الطلاق إلى ارتفاع في لبنان وتداعياته سلبية على الأولاد والمجتمع

ناديا الياس

May-26

بيروت ـ «القدس العربي»: تميّزت الأسرة اللبنانية بتماسكها، الأمر الذي ساهم في تعزيز الاستقرار الأسري بين أفرادها والحدّ من السلوك الانحرافي والتفلّت الأخلاقي والحدّ من التفّرد والأنانية، ما شكّل رافعة أمان اجتماعي في التربية والتنشئة بين أفراد العائلة والمجتمع. إلاّ أنّ دخول عوامل عدّة فرضتها العولمة والتكنولوجيا والاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي والضائقة الاقتصادية وسواها أحدثت تحوّلات اجتماعية وتحديّات كبيرة على الأسرة التي باتت تعيش حالة انفصام ونزاعات ومشاكل تهددّ تماسكها ومنها على سبيل المثال التفكّك الأسري الناجم عن الطلاق الذي سنسّلط الضوء على أسبابه وآثاره السلبية على الفرد والمجتمع بعد تزايد معدلاته بين الأزواج في مجتمعنا اللبناني بشكل ملحوظ، إذ وصلت النسبة في بعض الفترات إلى 75 في المئة، وهي مرجّحة صعوداً وانخفاضاً تبعاً للظروف الاقتصادية والاجتماعية المتعلقة بالمصاريف الأسرية المكلفة إجمالاً حسب عدد أفرادها والمتطلّبات الحياتية.
نعم لم تكن ظاهرة الطلاق رائجة منذ القديم لانّها لم تكن محبّذة وكانت تلقى نظرة احتقار من قبل المجتمع وخصوصاً للمرأة التي كانت تجبر أن تلازم زوجاً تكرهه، وهذا ما جعل المرأة تثور وتنتفض من زواجها المأساوي واستفادتها من الحرية حسب ما أكدّت المعالجة النفسية فاطمة ناصيف لـ «القدس العربي» والتي عرضت بإسهاب أهم المسببات للطلاق والتي أجملتها على الشكل التالي:
– رجعية بعض الرجال في معاملة المرأة ولجوؤهم إلى وسائل عنفية شّتى كالضرب المعروف بالعنف الأسري والذي أدّى إلى حالات قتل عدة في لبنان.
– ليست هناك عائلة خالية من الشجار والمشاكل، وهذه المشاكل تزداد وتتفاقم مع تدّخلات مباشرة وغير مباشرة في صلب الحياة الزوجية من قبل الأهل والأنسباء ما يؤّدي إلى سوء تفاهم وخلافات وصولاً إلى الطلاق.
– غياب ثقافة الحقوق والواجبات وظروف اقتصادية واجتماعية صعبة وانعدام لغة التواصل بين الزوجين إلى جانب استخدام مفرط لمواقع التواصل وتسببّها في فتور وجمود في العلاقات الزوجية بسبب تمضية الأزواج وقتا طويلا بالتحدّث عبر هذه الوسائل والبرامج وإهمال واجباتهما الزوجية والمنزلية.
– زواج تمّ بفعل إجبار من الوالدين أو نتج عن حبّ طفوليّ بين مراهقين لم يلقيا التوعية اللازمة، وفي معظم الأحيان تكون أسباب الخلافات سابقة للزواج ومتجذرة في شخصية الزوجين وهي تعود لمراحل الطفولة والمراهقة التي عاشا في ظّلها وتأثرا بها في اللاوعي.
ومن أهَمّ أسباب فشل الزواج أيضاً الشَكّ وفقدان الثقة بين الزوجين، وهذا يؤّدي إلى فقدان الحبّ بينهما وتنشأ الخلافات والمناكفات بسبب أخطاء مرتكبة من قبل أحدهما أو التكتم عن أسرار مخفيّة بينهما ما يجعل الثقة معدومة.
ورأت ناصيف أنّ الخيانة الزوجية تعّد من أبرز أسباب الطلاق في مجتمعنا، وهي في الواقع نتيجة لأسباب كثيرة تواجه الزوجين ومنها على سبيل المثال إختلاف الطباع وعدم وجود الإنسجام الفكري والعاطفي بينهما وتأثر أحدهما بالعوامل الخارجية سواء المادية أو العائلية أو الاجتماعية وانجرافه بالمظاهر الخداّعة التي تطغى على مجتمعنا في الأيام الراهنة ومنها موجة المجون والخلاعة وانتشار الملاهي والمراقص.
واعتبرت أنّ غياب القناعة لدى الطرفين يعدّ عاملاً أساسياً في الطلاق، إذ يسعى كل طرف إلى الحصول على نمط عيش جديد أي اقتناء أفضل بيت وفرش وأفضل سيارة، كذلك يبحث الرجل عن الفتاة المثالية التي تتمّتع بمظهر جميل وثريّة فقط متناسياً أموراً جوهرية أخرى ومنها طباعها ونفسيتها وأخلاقها وقلبها وعقلها، وعندما يتزوجّان يستفيق الرجل على هذه الأمور فيحصل الصدام، كذلك غياب القناعة لدى المرأة عندما ترى عند الآخرين ما ينقصها فتريد أن تحصل عليه ويكون هذا على الصعيد المادي وإذا كانت تعاني من ضيقة مادية هذا الأمر يولّد الخلافات.
