لماذا بدأ النظام السوري معركة درعا قبل إدلب؟

وائل عصام

Jun-23

المتتبع لسياسات النظام وحلفائه في استعادة مناطق المعارضة السورية، سيجدها تنحو بلا شك نحو أولويات محددة، تبدأ بالحفاظ على مراكز السيادة في المدن الكبرى، والمواصلات الرئيسية بين المحافظات داخل سوريا، وصولا للأرياف والضواحي التي تحمل اعتبارات إقليمية، مرتبطة بحلفاء الأسد في طهران وبيروت، فتجد أن النظام، في بدايات الثورة، ترك معظم الارياف كالغوطة وريفي حمص وحماة، لكنه سارع إلى استعادة مركز مدينة حمص ذات الموقع الاستراتيجي البالغ الأهمية، في وسط خط حلب درعا الحيوي، الذي يضم أكبر كتلة سكانية، ومن ثم انتقل مع حزب الله لمناطق ريفية كالقصير وغيرها، لارتباطها بمحور مهم يصله غربا بحليفه الوازن داخل الحدود اللبنانية، حزب الله.
وكما عمل لعامين على استكمال سيطرته على مدينة حلب، كانت معظم أريافها خارج سيطرته، وقبل أن يلتفت لغوطة دمشق، المركز المهم للمعارضة المسلحة، صب جهوده على منطقة نائية تصل بادية الشام بالحدود السورية العراقية، حيث ريف دير الزور، وكان هذا لاعتبارات تتعلق بتهديد روابطه بحلفائه شرقا في بغداد وطهران، الذين استشعروا خطر ترك هذه المنطقة لسيطرة أمريكية، كانت معدة لتتمدد من موقع التنف الحدودي، شمالا نحو الحدود السورية العراقية.
وبالطبع ما كان النظام وحلفاؤه قادرين على انتقاء الجبهات، واختيار توقيت المبادرة بالهجوم، لولا ضمانهم عجز المعارضة عن التفكير بعقل جماعي، يضمن مشاغلة النظام في أكثر من جبهة في الوقت نفسه، بل ضمان مهادنة قيادة القوى المسلحة للمعارضة للنظام، حتى يتم التفرغ لها واحدة تلو الأخرى، حربا أو إبعادا، وتم تقنين هذه العملية من خلال اختراع يسمى «مناطق خفض التصعيد»، تم إنتاجه في مؤتمر أستانه، الذي سن سنة عجيبة، تقضي بقبول لطرف في الصراع وهو المعارضة ، لدول راعية للمحادثات السياسية هم أنفسهم طرف مباشر في الحرب، روسيا وايران! ودولة ثالثة يتلخص دورها بنصب نقاط مراقبة تحصي مرات «التصعيد» والمجازر في أدلب، من أريحا حتى زردنا، بدون إمكانية «خفض التصعيد».
وفي هذا السياق، يأتي كلام رئيس النظام الاسد، الذي قال بشكل واضح في مقابلة مع قناة «روسيا اليوم» قبل اسابيع، إن «دخول الجيش في معركة في اكثر من جبهة امر منهك»، طبعا موسكو وطهران، وكما ساندوه عسكريا، ساندوه من خلال الاستانة في تخفيف الضغط العسكري عليه.
ومع التعقيدات المثارة حول معركة درعا، والمتعلقة خصوصا بموقعها الحساس المجاور لإسرائيل، ومراعاة موسكو لمطالب تل أبيب، بعدم تواجد ميليشيات موالية لإيران قرب حدودها، فإن الوقائع تشير إلى أن معركة درعا قد بدأت بالفعل، وأن نتائجها لن تختلف عن سابقتها في الغوطة، بل ربما يتكرر السيناريو نفسه في تسلسل المواجهات في الغوطة، إذ تتم التسوية مع فصائل الجيش الحر المرتبطة بالدول الداعمة بعد معارك محدودة، ومن ثم تأتي المعركة المكلفة للنظام في مناطق تنظيم «الدولة»، في جيب صغير يسيطر عليه جيش خالد بن الوليد المبايع للتنظيم. 
وحتى ذلك الحين، سيبقى الكثير من سياسيي المعارضة مشغولون بالحديث عن نوبة نقاش جديدة لا قيمة جوهرية لها، وكأن انسحاب الميليشيات الايرانية وسيطرة النظام في جنوب سوريا يعني اختلافا فارقا بالنسبة للمعارضة، 
