بوفون إلي سان جيرمان الصفقة المثالية لكرة القدم وعشاقها

عادل منصور

May-26

لندن ـ «القدس العربي»: أوقف الحارس الأربعيني جانلويجي بوفون، سلسلة الأنباء الحزينة عن اعتزال ما تبقى من ألمع وأشهر العشرية الأولى في القرن الجديد، وابتعاد البعض منهم عن ضغوط اللعب في قمة كرة القدم، كالرسام أندريس إنيستا، وزلاتان إبراهيموفيتش، وفرناندو توريس وآخرون، بإعلان استمراره في الملاعب حتى إشعار آخر، كما قال في مؤتمر الوداع قبل مباراته الأخيرة بقميص يوفنتوس ضد فيرونا في ختام موسم السيريا آه.

من كان يتوقع؟

لم يكن أسطورة حراسة مرمى الآزوري يتوقع استمراره في الملاعب، أو بمعنى أدق، مع سيدة إيطاليا العجوز بعد طعنة الخروج من كأس العالم، حتى التقارير الإيطالية التي تحظى بثقة لا بأس بها، أجمعت على أن بوفون بنفسه، أخبر الرئيس أنييلي بعد كارثة «كارديف»، بالسقوط المدوي أمام ريال مدريد 4/1 في نهائي دوري الأبطال الموسم الماضي، أنه سيخوض آخر محاولة للبحث عن الكأس ذات الأذنين عام 2018، بعدها سيكون مُستعدا لترك عرينه للوريث الأحق، وبناء على هذا الاتفاق «الجنتلمان»، قام الرئيس بضم الحارس البولندي تشيزني مقابل ما يزيد على 10 ملايين يورو من آرسنال، وعندما جاءت لحظة الحقيقة، انسحب الحارس بهدوء، تنفيذا للاتفاق المُسبق مع انييلي، وربما لو عاد به الزمن مرة أخرى، سيتخذ نفس القرار، وهذا ليس لأنه شعر فجأة أنه ما زال قادرا على العطاء، بل لأنه «حرفيا» لم يَعد لديه ما يُقدمه للبانكونيري بعد وصوله لقمة اليأس في مشهد اعتراضه على الحكم الإنكليزي مايكل أوليفر، الذي لخص معاناته على مدار 18 عاما لم تكتمل بمعانقة كأس دوري الأبطال.
هناك روايات أقل مصداقية، تُشير إلى أن بوفون اتخذ قرار الرحيل عن يوفنتوس، اعتراضا على عدم دعمه من الإدارة، خاصة بعد إعلان الاتحاد الأوروبي (يويفا) بشكل رسمي، أنه بصدد توقيع عقوبة على صاحب الـ40 عاما، لن تَقل بأي حال من الأحوال عن مباراتين، كضريبة على تهوره في رد فعله على مايكل أوليفر، في ركلة الجزاء التي أنهت حلم بوفون في الظهور في نهائي الكأس الاوروبي للمرة الثالثة في آخر أربع سنوات، والمرة الرابعة في تاريخه.

النهاية

لكن في النهاية، انتهت رحلته مع يوفنتوس، تاركا وراءه تاريخا ستتذكره الأجيال القادمة، وسيتغنى به كل من عاصر بوفون كلاعب أو كمشاهد عبر الشاشات، لمواقفه العظيمة قبل قيمته كحارس يَحلم به أي نادٍ في العالم، كما فعل عام 2006، عندما رفض التخلي عن اليوفي في محنة هبوطه للقسم الثاني، على خلفية فضيحة «الكالتشيو بولي»، الشهيرة، ومعه المُخلصون أليكس ديل بييرو ودافيد تريزيغيه وآخرون يُعدوا على أصابع اليد، علما أنه كان حارس أبطال العالم، وبإشارة واحدة كان بإمكانه اللعب في أي نادٍ في أوروبا بدون استثناء، لكنه ضرب المثل في الوفاء والإخلاص، واستمر مع الفريق إلى أن أعاده أقوى من أي وقت مضى، ويُحسب لجيجي أنه واصل العطاء مع الجيل الذي تسلم الراية من ديل بييرو والحرس القديم، ولعب في نهائي الأبطال مرتين، والأمر الرائع لعشاق كرة القدم الذين لا يكترثون إلا للاستمتاع باللعبة الشعبية الأولى في العالم، أن هذا الرمز الذي يزداد بريقا كلما تقدم به العمر كقطعة الذهب، لا ينوي فقط تأجيل فكرة الاعتزال، بل الاستمرار في أعلى مستوى تنافسي في كرة القدم، وهذا بطبيعة الحال، إن صحت أو صدقت التقارير التي تؤكد اقترابه من توقيع عقد مع باريس سان جيرمان.

