مقاطع من رسالة لم يقرأها إسماعيل الاسكندراني

بلال فضل

May-26

(حتى الآن لا يزال الباحث المتميز إسماعيل الاسكندراني سجيناً مقيد الحرية منذ أن تم اعتقاله قبل أكثر من عامين، عقاباً له على مجموعة من المقالات والدراسات المتميزة التي فضح بعضها ما يجري من انتهاكات بحق مواطني سيناء، وحاولت أن تكفل للمواطن المصري حقه في معرفة بعض ما يتم حجبه عنه. كنت قد كتبت هذه الرسالة عقب القبض على إسماعيل فك الله سجنه، وهذه مقاطع منها لا تزال للأسف صالحة للنشر).
… خلاص، الأمور كلها أصبحت على المكشوف يا إسماعيل، صحيح أن البعض ما زال يخجل من تسمية الأشياء بمسمياتها، لكن الأغلب الأعم من الناس بات يعلم الحكاية وما فيها من قبح وخسة ودناءة، يعني، الكل مثلا يعلم أنك لن تخرج من محبسك، لأن وكيل نيابة شجاع سيقول في ختام تحقيقه معك، أنه اكتشف أنك لم ترتكب ما يخالف القانون أبدا، لأن «الصحافة ليست جريمة»، وأنه قرر عقب أمره بإخلاء سبيلك، أن يحقق مع مسؤولي الأجهزة الأمنية الذين أمروا بسجنك، وحرموك من رؤية والدتك المريضة، وأن يتهمهم بالبلاغ الكاذب والإضرار بسمعتك والتقصير الجنائي في أداء عملهم، موصيا كل مصري بقراءة كل مقالاتك وتحقيقاتك، لأنها تشكل مدخلا مهما لفهم الواقع المعقد في سيناء.
يعني، لا أحد يحلم حتى بأن يحدث هذا الآن مهما بلغت رومانسيته أو حماقته، كنت قطعا ستجد من يوقن به قبل سنوات، أيام كان البعض يضحي بحريته وأمانه ورزق عياله، لكي يهتف في مظاهرة بعزم ما فيه: «إن في مصر قضاة لا يخافون إلا الله»، كان زمان وجبر يا صديقي، لكنني متأكد أنك ستشاركني الرأي، أن في ذلك ـ على قسوته وألمه ـ خيرا كثيرا، لأنه سيساعد على تجذير الصراع، وتدمير ما تبقى من الوعي الزائف، الذي تولد لدينا عبر السنين، بفعل قراءة حسنة الظن للواقع، كان أخطر ما فيها ظنها أن الناس جميعا في لحظات الأزمات، يحركهم الضمير والقيم والمبادئ، لا المصالح والمكاسب والامتيازات، وأحسب، ولعلك تشاركني الرأي، أن الأجيال التي بدأت العمل السياسي بعد الثورة، ستجد نفسها مجبرة على الانطلاق من نقطة بداية ترى استحالة أي أمل في دولة اللواءات المبنية على الشعارات الوطنية والتمام يا فندم، وترى أيضا استحالة أي أمل في تنظيمات الشعارات الإسلامية المبنية على السمع والطاعة والبيعة والعمل السري، وإذا كان البعض لا يزال بحسن نية يرى أن من الممكن أن يعود بنا الواقع إلى حدود 25 يناير، فسيثبت له الواقع المرير أن الأحلام يصعب أن تعاد ثانية بحذافيرها، على عكس الكوابيس.
للأسف يا صديقي، حتى الذين يكتبون عنك بانتظام ـ حريصون على ألا يطويك النسيان، كما طوى آلاف المعتقلين المعلومين والمجهولين ـ يعلمون علم اليقين، أن الصحافة التي كنت تمارسها هي في الحقيقة «جريمة شنيعة» في نظر السيسي وجنرالاته، لأنها صحافة حرة مستقلة ولاؤها للعقل والضمير، لا تعترف بالخطوط الحمراء التي يضعها القاتل حول مسرح الجريمة، لينفرد بعرضه الهزلي دون رقيب ولا حسيب، لكن محبيك وأصدقاءك مع ذلك ينشرون دائما صورتك ملحقة بعبارة (الصحافة ليست جريمة)، لأن هذا ما ينبغي أن يقال، ولأن هذا ربما جعل أحدا ما يهتم بالبحث عن كتابتك على شبكة الإنترنت، فيدرك كم كنت مشغولا إلى أبعد حد بأن تتيح لسائر المصريين رواية الضحايا عما جرى، بعد أن فُرضت عليهم رواية الجاني وحده لا شريك له، ولعله بعدها يفكر ألف مرة قبل أن يصدق أن كل من يُقتلون على أيدي أجهزة الأمن خارج إطار القانون، هم إرهابيون أشرار، ولعله وهو يترحم على شهداء الجيش والشرطة الذين يسقطون كل يوم، يتساءل عن أسباب قتلهم بذلك الشكل المخجل، الذي يدل على انخفاض مريع في الكفاءة الأمنية، ولعله يتذكر بعد ذلك كله سيل التصريحات التي تعهدت له بالقضاء على الإرهاب في أسرع وقت ممكن، وتسليم سيناء متوضئة خلال أسابيع، فيذكره ذلك بأهمية فضيلة الشك، فيكثر من الأسئلة، ويرفض السير في القطيع دون تأمل ولا تيقن.
