كأس العالم… المواطن… شبه المواطن واللامواطن

ناصر جابي

Jun-18

كأس العالم ليست رياضة إلا في جانب محدود منها، لا يتعدى التسعين دقيقة التي يستغرقها وقت المقابلة. قبل هذا وبعد هذا كله… سياسة وحسابات وموازين قوى بين الدول والأمم، وما يرتبط بها من نظرة للآخر واستعراض للقوة، تقوم به الدولة المنظمة والطامحة لتنظيم دورات لاحقة من الكأس.
بلد يتحول لمدة شهر او أكثر إلى محط أنظار العالم. هذا ما جعلني مثل الكثيرين، انتظر بشغف نتيجة التصويت على ملفات الترشيح التي تقدمت بها أمريكا/كندا والمكسيك من جهة والمغرب من جهة مقابلة، لتنظيم كأس العالم في 2026.
بالطبع كانت حظوظ الملف الأمريكي/ الكندي/المكسيكي المشترك أقوى بشكل واضح، لكن كنت مهتما جدا بمعرفة تفاصيل التصويت للملفين، ليكون التصويت العربي على رأس اهتماماتي، كالكثير من العرب والعجم. فلمن سيصوت «الأخوة العرب»، الى الأخ العربي؟ أم سيكون التصويت لصالح الملف الأمريكي بكل ما يحمله هذا القرار من شحنة سياسية ونفسية، ليس لدى النخب الرياضية والسياسية الحاكمة، بل لدى الشعوب، لما للعبة كرة القدم من شعبية، خاصة عندما يتعلق الأمر بتنظيم كأس العالم؟
لم أشكك للحظة في التصويت الجزائري الذي كنت مقتنعا تماما أنه سيكون لصالح المغرب. فالدبلوماسية الجزائرية، ومهما كانت صعوبات العلاقات مع المغرب، لن ترتكب «حماقة» عدم التصويت لصالح المغرب الذي يبقى كشعب من أقرب الشعوب الى وجدان المواطن الجزائري. دبلوماسية كنت اعتقد وما زالت إنها لن تبقى رهينة اللحظة المضطربة، على حساب مستقبل العلاقات بين الشعبين والدولتين. في انتظار ان تقدم الدول المغاربية ملفا واحدا لتنظيم كأس العالم، بعد فتح الحدود وتجاوز المنغصات الحالية بين الدول، كما تم التعبير عنه شعبيا في المدة الأخيرة. لهذا ركزت على متابعة تفاصيل تصويت العرب من دول المشرق والخليج تحديدا، باعتبار أن قرار التصويت لصالح المغرب من قبل الدول المغاربية كان تحصيل حاصل، رغم وضع ليبيا الصعب وموريتانيا التي كان يمكن أن يبتزها الطرف الأمريكي اقتصاديا على الأقل. قرار مغاربي أكد ان اللحظة السياسية المتخبطة التي يعيشها الاتحاد المغاربي يجب ألا تستمر لأنها لا تعكس شعور الشعوب العميق التواق إلى كل أشكال الوحدة التي لم تسايرها النخب الرسمية الوطنية الحاكمة للأسف.
هنا وجدت نفسي مشدودا إلى القرار السعودي الذي كان لصالح الملف الأمريكي، بدون مفاجأة، حسب الكثير من التوقعات. قرار سعودي «كركر» معه دولا خليجية أخرى، كما جرت العادة، فالأخت الكبيرة لا تأتي وحدها إلى أي مكان وتصر دائما على إحضار اخواتها الصغيرات معها مهما كان الاتجاه. بالطبع أعجبني القرار القطري المستقل الذي لايزال يكتوي من آثار استقبال دورة 2022. التي يمكن عدها من أهم أسباب الحصار الذي يتعرض له البلد. حتى لو لم تصل وقاحة دول الحصار، حسب علمي، إلى الطلب من قطر الاعتذار عن استقبال كأس العالم في 2022 كشرط علني ورسمي للتطبيع معها، كما فعلت عندما طالبت بإغلاق قناة «الجزيرة» أو غيرها من إنجازات التميز القطري. فالأخت الكبرى ما زالت لم تهضم بعد كيف تتجرأ الأخت الصغرى على التحول الى محط انظار العالم وهي تستقبل مباريات كأس العالم في 2022 وهو ما أدى إلى معاقبتها وحصارها حتى تعود الى حجمها الطبيعي.