قرار صائب

من يُتابع بوفون عن كثب أو مُعتاد على قراءة تصريحاته، يعرف جيدا مدى عاطفته تجاه دوري أبطال أوروبا بالذات، بالكاد لا يُصدق أنه سيختم مسيرته بدون أن يُحقق حلم الأبطال، لذا يُمكن اعتبار انتقاله لسان جيرمان، أشبه بتحد حقيقي جديد، أو الفرصة الحقيقية الأخيرة لتحقيق الحلم قبل فوات الأوان. ومن حُسن الحظ أن هدفه مُشترك مع العملاق الباريسي، الذي يُخطط رئيسيه ناصر الخليفي للفوز بهذه البطولة منذ امتلاكه «حديقة الأمراء» عام 2011، ببناء فريق أحلام قادر على كسر شوكة عملاقي الليغا ريال مدريد وبرشلونة وبقية كبار أوروبا، ورغم الدعم الهائل، الذي وصل لحد جلب الثنائي نيمار وكيليان مبابي في فترة الانتقالات الصيفية الأخيرة، وقبل ذلك أتى بزلاتان إبراهيموفيتش من ميلان وإلى الآن يوجد في الفريق أسماء رنانة من نوعية إدينسون كافاني وفيراتي وتياغو موتا وتياغو سيلفا وباستوري وآخرون على نفس المستوى، إلا أن مشروع رجل الأعمال القطري لم يتجاوز حتى الدور ربع النهائي، بل في آخر عامين، انخفض الطموح عند دور الـ16، بالخروج على يد الكبيرين البارسا والريال، وهذا في حد ذاته، مكسب لكلا الطرفين بوفون والنادي الفرنسي.

أنا بوفون

بالنسبة للحارس، سيُحافظ على صورته التي رسمها لنفسه منذ ظهوره على الساحة مطلع الألفية الجديدة، كواحد من أفضل ثلاثة حراس في العالم على مدار عقدين، أولاً سيتفادى باب السخرية أو التقليل من قيمته كحارس، بالانتقال إلى نادٍ صيني أو أمريكي ليقولوا أنه ذهب من أجل «حفنة» أموال في ختام رحلته، أما عمليا، فانتقاله إلى باريس فهو خيار كروي ممتاز وبضغوط أقل من وضعه مع اليوفي، وفي الوقت ذاته يعني أنه عازم على الاستمرار في أعلى مستوى تنافسي في كرة القدم، وأهم من ذلك، الصفقة بُرمتها ستكون بمثابة الرسالة الواضحة لكل عمالقة أوروبا، أن بوفون وباريس سان جيرمان لم يفقدان الأمل بعد، وهذه المرة، سيتسلح بطل الليغ1، بخبرة لا تُقدر بثمن، كان أوناي إيمري وكل من سبقه في المقعد الساخن في «حديقة الأمراء» في أشد الحاجة إليها، بجانب شخصيته القيادية، التي تظهر عادة في المواعيد الكبرى، وهذه تقريبا أفضل استفادة لسان جيرمان، الذي لم يملك أبدا لاعبا بعقلية ونضج بوفون.
صحيح مر على «حديقة الأمراء» مجموعة خبرات لا بأس بها، أكثرهم زلاتان، لكن يعيبه نظرته لنفسه أكثر من أي كيان، ولا يُخفى على أحد كم هو «مغرور» بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وبوجه عام، شخصيته كقائد يُبنى عليه مشروع، لا يُقارن ببوفون، الذي لا يبحث عن «الشو» الإعلامي. فقط يعمل في صمت من أجل فريقه، تقريبا القطعة النادرة التي يبحث عنها الخليفي ليكتمل فريق الأحلام القادر على إنهاء عقدة سان جيرمان مع الكأس ذات الأذنين، ولا ننسى أنه حتى في أسوأ الأحوال، إن لم يُحالفه التوفيق في حل عقدة الأبطال، لن يخسر أي شيء، بل سيربح أكثر، يكفي أنه سيحصل على فرصة ذهبية مع فريق يوجد فيه نيمار وكافاني ومبابي وفيراتي ودراكسلر ودي ماريا. لا شك أبدا ستكون توليفة قادرة على إزعاج أي فريق أوروبي، بشرط أن يتفادى المدرب الجديد توماس توخيل مشاكل سلفه أوناي إيمري، في السيطرة على اللاعبين داخل غرفة الملابس، هذا من الجانب المعنوي.

وظيفة حتى 2022

ماديا، يُقال أنه سيحصل على ضعفي آخر راتب تقاضاه مع يوفنتوس، وذلك بعقد مدته عامان، بخلاف ما ينتظره بعد الاعتزال عام 2020، بالعمل في الحملة الترويجية لمونديال قطر 2022، جنبا إلى جنب مع سفراء الحملة، في مقدمتهم أسطورة برشلونة ومنتخب إسبانيا تشافي هيرنانديز، للاستفادة من شعبيته الجارفة في مختلف أنحاء العالم للترويج لكأس العالم التي ستُقام على الأراضي القطرية. خلاصة القول، هي صفقة مثالية لكل الأطراف، اليوفي من حقه العثور على بديل، وباريس لديه رغبة في الاستفادة من خبرة بوفون، والأخير يرى أنه ما زال قادرا على العطاء، والفائز سيكون مشجع كرة القدم الحقيقي الذي سيضمن الاستمتاع بالاخطبوط عاما أو عامين على أقل تقدير، بعدما كان الجميع ينتظر سماع خبر اعتزاله يوم إعلان رحيله عن يوفنتوس.

بوفون إلي سان جيرمان الصفقة المثالية لكرة القدم وعشاقها

عادل منصور