.. للأسف، نحن نعيش في أيام لم تعد فيها الكتابة مهنة آمنة على الإطلاق، حيث أصبح على الكاتب أن يحمي نفسه بنفسه، لأنه لن يجد حتى من يتضامن معه، من بعض الذين تعرضوا للقمع أيام مبارك، والتي كان غاية ما فيها أن تجد نفسك عاريا في صحراء المقطم، ليس لأن الدولة كانت رؤوفة بالصحافيين والكتاب، بل لأن مبارك كان يعتنق شعار (خليهم يتسلوا)، وكان يوقن أن الكتابة ليست سوى «هبهبة» لا طائل من وراءها، ولو كان يدرك أنها يمكن أن تشحن غضب الناس وتشحذ هممهم وتزيد من وعيهم، لما تردد في أن يفعل نفس ما يفعله السيسي الآن، لكي يحمي مصالحه ونفوذه، ويديم بقاء أسرته الأبدي في الحكم بشكل أو بآخر، ولا أظن أن شيئا غير ذكريات يوم 28 يناير الماثلة في ذهن كل رجال دولة اللواءات الشائخة على روحها، هو الذي يدفع الجميع إلى ممارسة التوحش بأقصى وأقسى صوره الآن، ليمنعوا أي ثغرة يمكن أن يتسرب منها ما يذكر أحرار المصريين، بتلك الأيام التي امتلكوا فيها قدرتهم على تقرير مصيرهم، وفرضوا فيها إرادتهم على المترددين والخائفين والمتشككين والكارهين.
بالأمس سألني عنك قارئ لم يكن يتابعك، فأرسلت إليه هذه السطور التي كتبتها أنت عن نفسك تقول فيها: «أنا شاب تجاوز الأطروحات الإسلاموية ونشاطه السابق مع جماعة الإخوان المسلمين وانخرط في العمل المدني غير المسيس، ثم انضم إلى حملة «دعم البرادعي ومطالب التغيير»، التي وُصفت بأنها حملة متجاوزة للأيديولوجيات والتوجهات الفكرية من غير مناهضة لأي منها، وتهدف إلى إيجاد بديل سلمي لحكم مبارك. كنت واحداً من هؤلاء المتفاعلين مع قضية مقتل الشاب السكندري خالد سعيد تعذيباً على يد الشرطة في الشارع، ومشاركاً في تأسيس لجنة التنسيق بين شباب القوى الوطنية بالإسكندرية، تلك التي شاركت في إشعال فتيل 25 يناير 2011. أربع سنوات من الآمال والآلام، ومن العمل في قضايا المهمشين حقوقياً وصحافياً وبحثياً، حاولت فيها أن أصل سيناء بأسوان والنوبة، وأن أضم شلاتين إلى واحة سيوة، في معركة وطنية تناضل فيها الأطراف المصرية النائية ضد سردية العاصمة المركزية وإقصائها وتهميشها. لكني في النهاية، كغيري من شباب الثوار، لم أجد في المليون كيلومتر مربع متسعاً فاضطرت إلى الخروج المجهول الأجل».
.. والله ليك وحشة يا إسماعيل، لم تعد صفحتك على فيسبوك متاحة للأسف، ومنذ غبت عنها وغابت عنا، أصبحت أفتقد حضورك وكتابتك وشغبك وغضبك وصخبك وطيبتك، وقدرتك على الجمع بين الإنجاز والهري بشكل مدهش، تعرف أنني استغربت حين قرأت لأكثر من شخص من محبيك، وهم يكتبون كلاما من نوعية «الذي يعرف إسماعيل الإسكندراني فقط من خلال فيسبوك لا يعرفه جيدا فهو أطيب بكثير مما يبدو عليه في فيسبوك»، يعني، ربما يحبك الذين يكتبون هذا الكلام أكثر مني، وربما يعرفونك أكثر مني، لكنهم لا يعرفون أنني وكثيرين غيري، مثلما أحببنا كتابتك الصحافية والبحثية المجتهدة والمحكمة، أحببنا شخصيتك «الفيسبوكية» المنطلقة على سجيتها والبعيدة عن الاصطناع والتكلف، والتي لا تخجل من أن تسمي الأشياء بمسمياتها، ولا تتردد في إعلان رأيها مهما كان صادما أو مربكا. صحيح أن ذلك جلب لك عداوة المهاويس والمتعصبين من كل التيارات، وجعل صفحتك مطمعا لهجوم «زومبيز» الإخوان و»ميلفات» السيسي وأعضاء جمعية حماية أخلاق الطبقة الوسطى، التي تتسامح مع القتل لكن تقتلها البذاءة، وصحيح أيضا أن ذلك كان يضايق بعض محبيك، الذين كانوا يرون أنك تهدر طاقتك فيما لا طائل من وراءه، لكنهم ربما لم يدركوا أنك بحرصك على أن تكون كما أنت، أن تصير كما تريد، تهرب من محاولة واقعنا السخيف ـ وعادته ـ في أن يحولك إلى صاحب دور، إلى شخصية افتراضية، إلى أي شيء غير أن تكون صحافيا وكاتبا وباحثا ورجلا حرا على باب الله. لا أدري إذا كنت تجد خلف قضبان السجن الكريهة متسعا لمناوشات كتلك التي كنت تخوضها على الواقع الافتراضي، لكنني متأكد أنك حين تخرج من السجن بإذن الله، ستخرج بعشرات الأفكار لمقالات ودراسات وكتب وبحوث وبوستات لا أول لها من آخر، ومتأكد أيضا أن بعض من حبّك سيلومك حين يراك تطيل البقاء على فيسبوك، بدلا من أن تقضي وقتك كله في كتابة ما رأيته وتعلمته واستلهمته من تجربتك المريرة التي أسأل العلي العظيم أن تكون أقصر مما يظن كل متشائم أو متفائل حذر.
«أشوف وشك بخير يا إسماعيل».
«أشوف وشك بخير يا إسماعيل».
11RAI

مقاطع من رسالة لم يقرأها إسماعيل الاسكندراني

بلال فضل