القرار اليمني أعجبني كثيرا، مثله مثل القرار العُماني، وهو يصر على التميز وعدم الانصياع للقرار السعودي، حتى في هذا الظرف الأكثر من صعب الذي يمر به اليمن. مثل القرار المصري الذي أثار فضولي هو الآخر. وناقشت مع نفسي أكثر من فرضية لتفسيره. ذهبت أغلبيتها في اتجاه التركيز على بقايا دور مصري محوري مازال مترسبا لدى النخب السياسية المصرية ودبلوماسيتها تحديدا، التي مازالت مصرة ولو بشكل خافت ومضمر على دور مصر العربي والإقليمي، رغم الظرف الصعب الذي تعيشه مصر نتيجة عملية الانتقال غير الموفقة التي عاشتها بكل تداعياتها المعروفة، منذ التغيير في 2011. وما أثار انتباهي فعلا القرارات التي اتخذتها بعض الدول الأوروبية الغربية، وعلى رأسها فرنسا، بلجيكا وهولندا التي صوتت لصالح الملف المغربي وليس الأمريكي! قرارات لم أجد لها تفسيرا إلا احترام هذه الدول لمواطنيها، من أصول مغربية، الموجودين على أراضيها، منذ أجيال كهجرة تتميز بحضور مهم، كمي (أكبر جالية) ونوعي عبّر عن نفسه من خلال إنتاج نخب حاضرة ومتنوعة في كل المجالات، رغم التهميش الاقتصادي والاجتماعي، الذي مازال حاضرا لدى هذه الجالية المغربية، كغيرها من الجاليات المغاربية، في دول غرب أوروبا. فالحكومات الفرنسية، البلجيكية والهولندية، قررت ان تحترم شعور مواطنيها وهي تصوت لصالح المغرب، حتى ولو أغضبت الحليفين الأمريكي والكندي. وهي تعاملهم كمواطنين وليس شبه مواطنين، يجب مراعاتهم عند اتخاذ هذا القرار المهم بالنسبة لهم، حتى لو كان قرارا لا يصب بالضرورة في خانة المصالح العليا للدولة، كما يتصورها وينظر اليها جزء مهم من المواطنين الآخرين. فقد تعاملت هذه الدول الأوروبية مع قرار التصويت كقرار سياسي وحتى أمني، يجب ألا يتسبب في شرخ مجتمعي، أو يجعل جزءا من مواطني هذه الدول يشعر بأنه ليس مواطنا كامل الحقوق في بلده الجديد.
مقاربة أوصت بها كل الدراسات العلمية التي اهتمت بصناعة واتخاذ القرار في العالم، التي تبين بشكل لا لبس فيه أهمية التوافق مع رأي المواطن الذي يتخذ باسمه أي قرار من قبل النخب والمؤسسات الحاكمة. فشرط القبول الذي يحظى به القرار من أهم شروط تطبيقه ونجاحه لاحقا. في المقابل نجد أنفسنا مع نظرة أخرى مختلفة تماما عند صاحب القرار العربي والخليجي الذي صوّت لصالح الملف الأمريكي (لا أقول الكندي والمكسيكي). فصاحب القرار هنا لا يراعي شعور الرعايا واشباه المواطنين الذين لا يتعامل معهم كمواطنين بكل تأكيد، من حقهم عليه أن يراعي شعورهم الذي تمت تنشئهم عليه منذ قرون …كأمة واحدة في السراء والضراء وغيره من الكلام الذي تربت عليه أجيال من العرب. نخب وأنظمة حكم في قطيعة واضحة مع الشعور الجمعي، كما يعيشه المواطن ويعبر عنه وجدانيا وعاطفيا، كما بينه هذا القرار السياسي ـ الرياضي المهم شعبيا الذي سيضيف شروخا اضافية الى فكرة الانتماء العربي الواحد التي عاشتها أجيال كثيرة ودافعت عنها لحد الآن.
كاتب جزائري

كأس العالم… المواطن… شبه المواطن واللامواطن

ناصر جابي