلي. وهذه التجربة لا تختلف كثيرا عن التجربة التي مرّت بها هيفاء كمخرجه في بلدها المحافظ.
«عندما كنت أخرج أفلاما في السعودية لم تكن هناك سينما»، توضح هيفاء. «كثير من المنتجين كانوا من الرجال وكانوا يتكلمون عنّي وكأنني زوبعة في فنجان، حتى علنا وجهرا في الجرائد. وهذا شيء مؤلم لأنك فقط أمرأة وتحاول أن تطرق شيئا غير موجود».
مثل شيلي، التي لم تستسلم للتمييز الجنسي ضدها وباتت لاحقا واحدة من رموز الأدب الانكليزي وما زال كتابها «فرانكشتاين» يعتبر الأهم في الخيال العلمي وصار لاحقا مصدر الهام لعديد من الأعمال الأدبية والفنية، تصدت هيفاء المنصور للعواقبِ والتحدياتِ في مجتمعِها السعودي ونجحت في تحقيقِ ما عجزَ عنه الرجالُ، الذين يتمتعون بحرية مطلقة كانت هي محرومة منها، عندما أخرجت عامَ الفينِ واثني عشر أولَ فيلم يصور في السعودية، وأصبح لاحقا أولَ فيلمٍ يمثل بلدَها في المنافسة على جوائزِ أوسكار. كما أنها السعودية الوحيدة، بين الرجال والنساء، التي وصلت إلى هوليوود وتصنع أفلاما فيها.
«كنت أحب الإخراج وأحب الدراما وكان بودي أن ادخل مجال التلفزيون ولكن لم يكن لي أمل أن ادخل التلفزيون لأنه كان محاطا بشخصيات معينة وبمخرجين قداماء ومعروف تاريخهم ولم يكن ممكن لأمرأة أن تدخل هذا المجال.
وهذا دفعني للبحث عن مكان أخر أقدر أن استمتع بما أفعله. وأنا كنت أحب السينما وكانت بالنسبة لي أكثر استمتاعا من أن تكون مهنيا. لهذا أعتقد أن قلة الفرص للمرأة تخلق الفرص».