كما يثار نقاش حول خلاف مفترض بين روسيا وإيران حول سحب القوات، مع ان تصريحات روسيا تطابق افعالها في سوريا، فهي لم تطالب أبدا في أي موقف رسمي بسحب التواجد الايراني في سوريا بشكل محدد، بل طالبت بسحب القوات الأجنبية جميعها، جاعلة الايرانية في النهاية، بعد الامريكيين والاتراك كذر للرماد في العيون، وهو ما يعني أن خروج الضباط الايرانيين بعد الخروج الأمريكي والتركي، حسب التصريحات الروسية الرسمية، يعني أنه تصريح مخادع، يهدف للمساومة على الوجود الايراني نحو هدف مشترك لطهران وموسكو، بخروج الامريكيين من سوريا، لأنه لا حاجة أصلا لبقاء النفوذ الايراني في سوريا بعد انتفاء الحاجة إليه بتثبيت النظام، كما أن الوقائع تشير إلى أن إيران وروسيا حليفين عسكريين منذ سنوات في سوريا، وان دورهما يكمل بعضهما بعضا لثبيت سلطة الاسد، وان ايران هي التي بادرت إلى استقدام القوات الروسية لسوريا، لتمتين درعها الاقليمي في دمشق بقوة دولية تناطح واشنطن في سوريا، موسكو.
 أدلب، تركت حتى الآن لأسباب كثيرة، من ضمنها أنها من حيث موقعها وتاثيرها على مجريات النزاع، الأقل أهمية مقارنة بالمواقع الأخرى التي استبقاها النظام، ولان النظام يدرك ان الجهاديين في ادلب ستكون معركتهم مكلفة وصعبة، يحاول النظام أن يتركها للنهاية، تماما كما فعل في ريف دمشق، عندما ترك المعركة الأصعب مع جهاديي تنظيم «الدولة» و»النصرة» في اليرموك للنهاية، وبما أن جهود الإخوة الاعداء في ادلب مستمرة في انهاك بعضهم بعضا بمعاركهم ونزاعاتهم المتواصلة، بدون أي عمليات تجاه النظام منذ شهور، فالوقت إذن لصالحه، ونتحدث هنا عن الاقتتال بين «أحرار الشام» و»تحرير الشام».
إلا أن سببا آخر يجعل بقاء أدلب للنهاية، مهما للنظام، ومعها مناطق درع الفرات، وهي أنها تحولت لمحطة الباصات الرئيسية للمعارضة المنسحبة من المناطق التي يهاجمها النظام، ومركز لتجميع الفصائل المنسحبة في جيب واحد، وهو ايضا ما أشار إليه الأسد صراحة، مبديا ارتياحه لتجميع المعارضة في مكان واحد.
البعض يعتقد أن تسوية سياسية ما، تقوم بها تركيا من خلال استانة، ستجنب ادلب المعركة، ورغم ان هذه السيناريوهات باتت مجرد نوبات موسمية تسبق كل معركة، ويثبت في كل مرة أنها كانت موجودة فقط في أذهان قائليها، إلا أن المبادرة السياسية في ادلب، وحسب التوازنات الحالية المائلة لكفة النظام في سوريا، يمكن ان تنجح في صيغة واحدة فقط، وهي رفع راية النظام فوق مبنى محافظة ادلب، ودخول قواته لمركز المدينة سلما، وهذا ما لن تقبل به على الاغلب «النصرة» وأشقاؤها في الحزب التركستاني وانصار الدين، وإن افترضنا، قبول الجهاديين بعد تراجع قوتهم في ادلب بصيغة ما تقتضي  «دخول تركي محايد» او انتشار لقوات تركية في أدلب يترافق مع نزع سلاح الجهاديين، نتيجة تسوية ما «مفترضة»، يعمل عليها «أحرار الشام» وحلفاؤهم المقربون من تركيا، وهم يسيطرون على نحو ثلث محافظة أدلب حاليا، فإن النتيجة ستؤول في النهاية الى المحصلة ذاتها، اذ سيعمل النظام على بسط سيطرته على «ادلب التركية» من خلال استانة، كما دخلها الاتراك من خلال استانة، لان تمدد النفوذ التركي المفترض لأدلب، وإن تم ضمن توافقات حلفاء النظام في استانة، لن يبقى مقبولا لدمشق سوى في هذه المرحلة المؤقتة، التي ما زالت فيها اجزاء مهمة من سوريا خارجة عن السيطرة وخصوصا درعا.  
كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»

لماذا بدأ النظام السوري معركة درعا قبل إدلب؟

وائل عصام

مقالات سابقة