عين روسيا على حصة إيران النفطية وسوق الطائرات فيها

محمد المذحجي

May-26

لندن ـ «القدس العربي»: لم تخف إيران قلقها المتزايد إزاء عدم التزام روسيا بالتوافقات التي قطعتها مع منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» والتي تعهدت موسكو أنها لن تزيد إنتاجها من النفط حتى نهاية العام الحالي. حيث اعتبرت وكالة «إسنا» للأنباء التابعة لوزارة العلوم والأبحاث الإيرانية، في تقرير عنوانه «هل روسيا صديق نصف الطريق؟» زيادة موسكو إنتاج نفطها خلال الشهرين الماضيين، انتهاك روسيا الواضح للتوافق حول تثبيت حجم إنتاج النفط الخام وعدم زيادة عرضه إلى الأسواق العالمية.
بدأت التكهنات منذ مطلع هام 2018 حول انسحاب روسيا المحتمل من الاتفاق المبرم بين الأخيرة وأعضاء منظمة «أوبك» ومع مرور الزمن تزايد القلق تدريجياً، وأظهرت التقارير الإعلامية أن روسيا لم تلتزم بحصتها المتفق عليها مع «أوبك» خلال آذار/مارس ونيسان/أبريل الماضيين. ما أكده بشكل صريح وزير الطاقة الروسي، ألكساندر نوفاك، قائلاً إن من المحتمل ألا تخفض بلاده إنتاجها من النفط الخام كالمتفق عليه، بعد الاجتماع المشترك بين روسيا ودول أعضاء منظمة «أوبك» المقرر عقده الشهر المقبل.
وكانت روسيا ودول أخرى منتجة للنفط قد اتفقت مع أعضاء «أوبك» في تشرين الثاني/نوفمبر 2016 على أن يتم تخفيض إنتاج النفط مليون و800 ألف برميل يومياً اعتباراً من مطلع عام 2017 لمنع تواصل انهيار أسعار النفط في الأسواق الدولية. وأدى هذا التوافق الذي يعرف هذا التوافق باسم «أوبك+» ومن المقرر أن يستمر حتى نهاية العام الحالي، إلى زيادة الأسعار بنسبة 40 في المئة، وستقرر الدول المعنية بهذا الاتفاق حول مستقبله خلال اجتماع حزيران/يونيو المقبل لمنظمة «أوبك». وتم إعفاء الجمهورية الإسلامية الإيرانية وليبيا ونيجيريا من موضوع خفض الإنتاج لأن حصتها في الأسواق تقلصت كثيراً بسبب العقوبات والأزمات الداخلية، حتى يصل إنتاجها من النفط إلى المستوى المحدد لها سابقاً.
ومنذ فترة غير قصيرة، تؤكد الشركات النفطية الروسية العملاقة على أن مواصلة موسكو التزامها بالتوافق مع «أوبك» حول خفض الإنتاج، عرقلت مشاريعها الطموحة المستقبلية كثيراً. وعلى الرغم من المحددات التي وضعتها الحكومة الروسية، زادت العديد من الشركات النفطية الروسية إنتاجها. وعلى سبيل المثال وليس الحصر، رفعت شركة «غازبروم نفط» إنتاجها النفطي أكثر من 4.1 في المئة خلال عام 2017 مقارنة بالعالم الذي سبقه. وحصلت هذه الزيادة بفضل مشاريع «غازبروم نفط» في 3 حقول كبيرة بالقطب الشمالي واستثماراتها لتطوير الحقول النفطية في العراق. وتظهر تصريحات رئيس شركة «غازبروم نفط» ألكسندر ديوكوف، أن الشركة الروسية لا تنوي خفض إنتاجها خلال العام الحالي، حيث قال إنه بعد قرار وزارة الطاقة تمديد اتفاق خفض الإنتاج، فإن مستواه في مجموعة «غازبروم نفط» سيبقى عند مستوى إنتاج العام الماضي، وربما بـ»زيادة بسيطة». ولدى الشركة مشاريع طموحة لزيادة إنتاجها إلى 100 مليون طن حتى عام 2020.
ورغم أن شركة «روس نفط» أعلنت أنها قلصت 1.2 في المئة من مستوى إنتاجها للنفط خلال الأشهر الثلاثة الأولى لهذا العام، لكن التقديرات في الأسواق العالمية تظهر أن «روس نفط» أنتجت أكثر من 7.6 في المئة خلال العام الماضي. وتعمل الشركة على تطوير حقول نفطية في فيتنام ومنطقة سيبيريا الغربية وحفر المزيد من الآبار هناك.