قصة وجدة وقصة ماري شيلي

يطرح «وجدة» قصة فتاةٍ سعودية في العاشرةِ من العمرِ تطلبُ من أهلها شراءَ دراجةٍ هوائيةٍ لتتسابق مع ابنِ الجيران، لكنهم يرفضون لأنها أنثى وأن ركوبها سوف بضر بصحتها ويحول دون الحمل وانجاب الأطفال في المستقبل. فتشتركُ في مسابقةٍ لحفظِ القرآن لكي تستثمرَ الجائزةَ في شراءِ الدراجةِ الهوائية.
قصة وجدة وقصة ماري شيلي وحتى تجربة هيفاء نفسها تبدو كتمرد على أعراف وقوانين وعادات مجتمعاتهن المحافظة، ولكن هيفاء لا تقر بأنها تمردت على مجتمعها أو على أهلها «أنا احترم المجتمع جدا واحترم المحافظين في المجتمع جدا وأحترم أهلي، الذين هم أيضا محافظون. لا أشعر بأنني تمردت مثلما كنت أحلم أن يكون لي صوتي وأفعل أشياء أرغبها. وأعتقد أن التمرد من أجل التمرد يعتبر مراهقة، والتمرد ليس السبيل الوحيد للتغيير».
كما أنها تنكر أنها حاولت تكسير القيود، التي فرضها عليها المجتمع، بل قامت بفكّها «العمل الدؤوب هو الطريقة الوحيدة للتغيير»، تصر هيفاء. «التغيير يأتي من خلال تمرد سلمي وتمرد على أشياء حقيقية تحقق أهدافا. فهناك الكثيرون الذين يذهبون إلى تويتر ويتشاجرون وهم جالسون على مقاعدهم ولا يتحركون. كل هذا الكلام لن يغير شيئا. على هذا أن يتغير وأن تكون لنا أهداف حقيقية نعمل لتحقيقها. الكلام الكثير سهل ولكن العمل صعب».
نجاح هيفاء ألهم نساء عدة في السعودية للانخراط في مجال الفن وصناعة الأفلام. منهن من سافرن إلى أوروبا والولايات المتحدة والتحقن بمدارس صناعة أفلام عريقة وصنعن أفلاما قصيرة وطويلة. وبعد عودتهن إلى بلدهن، انخرطن في سلك صناعة السينما، التي لقيت مؤخرا دعما قويا من ولي العهد السعودي.
«أتمنى أن البنات عندنا يؤمن بانفسهن وبقدراتهن وهناك شيء حقيقي يرغبن بالقيام به، أنهن يمكنهن أن ينجحن في تحقيقه ويغيرّن حياتهن. وأتمنى أن يُؤمنّ بأن ذلك ممكن».
بينما كانت هيفاء تصنعُ «وجدة» في الرياض، كان عليها أن تستخدم ممثلين غير مهنيين وترشدهم لا سلكيا من داخلِ شاحنةِ لكونِها امرأة، إذ لا يجوز للمرأة الخروج من بيتها بدون محرم.
أما في ماري شيلي فقد تعاملت مع تقنيينَ ونجومٍ عالميينَ على غرارِ ايل فانينغ وداغلس بوث وأخرجت مشاهدَ غراميةً، ممنوعةً في السعودية. ورغم ميزانية ماري شيلي الضخمة، نسبيا لـ«وجدة»، وعبء اخراجه، إلا أنها لم تشعر بأي قلق أو توتر. «بالعكس، أنا كنت متوترة وقلقة في صناعة وجدة أكثر»، تضحك هيفاء. «عندما يكون عندك ممثل مدرّب غير عن عندما تعمل مع ممثلين غير مهنيين أو أناس عاديين يمثلون، الذين يكون ارشادهم صعبا لأن عليك أن تكون معهم خلال رحلة المشهد خلال كل لحظة لتصحح أداءهم ولكن الممثل المحترف يأتي جاهزا وتصلّح أشياء هنا وهناك والحوار يكون على مستوى مهني أعلى وأسهل بكثير».
مؤخرا، أنهت هيفاء تصويرَ فيلمِها الثالث «نابيلي ايفير افتر» لشركة نيتفلكس. وهو مقتبس عن كتاب المؤلفة الأمريكية-الأفريقية الأصل تريشا توماس. وعلى غرار أفلامها السابقة، يعالج الفيلم قضية نسائية من خلال طرح قصة إمرأةٍ أمريكية – أفريقية تحاولُ تحقيقَ أحلامِها في المجتمعِ الأمريكي من خلالِ تقليدِ نساءِ العنصر الأبيض.
«أنا أحتفي بالصوت الانثوي»، تقول هيفاء «بالنسبة لي الحركات النسائية مهمة جدا. وأريد عندما تكبر ابنتي أن تكون لها مجالات أكثر مما كان عندي. هناك كثير من المجالات، حتى هنا في الولايات المتحدة، ما زالت محدودة للمرأة. وأيضا أنا أقدر كثيرا أن اتعامل مع الممثلات وتكون لي معهن علاقة خاصة واشعر أنه إذا كانت هذه العلاقة غير موجودة بين المخرج والممثل تكون النتيجة شخصية غير صحيحة. وأنا استمتع بالعمل مع الممثلات العربيات وكل الممثلات اللواتي اشتغلت معهن».
منذ بدايةِ سيرتِها المهنيةِ المتواضعةِ، حصدت هيفاء المنصور جوائزَ سينمائيةً قيمةً ومُنحت عضويةً في أكاديميةِ علومِ وفنونِ الصورِ المتحركةِ الأمريكية وعينت مؤخرًا في مجلسِ إدارةِ الهيئةِ العامةِ للثقافةِ في السعودية. وتستعدُ هذه الأيام لاخراجِ فيلمٍ جديدٍ في بلدِها وهي المرشحةُ المثالية. وهذه المرةَ بدعمٍ وتمويلٍ سعودي.

7pro

المخرجة السعودية هيفاء المنصور تكشف سر عملها الهوليوودي «ماري شيلي»

حسام عاصي