ومن الأسباب التي تدفع إلى الخلافات وصولاً إلى الطلاق حسب فاطمة ناصيف هو عمل المرأة الذي يعطيها شعوراً بالاستقلالية، فتشعر انها أصبحت بغنى عن زوجها ولاسيما وأنها تتقاضى ما تحتاجه من أموال وتريد إثبات مكانتها في المجتمع عبر عملها وشهادتها ونجاحها. كل هذه العوامل تتضارب مع بعضها البعض لينشأ الخلاف الذي يؤدي إلى الطلاق. ويؤثّر الطلاق بشكل مباشر على دفء العائلة التي يستشعر أفرادها بعدم الاستقرار والأمان وتبرز المشاكل لدى الأولاد ولاسيما الأطفال منهم إذ تؤّثر بشكل مباشر على نموّهم النفسي والجسدي وترّتب عليهم أمورأ سلبية منها الانطوائيّة والعزلة والعدائيّة في التعاطي مع الآخرين ولاسيما مع الرفاق في المدرسة، وعدم الثقة بالنفس والأنانية وفقدان الشهيّة والبطء في عملية الهضم بسبب الشعور بالحزن وسواها من المشكلات النفسيّة التي أبرزتها الدراسات والأبحاث الاجتماعية والنفسية.
وأشارت ناصيف إلى عوامل سلبية عدّة تترّتب على الطلاق ومنها الحزن العميق الذي يعتري نفوس الأبناء والذي يتحّول في كثير من الأحيان إلى مصدر للاكتئاب.
وشدّدت على وجوب المتابعة النفسية للأولاد الذين يعانون من الاكتئاب وما ينتج عن ذلك من تداعيات سلبية منها عدم التركيز والأرق والكوابيس الليلية، ونصحت الأهل في حال أرادوا الإقدام على خطوة الطلاق بمصارحة أطفالهم بالأمر، شارحين لهم أسباب الطلاق بهدوء وبطريقة سلسلة تتناسب وأعمارهم حتى لا يشّكل الأمر صدمة حقيقية لهم. ورأت أن الشيء المهم الذي يجب أن يعرفه الطفل هو أنه ليس سببَ الإنفصال ونصحت الأهل أن يقولوا لأولادهم انهم سيبقون يحبّونهم وسيظلون محور حياتهم حتى ولو انفصل أحدهم عن الآخر وأقام في منزل آخر، لانّ الطلاق لن يمنعهما عن التخلّي عنهم وعن تأمين مستلزماتهم وحاجاتهم والاستمرار في ممارسة هواياتهم المفضلة ومنها على سبيل المثال النشاطات الرياضية أو الذهاب إلى دور السينما أو النادي وسواها من اأاماكن التي يحبّونها، فهذا الأمر يساعد الأولاد نسبيّاً على تقبّل الفكرة، كما تمنّت ترك الأولاد في منزلهم وزيارة والدتهم أو والدهم بشكل يومي وعدم الإساءة لبعضهما أياً تكن الأسباب.
وتفادياً لزيادة نسبة الطلاق اتخّذت المرجعيات الروحية الدينية في لبنان إجراءات نتيجة غياب الدولة عن الاهتمام بهذه المسألة الأساسية وما يترّتب عنها من تداعيات على الأسرة والمجتمع للحدّ من ظاهرة الطلاق، ففرضت الكنيسة على كلّ زوج من المخطوبين حضور اجتماعات ودورات تمهيدية للزواج لتعريفهما على هذا السرّ المقّدس وعلى أهميته وعلى معنى وواجبات الحياة الزوجية ومبتغاها ومصاعبها ومشاكلها وارشادهما على كيفية تخطيّ المشاكل التي ستواجههما بكلّ صبر ومحبة وتفاهم وتضحية. وإستعان القضاء الشرعي الإسلامي بلجانٍ لإصلاح ذات البين ملحقة بالمحاكم الشرعية، لمعالجة أكثرِ المشاكلِ الأسرية قبل عرضها على القضاءِ لبت النزاع فيها، والعمل على استحداث مكاتبَ متخصصة بقضايا الإرشاد والتوجيه والإصلاح الأسري تلحق بكلَ محكمة شرعية، وباشر بالتعاونِ مع جميع المؤسسات الدينية والاجتماعية والمراكز الثقافية، لتعزيزِ الوعي وتعميمِ الثقافة بأهميةِ الأسرة وضرورةِ حمايتها والمحافظة عليها، بالوسائل الممكنة من الندوات والمحاضرات والنشرات، والعمل بالتنسيق معها على إقامة دورات توجيهية وتثقيفية للخاطبين قبل إجراءِ عقد الزواج، ليدركا مدى أهمية ما يقدمان عليه، ولتكون هذه الدورات عوناً لهما في مسيرتهما الزوجية.

الطلاق إلى ارتفاع في لبنان وتداعياته سلبية على الأولاد والمجتمع

ناديا الياس