وأظهرت الشركات الروسية فعلاً أكثر من مرة أنها لن تلتزم بتوافق «أوبك+» لخفض الإنتاج لفترات أطول. ما أكده وزير الطاقة الروسي من خلال تشديده على ضرورة إعادة التفاوض مع باقي منتجي النفط لتحديد حصص جديدة فيما يتعلق بتوافق خفض الإنتاج نظراً إلى أن سعر النفط بلغ 80 دولارا لكل برميل، وتوقع المزيد من ارتفاع الأسعار خلال الفترات المقبلة.
وجاء انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي وفرض العقوبات المشددة على إيران وخاصة على تصديرها للنفط، في الوقت المناسب بالنسبة لروسيا. وتخطط الأخيرة للاستحواذ على حصة إيران في الأسواق من خلال زيادة إنتاجها. فضلاً على أن أمريكا تعمل بشكل متواصل على تسويق نفطها الصخري في الأسواق، وهي بحاجة أكبر لارتفاع أسعار النفط بسبب الكلفة العالية لإنتاج هذا النوع من النفط التي تقدر بـ40 إلى 90 دولارا لكل برميل.
ويقدر محللو وخبراء مجموعة «سيتي غروب» المصرفية أن روسيا لديها قدرة إنتاجية نفطية غير مفعلة مقدارها 408 ألف برميل يومياً التي تشكل 4 في المئة من إنتاجها من النفط ويبلغ 11 مليون و300 ألف برميل يومياً. ولدى المملكة العربية السعودية قدرة إنتاجية غير مفعلة أكثر بكثير من روسيا حيث يبلغ ذلك أكثر من مليوني و120 ألف برميل من النفط يومياً.
وتخدم العقوبات الأمريكية روسيا أكثر من ذلك، حيث تعمل الأخيرة على ملء الفراغ الذي سيحدثه انسحاب شركتي إيرباص وبوينغ المتوقع من السوق الإيرانية. وأعلن الروس أنهم سيعملون على إعادة تصميم الطائرتين المدنيتين من طراز «سوخوي 100» و»أم سي 21» لاستبدال المعدات والأجزاء أمريكية الصنع فيها بمعدات روسية الصنع، لتفادي العقوبات الأمريكية وتوفير الترتيبات القانونية لبيعها على إيران.
ودون الحصول على التراخيص اللازمة من وزارة الخزانة الأمريكية لا يمكن بيع الطائرة التي تم استخدام 10 في المئة من المعدات أمريكية الصنع فيها، إلى إيران.
وأعلنت واشنطن أنه سيتم إلغاء جميع تراخيص بيع الطائرات المدنية لإيران خلال الأشهر الثلاثة المقبلة. وبعد هذه الفترة وإلغاء التراخيص، لا يمكن لأي شركة أن تبيع طائراتها إلى إيران، إلا أن تستبدل المعدات والأجزاء أمريكية الصنع بغيرها، الأمر الذي يصعب تحقيقه.
وعقدت إيران أكثر من 40 مليار دولار اتفاقيات مع شركتي بوينغ وإيرباص لشراء الطائرات المدنية، وتحتاج إيران إلى أكثر من 500 طائرة أخرى خلال السنوات الـ10 المقبلة لتحديث أسطولها المتهالك. ووضعت روسيا عينها على هذه السوق واحتياجاتها. وإذا استطاعت الشركات الروسية الاستحواذ على هذه السوق، سيؤدي ذلك إلى ثورة كبيرة في قطاع صناعة الطائرات بروسيا. نظراً إلى أن شركة سوخوي لم تستطع من بيع أكثر من 136 طائرة من طراز سوخوي-100 خلال 10 سنوات الماضية. ووقعت شركتا «آسمان» و»إيران أيرتور» الإيرانيتان مع سوخوي على عقد لشراء 40 طائرة مدنية من طراز «سوخوي 100».
وتشير التوقعات إلى أن إيران ستتجه إلى شراء ما لا يقل عن 100 طائرة أخرى من هذا الطراز، وإذا تحقق ذلك، سيعتبر إنجازاً كبيراً لروسيا. وتواصل الأخيرة تسويقها لأحدث طائرتها المدنية من طراز «أم سي 21» التي تعادل طائرتي بوينغ 737 وإيرباص 320. وفي حال انسحاب بوينغ وإيرباص، من المتوقع أن تتجه شركة «إيران أير» إلى شراء أكثر من 100 طائرة من طراز «أم سي 21» الروسية. ولا يمكن لإيران أن تعوض حاجتها إلى أكثر من 100 طائرة بعيدة المدى من الشركات الروسية، لأنها لا تصنع أي طائرة مدنية بعيدة المدى.

 عين روسيا على حصة إيران النفطية وسوق الطائرات فيها

محمد المذحجي