حاكموا محمود عباس وشكسبير أيضا!

غادة السمان

May-26

ثمة أخبار أطالعها وتظل تغلي داخل رأسي كعش من الدبابير. منها مثلاً ذلك الخبر الذي أرسله من «رام الله» الأستاذ هيثم زعيتر عن مطالبة نتنياهو بمحاكمة (أبو مازن) محمود عباس بتهمة اللاسامية. وأنحاز إلى نتنياهو طبعاً، ومن لا يؤيده؟ ألم يأت محمود عباس والفلسطينيون مهاجرين من الغرب إلى إسرائيل ويحتلون معظمها ويعتدون على الأهالي الآمنين ويحاولون تحويلها إلى دولة فلسطين ويقومون بطرد الإسرائيليين الآمنين بتهجيرهم إلى لبنان وسوريا وبلدان الجوار وبذبحهم في «دير ياسين» ومذابح أخرى كثيرة؟ ألم يطرد أبو مازن وقومه الناس من قراهم ليقيم فيها الفلسطيني القادم من أقاصي الأرض؟ ألم يفتح أبو مازن السجون للإسرائيلي صاحب الأرض والوطن ويعتقل فيها الاسرى الإسرائيليين ويقوم بالتنكيل بهم على المعابر ويحاصرهم في غزة، ويقتل المئات منهم ويجرح الآلاف ويحاول احتلال كل شبر في إسرائيل؟ أليس شر البلية ما يضحك؟ وهل يستطيع الجلاد أن يلعب دور الضحية كما فعل نتنياهو حين طالب بمحاكمة أبو مازن؟ هذا بينما هو الجلاد كما في غزة مستقوياً بنقل سفارة ترامب إلى القدس؟

يرضى القتيل ولا يرضى القاتل!

سمعت في إحدى نشرات الأخبار الغربية أن أبو مازن قدم اعتذاراً عن كلام له أُسيء فهمه وأن نتنياهو رفض الاعتذار!
وإذا صح الخبر أتساءل: هل يكفي الاعتذار وحده لو فكر نتنياهو بتقديم اعتذار من الشعب الفلسطيني من أفعاله وقومه منذ عقود، منذ النكبة التي يدعونها انتصاراً؟ كم أضحى هذا العالم شبيهاً بمسرح اللامعقول.. حتى صرنا نرى الصهاينة يقتحمون «حرم المسجد الأقصى» زاعمين أنه مكان عبادة لليهود أولاً!

شكسبير «لا سامّي» أيضاً..

وقد يطالب نتنياهو بمحاكمة شكسبير مثلاً وإعدام أعماله كلها بجرم «اللاسامية» وقد يطالب بهدم قبره وبيته الأصلي بل وقريته الأم التي يزورها عشاق إبداعه كمعلم سياحي وأدبي. فمنذ قرون كتب شكسبير مسرحية من مسرحياته الخالدة بعنوان: تاجر البندقية (المقصود بالبندقية مدينة Venice فينيسيا)… وباختصار، تروي المسرحية حكاية المرابي اليهودي شايلوك الذي استدان منه شاب مالاً على أن يعيده له مع الربا بالفاحش وإذا عجز عن ذلك سيقتطع من لحمه مقداراً معيناً (وبالتالي سينزف الشاب حتى الموت).. ويصر شايلوك في المحكمة على قطع جزء من لحم المسكين حين يعجز عن سداد الدين..

هذه المسرحية تم التعتيم الإعلامي عليها..

وحتى حين درست طوال عام مسرحيات شكسبير في الجامعة الأمريكية لم يأت ذكرها بكلمة. وأظن أنها غير موجودة في المكتبات على الرغم من أن شكسبير يتحدث عن شرير واحد وهو شايلوك لا عن اليهودي عامة…

الإرهابي العربي المسلم في السينما

من زمان، كان الشرير في السينما جاسوساً روسياً أو ما شابه.. أما اليوم فقد صار الشرير عربياً ومسلماً (غالباً) ولم نطالب بمحاكمة أحد كما فعل نتنياهو مع أبو مازن.. بل إن رفع الأذان يمتزج أحياناً مع خطط (الإرهابيين) في بعض الأفلام وبذلك يتهمون كل مسلم عامة.. بدلاً من الإيحاء بأن الأشرار من الملل كلها وثمة أنقياء وأبرياء أيضاً… يبدو أننا كعرب نستطيع تأسيس «جامعة التسامح» والصبر وبالذات مع العدو الإسرائيلي الذي يذكّرني سلوكه نحونا بالمثل الشامي: «مالُنا» صار علينا صدقة…
ونتذكر العريضة الفرنسية المطالبة بحذف آيات من القرآن الكريم (!) ولم نقم الدعوى على الموقعين عليها!

في دمشق لا بيروت

أنتقل إلى موضوع آخر.. نحن بشر وبالتالي نخطئ. وأنا أسكت عادة على الأخطاء في حقي باستثناء التي تلغي حقيقتي. فقد جاء في الترجمة الإنكليزية لروايتي الأخيرة «يا دمشق وداعاً» في سياق تعريف المترجمة بي أنني ولدت في بيروت، والحقيقة أنني ولدت في دمشق من أبوين سوريين ودرست في جامعتها ثم رحلت إلى بيروت لمتابعة دراستي وبعدها حملت الجنسية اللبنانية إلى جانب السورية.
والترجمة الإنكليزية صدرت عن دار نشر راقية في لندن هي (دارف بابليشورز) أما المترجمة الأمريكية الأصل التي اختارتها الدار فهي من المترجمات المعروفات لإتقانها اللغتين وسبق لها ترجمة روايتين لي فازت إحداهما بجائزة الكتاب المترجم من العربية إلى الإنكليزية من جامعة أركنساس.
أنا المسؤولة أولاً عن الخطأ لأنني لم أطلب الاطلاع على التقديم قبل طباعة الكتاب. ولعل نبع الخطأ يكمن في أحد المواقع الالكترونية، التي يجد فيها من شاء نبذة عن حياة أديب ما وأعماله وباختصار، ولدت في أقدم مدينة مأهولة في التاريخ دمشق وأعتز بذلك (كشامية عتيقة)!

حدث في دمشق لا في اللاذقية..

ثمة كتاب قيّم بعنوان جذاب هو: مدن العرب في رواياتهم ـ تأليف د. علي عبد الرؤوف ـ الناشر: مدارات للأبحاث والنشر ـ 2017 ـ طالعته مؤخراً ووجدت فيه فصلاً عميقاً عن روايتي «فسيفساء دمشقية» وعن علاقة بطلة الرواية زين بالبيت الكبير العتيق في «زقاق الياسمين» خلف الجامع الأموي في دمشق وعن مشاعرها وجدتها حين انتقلت الأسرة للإقامة في شارع «أبو رمانة» في اللاذقية كما ورد في السطور الأولى من ص 136 من الكتاب. والحقيقة أن شارع أبو رمانة يقع في دمشق نفسها ولا أدري كيف تسرب هذا الخطأ إلى «رحلة شيقة ماتعة بين مدن العرب في الأدب العربي الحديث» كما جاء في كلمة الغلاف..
وأحببت الإشارة إلى هــــذا الخطأ كي يتــــم تداركه فـــي الطبـــعة الثانية. وما أهون الخطأ الذي يمكن تصحيحه قياساً إلى أخطاء لطالما اقترفناها وتستعصي على التصحيح!.. ولا يرممها الندم!

حاكموا محمود عباس وشكسبير أيضا!

غادة السمان